لا أتذكر مرورَ فيلمٍ سينمائيٍّ مقتبسٍ دون أن يُطرح في مقابله سؤال وفاء الفيلم للعمل الأدبي. وما ألاحظه في كل مرة، هو اقتصار المقارنة على الحبكة، أو متتالية الأحداث، وطرق تصوير الشخصيات وبواطنها، مما يحيل إلى سؤال مهم؛ هل الوفاء للرواية لا يقاس إلا عبر هاتين السمتين؟
إن الزعم بأن العمل السينمائي وفيٌّ للرواية ينطوي على تسليمٍ ضمنيٍّ بأن حدود العمل واضحة، وأننا نعرف تمامًا أين يبدأ وأين ينتهي. وهذه المعرفة المزعومة تظلّ في الواقع مرهونةً بحدود الحبكة وتصوير بواطن الشخصيات ودوافعها، إلا أننا حين نوسِّع مفهومَ العمل الأدبي بما يتجاوز هذين العنصرين، نقع في مشكلة أكبر، مشكلة كلاسيكية: هي مشكلة المعنى.
إن تجاهل المتلقي بوصفه طرفًا رئيسًا في عملية تشكيل المعنى هي سمةٌ دائمةٌ في الممارسات النقدية العربية. وهناك تقليدٌ كلاسيكيٌّ يقول -ضمنًا وصراحةً- أن النص "يقول"، والنص "يعني"، وغيرها من التعبيرات التي تجعل النص متحدثًا بذاته، لا نصًا يُستنطق عبر قارئ أو متلقي. تشبه هذه الممارسة وضعَ سدٍّ يحمينا من انهمار التأويلات وضياعِ فرصة الإجماع على حكم القيمة، إذ من السهل الإشارة إلى متن العمل تحديدًا والاتفاق حول وجوده، ولكن الاتفاق حول معناه يحمل بالضرورة الاختلافَ والتشظّي.
وتتعقَّد المشكلة حين نُضيف بعدًا آخرًا، وهو الملكية. فالنّص الذي نشير إليه باسم الأوديسة ويحمل اسم هوميروس لا يخلق تنازعًا حول ملكيته، غير أن المعنى يظلّ متحررًا من كل انتماء، ولا يمكن إسناد ملكيته إلى جهة واحدة وواضحة، إنه متواجدٌ على الدوام في هذه المنطقة المتحركة؛ فهو ليس في النص وليس بحوزة القارئ، وإنما في مزيجٍ يجمع اللغة المكتوبة والتصورات الذهنية والتجربة الحياتية والظروف التاريخية والواقع السياسي الحالي ومنظومة القيم والكثير غيرها.
ولأن لفظ الاقتباس يعطي طابعَ النقل، يُظنّ أن الاقتباس السينمائي هو نقلُ المادة الأدبية من وسيطها اللغوي إلى وسيطها البصري، وهو ما يتّسق مع المقارنة السابقة بين الحبكة والشخصيات في العملين، إلا أن الاقتباسَ هو في الواقع قراءةٌ سينمائيةٌ يتحكّم في معناها المخرجُ وليس كاتب النص الأدبي. وعليه، تكون عملية الاقتباس كاشفةً للفروق بين المخرج المؤلف (Auteur) والمخرج الناقل.
نستطيع القولَ إن المخرج يتواجد دائمًا في تلك المنطقة النقدية التي تسمح له بتقديم قراءته الخاصة للعمل الأدبي بوصفه مخرجًا مؤلفًا، حيث يستطيع، من جهة، تقديم قراءة كاملة للعمل الأدبي، ومن جهة أخرى، تطويعَها ضمن رؤيته السينمائية. ولذا نستطيع أن نتساءل: عندما نشاهد فيلم «الأوديسة» (The Odyssey) الصادر مؤخرًا، محاولين قراءة معانيه، هل نتعرّف على هوميروس أكثر أم على كريستوفر نولان؟
ستكون الإجابة على الدوام في منطقة ما في المنتصف، ورغم ذلك نستطيع القول بأن المخرج المؤلِّف سيجعل العمل يكشف عنه أكثر، أما المخرج المحاكي، أو الناقل، ستكون مساحته أقل بكثير وسيَطغى صوت الروائي والعمل الأدبي عليه. من الواضح هنا، وبالاستعانة بأعمال نولان الأخرى، أننا سنتعرف، من خلال هذا العمل، على نولان وليس على الأوديسة أو هوميروس.
