رحلة الصعلوك: كيف غيّر تشابلن مفهومنا للكوميديا؟

September 7, 2026

تشابلن وتأسيس التجربة: من كوميديا العرض إلى توقيع المؤلف

لم تكن السينما في العقد الأول من القرن العشرين قد استقرت بعد على هويتها الفنية؛ كانت أقرب إلى استعراض ترفيهي يُعرض في المعارض والأسواق منه إلى وسيلة سردية ناضجة. وفي هذا المناخ المتقلب دخل شارلي تشابلن الحقل وقلب موازينه الراسخة. كانت الكوميديا الجسدية السائدة، وعلى رأسها ما أرساه ماك سينيت في استديوهات كيستون، تقوم على الحركة الميكانيكية المتسارعة والمبالغة الفجة، من غير أن تحمل أي عمق نفسي يُذكر.

ما ابتكره تشابلن لم يكن نوع الحركة بقدر ما كان مصدرها. فبخلفيته القادمة من قاعات الموسيقى البريطانية، وتدريبه في فرقة فريد كارنو، أدرك أن الكوميديا الحقيقية لا تصنعها الحادثة، وإنما رد فعل الشخصية إزاءها. يتكرر عند مؤرخي السينما مثال دالّ على هذا الفارق: حين يصطدم ممثل كيستون بشجرة؛ يضحك الجمهور لفجاجة الاصطدام وحدها؛ أما حين يصطدم تشابلن بشجرة فإنه يرفع لها قبعته معتذرًا، فتصير ضحكة الجمهور موجهة نحو رجل معدم يتشبث بآداب الطبقة الراقية وسط فقره. بسبب هذا التحول، فُهمت لغة تشابلن البصرية في كل مكان تقريبًا من دون أن تحتاج ترجمة؛ صار جسده يقول أشياء لم تكن الكوميديا الجسدية قبله تتخيل أن الجسد قادر على قولها.

استطاع تشابلن، بفضل إصراره على التحكم الكامل في أعماله، أن يمارس فعليًا ما سيُعرف لاحقًا، وبعد عقود، بمفهوم «المؤلف السينمائي» الذي بلوره نقاد مجلة كراسات السينما. فحين انتقل من كيستون إلى إيساني، ثم إلى استوديوهات ميوتشوال بين عامي 1916 و1917، مُنح ميزانيات وحرية فنية غير مسبوقة، براتب بلغ عشرة آلاف دولار أسبوعيًا إضافة إلى مكافأة توقيع كبيرة. كان يبني أفلامه وفق التجربة والخطأ أمام الكاميرا مباشرة، من دون سيناريو تقليدي يُلتزم به. صوّر في «المهاجر» (The Immigrant, 1917) وحده أكثر من تسعين ألف قدم من الشريط الخام، وهو رقم يقترب مما صوّره غريفيث لملحمته الطويلة «التعصب» (Intolerance, 1916)، ليخرج في النهاية بفيلم لا يتجاوز ألفًا وثمانمائة قدم ومدته أربع وعشرون دقيقة.

لم يمر هذا الإنجاز مرور الكرام على النقاد الأوائل. ففي عام 1921 نشر الناقد الفرنسي لويس ديلوك كتابه (شارلو)، وهو أول دراسة نقدية مطوّلة تُخصَّص بالكامل لفنان سينمائي، إذ رأى في حركة تشابلن تجسيدًا للحداثة والطليعة الفنية. أما المنظّر المجري بيلا بالاژ فقد ذهب في اتجاه قريب، لكن من زاوية الوجه وليس الجسد ككل، فقد وجد في إيماءات تشابلن قوة لغة بصرية أعادت للإنسان قدرة تعبيرية طمسها عصر المطبعة.

أثر السيرة الشخصية

لا يمكن فهم عالم تشابلن السينمائي بمعزل عن سيرته. وُلد في لندن عام 1889 لأبوين من فناني قاعات الموسيقى المغمورين، وعاش طفولة أكلها الفقر والجوع. بعد انفصال والديه واجهت والدته أزمات نفسية حادة انتهت بإيداعها مصحة عقلية، فانتهى به الحال مع أخيه غير الشقيق سيدني في ملاجئ الفقراء الفيكتورية.

