رحلت سعاد حسني في يوم 21 يونيو عام 2001، أي أنها رحلت في اليوم نفسه الذي ولد فيه عبد الحليم حافظ عام 1929. فهل يمكن أن يمثل هذا علامةً ما تشير إلى طبيعة العلاقة الغامضة التي جمعتهما! العلاقة التي أكدها الجميع ونفاها الكل!
على مستوى عالمنا المادي، يبدو هذا التزامن مجرد مصادفة، إن قمنا بتتبعه سنجد عشرات الصدف المماثلة، أما على مستوى الحكاية، فالأمر يختلف، إذ تكفي إشارة واحدة كتلك، ليتدفق سيل من الإلهام بكل القصائد والقصص والأحداث المتخيلة لأجل أفلام لم تكتب بعد!
يوم ماتت سعاد حسني، قررت أن أتوقف عن مشاهدة أفلامها، كان قرارًا حزينًا خرج من طفولتي الغاضبة، وكأن مشاهدتها على الشاشة مرهون بوجودها على قيد الحياة! ولكن أي وجود! هل كان قرارًا حزينًا، أم عقابًا لها! لأنها تخلّت عن وعد لم تقطعه على نفسها أبدًا بألا ترحل!
كان سؤال النهاية يمزقنا «سقوط متعمد! أم زلة قدم لم تعد تحتمل خفة قلب وثقل البدن المريض؟». انهالت علينا ذكريات كل من عرفها عن قرب أو مر من تحت شرفة شقتها بالزمالك. البعض كان يتباهى أنه اكتشف رجولته عبر جسدها الرائع في مراهقته المبهجة، والبعض يقنع نفسه أنها ابتسمت له، حين رأها ذات ظهيرة في وسط البلد، ابتسامةً تخصه وحده فقط! ومن بين سيل الهلاوس والحكايات والفتن، آلمني وصف لم أكن قد سمعته من قبل؛ كان مانشيت (عنوان رئيسي) لإحدى المجلات الفنية «رحلت سعاد أخت القمر»؛ إذ بدا كإعلان شعري يليق بفخامة المأساة.
بعدها عرفت أن أول ظهور لها كان في برنامج إذاعي مع بابا شارو (الإذاعي محمد محمود شعبان الذي كان يقدم برنامجًا أيقونيًا لأطفال منتصف القرن العشرين في مصر) وأن التجلي الأول كان عبر أغنية مطلعها (أنا سعاد أخت القمر).
إلا أن هذا التعبير سيغدو مبتذلًا، بعد سنوات من مضغ سيرتها بكل ما فيها من حلو وحامض، حتى يتوقف الكل عن استخدامه، ويرحل من ظنوا أنهم عرفوها، أو تمنوا هذا. لكن الوصف كان كفيلًا بأن يقص الأشواك التي نبتت في خيالي عن ساعتها الأخيرة، بما أنها أخت القمر فهي إذن لم تسقط، بل صعدت إليه!
لن يترك القمر أخته ملقاةً فوق اسفلتٍ باردٍ في مدينة بعيدة عن مسقط رأسها الجميل، سوف يمد لها سلمًا من ضوئه الأبيض كي ترتقي، حيث منزلتها الطيبة، في مداره المخفي عن أعين المخبرين والصحفيين وعلماء الفلك الجامد.
هي أخت القمر التي صعدت في نفس يوم ميلاد العاشق الأسطوري الذي جمعتها به حكاية ملونة بألف طيف وقوس مطر.
بعد عامٍ كامل، كانت رؤيتها على الشاشة ما تزال تشعرني بالفقد، رغم أنني لم أكن من مجاذيبها المعلنين، كان ثمة شعور بالرثاء يرقد كوحش نائم بعيون مفتوحة داخلي، ورغم بهجة أفلامها ومباهجها وابتهاجنا بها، إلا أن جملةً واحدةً كانت تتكرر كلما مر مشهد لها على الشاشة (الله يرحمها كانت...) جملة لا إعراب لها سوى في قاموس المراثي؛ كانت جميلة، كانت شهية، كانت موهوبة، كانت مبهرة.. كانت وكانت! مع مرور الوقت، ربما أصبح رحيلها القاتم مدعاة لاستحضار زمنٍ كامل، زمن سعاد حسني! تجاوزت اخت القمر التوصيفات التقليدية، ولم يعد سوى الزمن ماثلًا كصفة تليق بميراثها البراق وبمحبة جمهورها المستمرة.
بعد عشرين عامًا من هذا الرحيل، كان الحزن قد بهت، وبقيت الشاشات مثل غابة سحرية تطلق أوكسجين السينما والذكريات، كنت أكتب دراسة عن فيلم «الاختيار» ليوسف شاهين من بطولتها، أمام عزت العلايلي، وهو واحد من فيلمين قدمتهما معه في نهاية الستينيات، الثاني هو «الناس والنيل» في دور شريفة؛ المرأة الأولى، التي يتصارع عليها الأخوين، "سيد" و"محمود"، قابيل وهابيل، التوأم الذي يقتل أحدهما الآخر ويحل في حياة أخيه، المثقف الخائن لوعيه، المبتذل في هوى السلطة، والفنان البوهيمي صاحب الحرية الأصيلة والهوس بالحب والحياة.
مع كل مشهد في الفيلم كنت أتساءل! من كان بإمكانها تقديم هذه الشخصية كما قدمتها هي، بمتطلباتها الباذخة في البراءة والشهوانية. لم يكن أداؤها أداءً تمثيليًا خارقًا، وإنما كان حضورًا فطريًا لنتيجة منطقية؛ هذه المرأة، هذه الممثلة، هذه الجميلة الفاتنة البضة، هي من يمكن أن تحقق الإيهام الكامل بأن رجلان في جسد واحد يتصارعان من أجلها!
استعادت الدراسة التي أعمل عليها عناوين الكثير من الأفلام التي كانت فيها محط الصراع الأول والدائم بين الرجال؛ «الثلاثة يحبونها!» ثلاثة فقط! لا، لم يكن ذلك كثيرًا عليها!
لقد قدمت عددًا كبيرًا من الأفلام كانت فيها هي الأنثى الأولى! وباختلاف الأنواع والألوان، من كوميديا وتراجيديا وسيكو دراما! فخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات بدا من الصعب تصور أن أي صراع أزلي على امرأة في السينما المصرية لم تكن سعاد حسني طرفًا فيه!
يوم صعدت سعاد إلى القمر، قررت التوقف عن مشاهدة أفلامها. ولكنني اليوم، بعد ربع قرنٍ كامل من هذا الصعود، أدرك أنني لم أستطع فعل هذا، فمنذ اكتشاف البشر للسينما، ومنذ تمكنهم من الوسيلة التي تنقل الأحلام من شاشات العقول المنفردة إلى القاعات الواسعة، لم يعد ثمة خسارة لا تعوضها الأفلام! كل خسارات العالم لم تعد تصمد أمام الشاشة الكبيرة!
وهناك، على الطرف الآخر من كل شاشةٍ، لا تزال سعاد حسني تغني وتمرح وتضحك وتتراقص ابتسامتها وتدمع عيناها، وترتعش شفاهها مع كل "بوسة"، قبل صعود شارة النهاية.