ولذلك، سأحاول تجنّب عقد المقارنات بين النص الأدبي والفيلم، لأن ذلك -في ظنّي- يخلُّ بالعقد الضمني بين العمل وبيني بوصفي مشاهدًا يحاول تلقي هذا العمل بشروطه، لا سيما وأننا نتحدث عن فيلم من نتاج مخرج قرر أن يحكي الملحمة انطلاقًا من رؤيته.
يمكن صياغة السؤال بأكثر من طريقة، ولعلّ أكثر هذه الصياغات كلاسيكيةً هو الصراع الدائم بين الشكل والموضوع. فمن يرى جوهريةَ الفيلم في موضوعه، يرى أن عقد المقارنات بين الأفلام والأدب ممارسةٌ مشروعةٌ في تلقي العمل، في حين من يؤمن بالشكل، سيرى بأن تغيّر الشكل يؤدي إلى تغير العمل بالكامل، وأن كشف بواطن العمل يتطلّب طريقًا تفصله بالضرورة عما يمكن وصفه -تجاوزًا- بالنص الأصلي.
أود الآن استعراض فيلموغرافيا كريستوفر نولان، لأني أزعم بأنها ستساعدنا على تلقي «الأوديسة» بشكل أفضل.
عند الحديث عن نولان وأفلامه، ليس هناك ما هو أفضل من البدء بعلاقته بالزمن، إذ باتت هذه العلاقة بين نولان واستخدامه الجديد للزمن أمرًا شائعًا، واللافت أن استخدامه له ليس مجرد لعبة أو تحايلًا شكليًا وإنما قرارٌ جوهري في بناء العمل. ولذلك صرنا ننتظر فيلمه القادم لنرى كيفية توظيفه للزمن هذه المرة. يتجاوز الزمن عند نولان حضوره كشريطٍ تمتد عليه الأحداث، ليلعب دورًا أكبر يرتبط بموضوعات الفيلم نفسه.
إذا تأملنا المسار السينمائي لكريستوفر نولان، سنلاحظ أن كل فيلم تقريبًا كان بمثابة تجربة مستقلة لاختبار تصور معين للزمن، شيء يمكن أن نطلق عليه "الزمن المفاهيمي". ففي فيلم «مفكرة» (Memento, 2000) ارتبط الزمن بالذاكرة، حتى صار فقدانها يعني انهيار الإحساس بالتتابع الزمني نفسه. وفي فيلم «السؤدد» (The Prestige, 2006) اتخذ الزمن صورة التكرار؛ حياة يعاد تمثيلها كل يوم، وهوس لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد. أما فيلم «استهلال» (Inception, 2010) فقد قدّم الزمن الممتد والمرن، الذي تتفاوت سرعته بين مستويات الحلم المختلفة، بحيث تعيش الشخصيات أكثرَ من زمن في اللحظة نفسها. وفي فيلم «بين النجوم» (Interstellar, 2014) أصبح الزمن قوةً فيزيائيةً تعيد تشكيل العلاقات الإنسانية، حيث لا تكون المأساة في عبور المكان، وإنما في اتساع المسافة الزمنية بين الأب وابنته. ثم جاء فيلم «دنكيرك» (Dunkirk, 2017) ليجعل الزمن مسألة منظور؛ فالحدث التاريخي الواحد يُعاش عبر ثلاثة إيقاعات زمنية مختلفة، لا يكتمل معناها إلا عندما تتقاطع في النهاية. وأخيرًا، في فيلم «أوبنهامير» (Oppenhiemer, 2023) يتحول الزمن إلى أداة لإعادة بناء التاريخ، فلا يُقدَّم الماضي وفق ترتيبه الزمني، بل وفق الطريقة التي تستدعيه بها الذاكرة والشهادات والصراعات السياسية.