لم تبقَ هذه التجربة خلفية سيرة عابرة؛ فقد تسربت إلى أفلامه كلها. تحوّلت صدمة الجوع والتشرد وسلطة المؤسسات القمعية، من الشرطة إلى مسؤولي الملاجئ ورجال الدين المزيفين، إلى تيمات بصرية متكررة. لاحظ الناقد أندريه بازان أن تعامل تشابلن مع الجوع يختلف عمن سبقه من المخرجين ممن اكتفوا بوصفه من الخارج؛ فهو، عند بازان، مخرج عرف الجوع من الداخل ولم يرصده من الخارج فقط.

صمم تشابلن شخصية المتشرد لتكون تجسيدًا بصريًا للتناقض الطبقي، إذ تجسد السترة الضيقة والسروال الفضفاض التنافر بين طموح برجوازي وواقع بروليتاري متهالك؛ وتكاد عصا الخيزران أن تكون محاولة يائسة للتشبث بأرستقراطية زائفة؛ كما تحمل القبعة الصلبة المهترئة احترامًا مزعومًا يتناقض مع وضعه كمنبوذ اجتماعي. حتى مشيته المتأرجحة، بحذائه الضخم، يمكن أن تُقرأ تعبيرًا جسديًا عن عدم الانتماء، واستمرارًا للحركة كأنها آلية النجاة الوحيدة المتاحة له. يمثل هذا الزي في مجمله نقدًا بصريًا قائمًا بذاته للفجوة بين الأغنياء والفقراء، ومحاولة عبثية للتشبث بمظاهر البرجوازية. 

وفي فيلم «الطفل» (The Kid, 1921)، أعاد تشابلن إنتاج مخاوف طفولته من التفكك الأسري مباشرة، وفيه يتبنى المتشرد طفلًا لقيطًا، ويخوضان معًا معركة ضد مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تحاول التفريق بينهما بالقوة، تمامًا كما حدث معه في صباه.

بين الضحك والمأساة: حين يضحك الجمهور مع المتشرد لا عليه

تقوم فلسفة تشابلن الكوميدية على فكرة أن الضحك والمأساة ليسا نقيضين كما تصورهما الفنون الكلاسيكية، بل وجهان متلاصقان لتجربة إنسانية واحدة. لم يكن يرى الكوميديا هربًا من قسوة الحياة، و إنما مواجهة شجاعة لها. تُنسب إليه مقولة تشبّه الضحك بأخذ المعاناة ولكمها في وجهها، وإن كان توثيقها الدقيق في مصدر أول غير مؤكد. الأوثق بين أقواله ما ورد في سيرته الذاتية: «الحياة مأساة حين تُرى من قريب، لكنها كوميديا حين تُرى من بعيد.»، ولهذا أدخل التراجيديا والشفقة في صلب بنائه الكوميدي، فصار الجمهور يتعاطف مع المتشرد بدل أن يضحك عليه.

يتناقض هذا جذريًا مع نظرية الفكاهة الكلاسيكية عند توماس هوبز، التي ترى أن ضحك الإنسان على مصائب غيره ينبع من شعور خفي بالتفوق عليهم. أما مع تشابلن فتنهار هذه النظرية عمليًا؛ إذ يتوحد المتفرج مع الشخصية بدل أن يستعلي عليها. وحين يضحك المتفرج فهو، كما يرى محللون نفسيون، يمارس آلية دفاعية تتيح له مواجهة مخاوف مكبوتة كالجوع والتشرد والموت بطريقة آمنة.

قدّمت حنة أرندت قراءة لافتة لشخصية المتشرد، في مقالها «اليهودي كمنبوذ» الذي نشرته عام 1944. صنّفت تشابلن ضمن نموذج ما أسمته (المشتبه به): الشخص الذي يقع دومًا تحت دائرة الشك، ويُفترض أنه مذنب لمجرد وضعه الاجتماعي، ويُعاقب بقسوة لا تناسب أي ذنب فعلي. وربطت شخصيته بتراث (الشليميل) في الفلكلور اليديشي، أي ذلك الأحمق سيئ الحظ الذي يستخدم حيلته البسيطة، لا قوته، ليتجاوز سلطة لا تعترف بوجوده.