المثير في «الأوديسة» أن نولان يختار ضمَّ كل تصوراته عن الزمن داخل بنية واحدة، حتى يبدو الفيلم وكأنه تتويجٌ لمسيرته مع الزمن. فالأوديسة، بطبيعتها، نص لا يمكن اختزاله في خط زمني واحد. إنها رحلة تمتد عشرين عامًا، لكنها لا تُروى وفق ترتيب حدوثها، بل عبر الاسترجاع والتذكر والحكي، وهو ما يُعيد إلى الأذهان العلاقة بين الزمن والذاكرة في فيلم «مفكرة». وفي الوقت نفسه، نجد أن الشخصيات لا تعيش الزمن بالمعدل نفسه؛ فأوديسيوس يمر بتجارب تجعل السنوات تبدو وكأنها حياة كاملة، بينما تبقى إيثاكا معلقةً في زمن الانتظار، حيث تعيش بينيلوبي وتليماخوس عشرين عامًا من السكون والترقب، في مفارقة تذكر بالأثر الإنساني للنسبية الزمنية في فيلم «بين النجوم»، وإن كان مصدرها هنا وجوديًا لا فيزيائيًا.
وتفتح محطات مثل جزيرة كاليبسو وسيرسي تصورًا مختلفًا للزمن، أقرب إلى الزمن الأسطوري الذي ينفصل عن الإيقاع البشري المعتاد، فتبدو السنوات وكأنها لحظة، أو اللحظة وكأنها سنوات، وهو تصور يجد صداه في مرونة الزمن التي بنى عليها نولان فيلمه «استهلال». وفي المقابل، يوزِّع الفيلم السرد على مسارات متعددة: رحلة أوديسيوس، وانتظار بينيلوبي، ونضوج تليماخوس، وحركة الخطّاب داخل القصر، وهي خطوط تتقدم كل منها وفق إيقاعها الخاص، قبل أن تتلاقى في لحظة العودة، تمامًا كما فعل فيلم «دنكيرك» حين وحّد أزمنة مختلفة داخل حدث واحد. وحتى طريقة بناء الفيلم، التي تستدعي الماضي باستمرار لفهم الحاضر وإعادة تفسيره، تستكمل الفكرة التي بدأها فيلم «أوبنهامير» مع التاريخ والذاكرة، حيث لا يكون الماضي شيئًا انتهى، وإنما عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحاضر.
بهذا المعنى، قد يرى البعض أن «أوديسة» نولان مجرد فيلم متكرر لا يضيف تجربةً أخرى إلى سلسلة تجاربه مع الزمن، ولكنه يجمع هذه التجارب داخل رؤية واحدة. فبعد أن كان كل فيلم يختبر وجهًا محددًا من وجوه الزمن، تأتي «الأوديسة» لتجعل هذه الوجوه تتجاور وتتفاعل داخل النص نفسه، حتى يغدو الزمن، بكل تحولاته النفسية والسردية والأسطورية والتاريخية، اللغةَ التي تُبنى بها الحكاية، لا الموضوع الذي تتحدث عنه فحسب.
قبل فيلم «الأوديسة»، كانت أفلام نولان عبارةً عن فرضيةٍ زمنيةٍ يختبرها الفيلم وثيماته، فالزمن أصبح الوسيط المتغلغل حيث لا يمكن للحكاية أن تُروى إلا عبره، الحكاية كما يراها نولان طبعًا ووفق قراءته لها. أي بالإمكان أن نستنتج من ذلك أيضًا، أن الزمن بجانب حضوره المفاهيمي المختلف، يحضر بوصفه مختبرًا سرديًا جديدًا؛ زمن يفرض شكلًا سرديًّا جديدًا. وعليه، يتبين لنا أن كريستوفر نولان حكَّاءٌ بارعٌ وليس مخرجًا بميزانية ضخمة وألاعيب زمنية رخيصة فحسب.