من نقد المجتمع إلى نظرية السينما

لم تكن كوميديا تشابلن أداة دفاع نفسي فحسب؛ فقد قرأها فلاسفة مدرسة فرانكفورت كأداة نقد سياسي للرأسمالية الصناعية. رأى والتر بنيامين، في سياق تحليلاته لعصر الاستنساخ الآلي، رأى في أفلام شابلن تدريبًا للجماهير على استيعاب صدمات الحياة الحضرية، حيث تعكس حركات المتشرد المتقطعة صدمة خط التجميع، ويمثل ضحك الجمهور استجابة نقدية لهذه الصدمة نفسها. ذهب سيغفريد كراكاور، من جهته، أبعد قليلًا حين اعتبر «الأزمنة الحديثة» (Modern Times, 1936) فضحًا لأيديولوجيا الكفاءة الصناعية، يكمن الصراع فيها، في نظره، في التنظيم الرأسمالي الذي يمحو إنسانية الجسد، لا في الآلة بصفتها كيانًا شريرًا بذاته.

ورأى رولان بارت، في مقاله «الفقير والبروليتاري» من كتابه «أسطوريات»، أن تشابلن يجسّد "البروليتاري البدائي": رجل يعبّر عن جوعه أكثر مما يعبّر عن وعيه الطبقي، فالمتشرد يثور على الآلات لكنه يقف أعمى أمام الإضرابات والحلول الجماعية. واللافت أن بارت نفسه يستحضر هنا فكرة لبرتولت بريخت: أن يُظهر الفنان عماه أمام الجمهور، بحيث يرى المتفرج العمى والمشهد معًا في آن واحد، فيرى بوضوح أشد ما لا يراه المتشرد نفسه. ومع هذا العمى السياسي، يخلص بارت إلى أن فوضوية المتشرد الفردية، ورفضه الاستثمار في أي شيء غير إنسانيته المجردة، «تمثل ربما الشكل الأكثر كفاءة للثورة في الفن»، وهذه عبارته هو تحديدًا، لا تلخيص لاحق لها.

على النقيض من حماس بنيامين، وجّه ثيودور أدورنو نقدًا صارمًا لتوظيف السينما كصناعة ثقافية مخدِّرة. انتقد بشدة «الديكتاتور العظيم» (The Great Dictator, 1940)، معتبرًا أن محاكاة هتلر عبر شخصية محبوبة كالمتشرد تسطّح هول الفاشية. غير أنه أقرّ، في رسائل ومقاطع أخرى من كتاباته، بأن كوميديا تشابلن الجسدية المبكرة تحمل قوة تدميرية تقاوم تسليع البشر.

المهاجر والمدينة: فيلم عن الوصول والخيبة

يعد «المهاجر» (1917)، الفيلم الحادي عشر لتشابلن مع شركة ميوتشوال، واحدًا من أعظم أعماله القصيرة، وهو من بين القلة من أفلامه القصيرة التي حظيت لاحقًا بالحفظ في السجل الوطني للأفلام بمكتبة الكونغرس. ينقسم السرد فيه مكانيًا إلى شطرين: الأول على متن سفينة عابرة للأطلسي، والثاني في مطعم مزدحم بنيويورك، وهي ديناميكية تذكّر بمفهوم "إنتاج الفضاء" عند هنري لوفيفر: فضاء عبور مقابل فضاء استهلاك.

يعيش المهاجر في الفيلم ما أسماه مارك أوجيه "اللا-أمكنة"، أي فضاءات العبور المؤقتة التي تجرد الإنسان من هويته. ولتصوير تمايل السفينة لم يكتفِ تشابلن بخدعة بصرية، بل ركّب مع مصوره رولي توثيروه بندولًا ضخمًا على حامل الكاميرا، ووضع ديكور المطعم على هيكل متأرجح بحيث تتحرك الكاميرا والديكور معًا. هذا التمايل، يتجاوز الذي يصيب الركاب بدوار حقيقي، ويحول الكوميديا إلى استعارة بصرية عن اقتلاع المهاجرين من جذورهم.