لا أود الإطالة في استعراض المختبرات السردية لأفلام نولان السابقة، ولكني سأكتفي بذكر بعضها كي نستطيع رؤية التكامل بين الزمن المفاهيمي والتجربة السردية. وأوضحها هو فيلم «مفكرة» بلا شك، حيث يتكامل الزمن الخطي المقلوب وتجربة السرد التي تحاكي لينارد الذي يفقد ذاكرته كل عشر دقائق، وذلك ما نستشعره نحن المشاهدون عندما نرى العواقب أولًا، ومن ثم تتكشف لنا الأسباب، عندما نشاهد الفيلم بخط زمني مقلوب. أما في فيلم «أوبنهايمر»، فقد اختار نولان تقسيمَ الفيلم إلى خطين مختلفين، الأول ذاتيٌّ يخص ما يعتقده أوبنهايمر ورحلته في مشروع مانهاتن، والآخر موضوعيٌّ يخص ما تلى ذلك من تحقيقات واتهامات، وهو ما يتسق مع ثيمة العمل ومساءلة أوبنهايمر نفسه عما إذا كان بطلًا أو وحشًا.
ونرى تكاملًا ملفتًا بين الزمن المفاهيمي الجديد في «الأوديسة» وفن الحكي أو السرد، ويبلغ هذا المشروع ذروته؛ لأن نولان عِوض فرضه لبنيةٍ سرديةٍ معقدة على نصٍ بسيط، يجد نصًا تأسّس منذ بدايته على التلاعب بالزمن والحكي، فالأوديسة ليست رحلةً تُروى من بدايتها إلى نهايتها، وإنما تبدأ بعد سنوات من الحرب، ثم تقفز بين حاضر أوديسيوس وماضيه، بينما تتوزَّع الأحداث بين مسارات متزامنة؛ أوديسيوس في رحلته، وبينيلوبي في انتظارها الطويل، وتيليماخوس في بحثه عن أبيه، قبل أن تتقاطع جميعها في لحظة العودة إلى إيثاكا. والأهم أن القسم الأكبر من مغامرات أوديسيوس لا يُقدَّم بوصفه أحداثًا تقع أمامنا بقدر وصفها أحداثًا يستعيدها البطل بنفسه وهو يرويها لغيره، فتغدو الذاكرة جزءًا من البنية السردية، لا مجرد وسيلة لاستحضار الماضي.
هذه الطريقة تمنح الحكاية مستويات متعددة؛ فهناك زمن وقوع الحدث، وزمن تذكره، وزمن روايته، ثم زمن تلقيه في القصر عبر راوي النشيد، وأخيرًا زمننا نحن المتلقين الجالسين على كراسي القاعة، وهي مستويات لطالما شغلت نولان في أفلامه السابقة، لكنها كانت موزعة على أعمال منفصلة. أما في «الأوديسة»، تجتمع هذه التصورات داخل فيلم واحد، فيتحول السرد إلى عملية مستمرة لإعادة تنظيم الزمن، ويصبح الانتقال بين الأزمنة، وتأخير المعلومات، وإعادة تفسير الأحداث، أدواتٍ لبناء المعنى لا حيلًا شكليةً لإرباك المشاهد.
ولهذا يبدو الفيلم امتدادًا طبيعيًا لمشروع نولان؛ فهو لا يقتبس الأوديسة لأنها قصة مغامرات ملحمية، وإنما لأنها تمنحه بنية سردية تسمح لكل هواجسه القديمة بالظهور في آن واحد. وإذا كانت أفلامه السابقة قد تعاملت مع الزمن بوصفه تجربةً نفسيةً أو فيزيائية أو تاريخية، فإن فيلمه الأخير يجعل من الزمن فعلًا سرديًا خالصًا، حيث لا تُفهم الشخصية إلا من خلال الطريقة التي تروي بها ماضيها، ولا تُفهم الرحلة إلا من خلال إعادة ترتيبها، ولا تصبح العودة إلى الوطن حدثًا مكانيًا، وإنما رحلةً عبر الزمن نفسه، يكتشف فيها أوديسيوس، كما يكتشف المشاهد، أن الإنسان لا يعود إلى وطنه كما غادره، لأن الزمن يكون قد أعاد تشكيل الاثنين معًا.