ينظر المهاجرون في المشهد الذي يسبق وصول السفينة مباشرة بأمل إلى تمثال الحرية، قبل أن يتحطم هذا الأمل في اللحظة التالية حين يطوّقهم مسؤولو الهجرة بحبل ويسوقونهم كالماشية. أربعون ثانية تختصر ما درج كثير من مؤرخي السينما على قراءته إدانة سياسية مبكرة: يردّ تشابلن بركلة مباغتة في مؤخرة الضابط حين يدير ظهره، ركلة تحتمل أكثر من قراءة، بين التمرد والخوف والرفض. صُوّر الفيلم عام 1917، العام نفسه الذي أقرّ فيه الكونغرس قانون الهجرة الذي قيّد دخول الأميين والآسيويين، وهو تزامن جعل كثيرين يقرؤون رسالة الفيلم تدخلًا سياسيًا في لحظة تاريخية متوترة، وإن كان تشابلن نفسه لم يصرّح بذلك صراحة. وبعد عقود استُخدم هذا المشهد بعينه كأحد (أدلة) مكتب التحقيقات الفيدرالي على معاداة تشابلن لأمريكا إبان المكارثية.

يواجه المهاجر في النصف الثاني سلطة من نوع آخر: سلطة رأس المال. يجد المتشرد نفسه مفلسًا بعد أن سقطت عملته من ثقب في جيبه، ويراقب في رعب صامت نادلًا ضخمًا، أداه إريك كامبل، يوسع زبونًا آخر ضربًا ويطرده لعجزه عن دفع بضعة سنتات. تتجلى هنا نظرية أرندت عن (المشتبه به) من جديد: النظام الاقتصادي الحضري لا يرحم ضعف الوافد الجديد، والنجاة تعتمد كليًا على حيلة المنبوذ، كتلاعبه بعملة تركها زبون كبقشيش دون أن ينتبه لها النادل. ومع قسوة هذا الفضاء، تبقى فيه أيضًا لحظة تضامن أفقي بين المطحونين، تتجسد في علاقة المتشرد بالفتاة المهاجرة ومشاركتهما القليل الذي يملكانه.

توثّق سلسلة «تشابلن المجهول»، وهي من إخراج المؤرخين كيفين براونلو وديفيد جيل، أن جزءًا كبيرًا من الفيلم تشكّل بالارتجال أمام الكاميرا دون سيناريو مسبق. فبحسب هذه الوثائقيات، بدأ التصوير من مشهد المطعم، الذي تطلّب 384 إعادة حتى مرضت الممثلة إدنا بيرفيانس من كثرة ما أكلت من فاصوليا. ولم يفكر تشابلن في خلفية الشخصيتين المفلستين إلا بعد الانتهاء من هذا المشهد، فقرر عندها بناء مشهد السفينة. استغرق تحويل تسعين ألف قدم من الخام إلى فيلم نهائي أربعة أيام وليالٍ متواصلة من المونتاج.

يرى أندريه بازان أن تشابلن رفض المونتاج السريع الذي نادى به مخرجو السوفييت أمثال أيزنشتاين، واعتمد بدلًا منه على اللقطات الطويلة والمسرحة داخل الإطار الواحد، بما يحترم استمرارية المكان ويمنح المشاهد حرية اكتشاف تفاعلات المدينة من غير توجيه قسري.

الفارق بين فضائي الفيلم واضح إذا وُضعا جنبًا إلى جنب. المكان متأرجح وغير مستقر بطبيعته على متن السفينة، ودوار البحر هو الاستعارة المباشرة عن اغتراب لا يحتاج شرحًا؛ والسلطة هناك سلطة الدولة ممثلة بشرطة الهجرة. في المطعم، المكان ثابت في ظاهره وحده، لكنه محكوم بقانون آخر لا يقل قسوة: قانون المال، وسلطته سلطة النادل العنيف بوصفه واجهة لرأس المال. وإذا كانت المقاومة على متن السفينة مقاومة جسدية مباشرة، ركلة في مؤخرة الضابط، فإنها في المطعم تتحول إلى حيلة وذكاء اجتماعي: تحايل مالي صغير يكفي للإفلات من عقاب أكبر منه بكثير.