نلاحظ في جميع أفلام نولان تقريبًا، أنها قصص تدور حول شخصيات استثنائية، بمهارات تفوق المعتاد والمتوسط بكثير، وتؤمن هذه الشخصيات بأن امتيازاتها تكفي لأن تكون فاعلة في وجه أي محنة. ويكفي استرجاع أبطال أفلامه وتأمل رغبتها في تغيير ما هو أشبه بالمستحيل، حتى يتضح ذلك أمامنا بجلاء. ولعلّ ما ينجذب إليه نولان أيضًا هو مراقبة اللحظة التي تتحول فيها هذه القدرة من مصدر للنجاة إلى خطر، أو عدو.
والأمر ذاته ينطبق على أوديسيوس الذي يظن بذكائه أنه قادر على مجابهة إرادة الآلهة، فأوديسيوس ليس أعظم المحاربين، وإنما أعظم المحتالين وأبرعهم. ذكاؤه هو الذي ينقذه مرارًا من سائر محن الرحلة، لكنه هو نفسه الذي يقوده إلى السقوط حين يعجز عن مقاومة رغبته في إعلان اسمه بعد الهروب من العملاق مثلًا، فيتحول انتصاره إلى بداية عقابٍ طويل. هنا يتجلّى الكبرياء في صورته الإغريقية: ثقة مفرطة وليس غرورًا أجوف، ثقة في قدرة الإنسان على السيطرة على مصيره بعقله وحده. وهو ما يجعل أوديسيوس امتدادًا طبيعيًا لأبطال نولان؛ فكلهم يملكون قدرة استثنائية، وكلهم يكتشفون -بدرجات مختلفة- أن أكثر ما يهدد الإنسان ليس نقص المعرفة، بل الوهم بأن المعرفة تكفي وحدها لترويض العالم.
هنا نستطيع أن نسأل، ما هي النهاية المتوقعة لأوديسة نولان بعد كل هذا النقاش، وبالاستعانة بجميع أفلامه السابقة؟
يختار لينارد في «مفكرة» الوهمَ على الحقيقة، وينتهي «السؤدد» (The Prestige) بانتصارٍ بلا طعم بعد خسارةٍ كبيرةٍ وثمنٍ باهظ، ولا يلتقي كوبر بابنته إلا قبل أن يخسرها بعد وقت قصير جدًّا، أما «أوبنهايمر» فإن نجاحه هو رعبٌ وجوديٌّ أزلي. عبر هذه المعطيات نستطيع استقراء نهاية «أوديسة» نولان، وتوقع استحالة انتهائها، من وجهة نظر نولان، بالنهاية المعتادة: استعادة المُلك، إذ لابد أن تنتهي بانتصار يحمل طعم الخسارة، ولذلك حين نرى أوديسيوس ينتصر في معركته الأخيرة في القصر، نخمن أنه لابد أن يخسر، ويصبح نفيه هو النهاية الملائمة للفيلم ومسار أحداثه، وأيضًا، لنولان، وتاريخه، وقراءته لهذه الملحمة العظيمة.
في الختام، يظلّ سؤالٌ وحيدٌ يتكرر في ذهني: لماذا وُضع أجامنون على الملصق التسويقي وليس أوديسيوس؟ لا أعتقد أني أملك إجابة قاطعة، ولكن بعد هذه القراءة، يبدو وجوده على الملصق كمفتاحٍ لقراءة «أوديسة» نولان، فهي لا تبدأ مع أوديسيوس، وإنما مع سؤال العودة ذاته. يمثل أجامنون العودة التي ظنت أن الزمن لم يغيّر شيئًا، بينما يمثل أوديسيوس العودة التي تعلمت أن الزمن يغيّر كل شيء. وبين الشخصيتين يرسم نولان فكرته الأهم؛ أن البطولة لا تكمن في النجاة من الرحلة، وإنما في إدراك أن العودة الحقيقية لا تعني استعادة الماضي، بل القدرة على التخلي عنه. أي، الزمن هو المنتصر دائمًا، والانتصار الوحيد الممكن لنا هو تقبل ذلك بكامل إرادتنا.