تشابلن أمام مشاهد اليوم: لماذا لا يزال يُشاهَد؟

قراءة أفلام تشابلن اليوم لا تقتصر على الحنين إلى السينما الصامتة؛ فلغة الإيماءة عنده أداة تواصل تتجاوز الحواجز اللغوية. حين اجتاحت السينما الناطقة هوليوود أواخر العشرينيات، قاوم تشابلن دخول الصوت المباشر أكثر من عقد، مقتنعاً بأن الكلمة المنطوقة ستقيّد المتشرد بهوية طبقية ولغة قومية محددة. وظّف الصوت في «الأزمنة الحديثة» (Modern Times, 1936) كعنصر معادٍ، صوت رئيس المصنع عبر الشاشات، وحين اضطر المتشرد للغناء أخيرًا غنى بكلام لا معنى له، في ما يمكن أن يُقرأ محاولة لإثبات أن التواصل الإنساني لا يحتاج بالضرورة إلى كلمات مفهومة.

بعد أكثر من قرن على «المهاجر»، تغيّرت ملامح العالم السطحية بفعل العولمة، لكن جوهر الأزمة لم يتبدل. كان العالم عام 1917 يعيش صدمة التشريعات الأمريكية المقيّدة؛ واليوم نعيش عصر الجدران الحدودية، واللاجئين الذين يبتلعهم البحر المتوسط، ومخيمات الاحتجاز. صورة المهاجرين المربوطين بالحبال خلف تمثال الحرية تبدو اليوم أقرب إلى نبوءة منها إلى مشهد من الماضي.

وفي قضية العمل، حذّر تشابلن من تحويل الإنسان إلى ترس في خط التجميع. اليوم، ومع تحليلات مفكرين مثل ديفيد هارفي حول التطوير الحضري الذي يطرد الطبقات العاملة، اتخذ الاغتراب أشكالًا أشد خفاءً: الأتمتة، والعمل الهش، والرقابة الرقمية، وخوارزميات التوصية التي تُدار اليوم بأدوات ذكاء اصطناعي تحكم اقتصاد الانتباه بطريقة تشبه، من بعيد، الطريقة التي كانت بها خطوط الإنتاج تحكم أجساد العمال. لم يكن نقد تشابلن موجهًا إلى الآلة نفسها في جوهره، بقدر ما كان موجهًا إلى النظام الذي يسخّرها لخدمة الإنسان بدل العكس. ولعل هذا، مع الحذر من فرط التعميم، ما يبقي نقده صالحًا جزئيًا لقراءة اقتصادنا الرقمي الراهن.

امتد أثر تشابلن إلى أبعد من زمنه. في إيطاليا ما بعد الحرب استلهم فيتوريو دي سيكا روح المتشرد في «معجزة في ميلانو» (Miracle In Milan, 1951) ليروي حكاية تضامن الفقراء في مواجهة الجشع. وفي مصر لُقّب نجيب الريحاني بـ(تشابلن الشرق)، إذ استخدم شخصية (كشكش بيه) سلاحًا ساخرًا للدفاع عن الكادحين ونقد الطبقات المتعالية.

كانت صور تشابلن النقدية دقيقة إلى درجة أقلقت الحكومة الأمريكية؛ ففتح مكتب التحقيقات الفيدرالي، بقيادة جيه. إدغار هوفر، ملفًا أمنيًا تجاوز 1,900 صفحة، وراقب مكالماته وزواره بتهمة التعاطف مع الشيوعية. وفي 1952، أثناء سفره إلى لندن لعرض فيلم «الأضواء» (Limelight)، أُلغيت تأشيرة عودته ونُفي نهائيًا إلى أوروبا؛ مفارقة قاسية أن يُنفى صانع «المهاجر» ليصبح هو نفسه لاجئًا بلا وطن.

مرّ قرن كامل تقريبًا على هذه التناقضات من دون أن تُحل حلًا جذريًا؛ بعضها تغيّر شكله الخارجي فقط مع كل موجة تقنية جديدة، فيما بقي جوهره كما هو: بيروقراطية تسلب الكرامة، وفقراء يبحثون عن رغيف خبز في مدن لا ترحم. لهذا يصعب حصر تشابلن في خانة الأرشيف وحدها. رؤيته التراجيكوميدية تمنحنا أداة بسيطة للبقاء رغم كل هذا: أن نرى قسوة العالم بوضوح، ونضحك في وجهه رغم ذلك.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى