يعيدنا فيلم «الغريب» (The Stranger, 2025) لفرانسوا أوزون إلى الجدل القائم حول الأعمال السينمائية المقتبسة، والذي يطرح دومًا التساؤل حول مدى إخلاص الأعمال السينمائية للعمل الأدبي الذي اقتبست منه. لقد عُرف أوزون بأفلامه التي تضمنت العديد من الإحالات إلى مخرجي الموجة الفرنسية الجديدة، كما اقتبس خلال مسيرته الكثير من الأعمال الأدبية التي لم تكن تتمتع بشهرة كبيرة، لكنه وبعد رفض مقترح له يتناول حياة شاب غارق في إحساسه بالعدم، عثر في رواية الغريب على كل الإمكانات التي تتيح له تجسيد رؤيته الفنية، لكنه سرعان ما أدرك حجم التحدي الكبير والحاسم الذي وضع نفسه أمامه. ولعل أبرز مخاوفه كانت ردود فعل ملايين القراء الذين طالعوا الرواية ورسخ في ذهنهم تصور دقيق حول بطلها "ميرسو"، هذه الشخصية التي نحتتها في الأذهان آلاف القراءات المتأنية، وظلت لزمن طويل تتوارد في أروقة الفكر وصفحات الدراسات الأدبية والفلسفية، في سعي محموم لتفكيك سحر الغموض الذي انطوت عليه.
الاقتباس بوصفه مقاربة: بين فيسكونتي وأوزون
لكن أوزون لم يكن أول من سار على هذا الدرب المليء بالتحديات، فقد سبقه المخرج الإيطالي لوتشيانو فيسكونتي، الذي قدم أول اقتباس سينمائي لرواية الغريب عام 1967. وبينما سعى هذا الأخير إلى الاقتراب من النقل الدقيق للرواية انطلاقًا من نظرته الشخصية، قادته قيود الرقابة الممارسة عليه، من طرف أصحاب الحقوق، إلى نسخة لم تكن تُجاري ما كان متوقعًا من الرواية سينمائيًا. فظهرت في صورة مصطنعة، أقل إقناعًا، وفشلت في نقل جوهر عمل كامو. ولأن الاقتباس قادر على اتباع مسار الالتزام والوفاء للعمل في النقل من جهة، فهو قادر أيضًا على اقتفاء مسار الإبداع وتقديم طرح منفرد ومستقل عن الأصل من جهة أخرى، وهو ما لم يحققه فيسكونتي أيضًا، بعد أن اختار المسار الأول وفشل فيه كما صرح معاصروه من النقاد.
وبالعودة إلى أوزون فإن عمله كان متفردًا، بريسونيًا في جوهره، وفيلما استكشافيًا بامتياز، رغم أن الرواية قد سبقته بعقود، عاكسًا بذلك ما جاء على لسان روبير بريسون: « السينما هي وسيلة للاكتشاف. يجب أن تعطي انطباعًا بأن الفيلم هو خطوة إلى الأمام نحو المجهول».
هكذا صاغ أوزون شخصية ميرسو: وجه جامد وصوت رتيب وحركات بسيطة جعلت من هذا الممثل نموذجًا بريسونيًا بامتياز، ورجلًا متبلدًا يراقب دون تدخل أو إصدار للأحكام، ودون أي موقف أخلاقي.
ولعلنا نتسائل عن سبب اتباع أوزون لبعض الأساليب البريسونية في الإخراج مثل التمثيل الآلي بدل التمثيل التعبيري، أو مفهوم "المودل" بدل "الممثل"، والإجابة تكمن في طبيعة الشخصية نفسها، فقد كان ميرسو الشخصيةَ الأبرز في تاريخ الأدب الأوروبي والتي حيرت النقاد والدارسين على مدار عقود من الزمن، واستعصت على الفهم، وقد اعترف كامو بنفسه أن النقاد ظلوا يحومون حولها ولم يدركوا الجانبَ الخفي الذي يقبع في الظل.
ولهذا فإن أي مشاعر أو انفعالات قد تحملها الشخصية الفيلمية ستكون بمثابة اختزال أو تحوير لشخصية ميرسو الحقيقية. ولذا فقد جاءت اللمسة البريسونية المتمثلة في الأداء الآلي للشخصية بمثابة الحل الذكي، الذي أنقذ أوزون من الوقوع في فخ الشخصية الكاريكاتورية، المنفصلة عن رؤية كامو. كما اقترب، عبر التقشف الأسلوبي، من الحقيقة التي نظّر حولها بريسون، مجسدًا بذلك حالة من الانفصال الفعلي عن العالم الخارجي.
"الغريب" في ضوء السياق التاريخي وعودة "العربي" إلى الواجهة
وبالعودة إلى المقارنة بين غريب فيسكونتي وغريب أوزون، نجد أن الأخير لم يغفل السياق الثقافي والتاريخي الذي جرت فيه الوقائع، ولعل توقيت إصدار الاقتباسين قد لعب دورًا كبيرًا، ذلك أن العلاقات بين المستعمَر والمستعمِر، الجزائر وفرنسا، في فترة ظهور فيلم فيسكونتي، كانت مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن، إذ خيم على فرنسا أواخر الستينيات استنكارٌ واضح لملف الذاكرة، الذي اعتبر من المحرمات، في حين أن التغيرات الراهنة صارت تفرض وضوحًا أكبر على هذه العلاقة، وأزاحت عنها حالة الضبابية التي خيمت لسنوات طويلة.
ولذلك فإن أوزون غير نبرة فيلمه وسياقه بالكامل حين استهلّه باعتراف ميرسو بقتل العربي، بدل العبارة التي اختار كامو استهلال روايته بها، بتصريحه اللامبالي عن وفاة أمه، فالتركيزُ على عبارة قتل العربي تعيد سياق الاستعمار إلى الواجهة من جديد. ومن ناحية أخرى فإن بدء الفيلم بهذه العبارة، كما يقول أوزون نفسه، يعد أكثر إثارة لانتباه الجمهور المُعاصر، لأنها تضع الفيلم في سياق أفلام الإثارة، بعيدًا عن قوالب الأفلام الفلسفية المُملة. وهي في صورتها المجردة الباردة تحمل دلالة على عجز ميرسو عن تفسير جريمته، التي تبقى غامضة وبلا مبرر.
لقد كان أول ما تلفظ به ميرسو في الفيلم: «قتلت عربيًا»، لنرى في ختام الفيلم استعادة لهذا العربي المغدور، حيث تقوم شاهدة قبر، أمام مشهد البحر الواسع، الذي هو عند أوزون رمز للفقد والرحيل. تحمِل شاهدة القبر اسم موسى حمداني، إذ يختار أوزون من خلال ذلك تقديمَ تحية للعربي الذي ظلّ مثل صورة شبحية في رواية كامو، وقد كشف عن هويته هنا بعد أن كان في بداية الفيلم عربيًا مجهولًا فحسب. لم يكن كاموا هو من منح هذا الاسم للعربي المجهول ولا أوزون نفسه، بل كان الكاتب كمال داود الذي أعاد تقديم رواية كاموا من زاوية أخرى منحت لهذا العربي اسمًا وكيانًا ووجودًا، وكأنه بذلك قد سد فراغًا ظلّ لزمن طويل محل تساؤل، وقدم تتمة القصة الناقصة من وجهة نظر كاتب جزائري عارف بحقيقة المستعمر. ولعلها حيلة أخرى من المخرج ليعطي مساحة أكبر لهذا العربي، ويشير من خلاله إلى وجود عالمين متقابلين، عالم ينتمي إليه ميرسو وعالم ينتمي إليه الجزائريون الذين يرزحون تحت قيود المستعمر وتهميشه لهم واستباحته لدمائهم.
نسخة أوزون الخاصة من الغريب: نظرة على خياراته الإخراجية
لقد لعب التصوير دورًا جوهريًا في تحقيق أكبر قدر من الوفاء للعمل الأصلي، ولعل من أبرز الفروقات أيضا بين عمل فيسكونتي وأوزون، الخيارُ الإخراجي المتعلق باعتماد الأبيض والأسود بدل الألوان، وقد صرح أوزون بأن الأمر شكل تحديًا بالنسبة له، لأن الرواية كانت ملونة إن صح القول، وكان وصف بطل كامو مشبعًا بالألوان. ولعل من أهم أسباب ذلك هو ميل أوزون إلى اعتبار القصة استدعاءً للماضي، وبالتالي فهي تنطوي على طبيعة أرشيفية. وقد عوض ذكاء التصوير غيابَ الألوان، إذ وُظف اللون الأبيض الذي يعكس أشعة الشمس بذكاء في الفيلم، وقد كان مشهد مواجهة ميرسو للعربي على الشاطئ هو المشهد الذي برزت من خلاله الشمس، في انسيابها الآسر فوق الأسطح والوجوه، بوصفها عنصرًا مهمًا في القصة، وصورة من البياض الساطع الذي برع المخرج في تجسيده وجعله واقعيًا، لاسيما في لمعة سكين العربي التي غشيت عيون ميرسو واستحوذت على المشهد.
وكما هي عادته دائمًا، وهو المخرج الذي عُرف بتوظيفه البارع لمشاهد البحر، قدم أوزون تصويرًا آسرًا للبحر ولمشاهده المتعددة، رغم غياب لونه الأزرق، حيث تمتد المَشاهد مثل ذكرى عذبة تقفز من الماضي أو مثل حلم بعيد دافئ. لقد جاءت الطبيعة هنا بوصفها مهدئا للقلق الوجودي العميق، ولحظة تماهٍ تامة مع الصمت. ولعل البحر هنا كان الجانبَ الوحيد الذي منحَ شخصيةَ ميرسو قدرًا من الحياة وأزاح عنها قالب اللامبالاة الذي وُضعت فيه منذ البداية، إذ بدا مستمتعًا بمياه البحر وأشعة الشمس وبصحبة ماري. غير أن هذه اللامبالاة نفسها تقودنا إلى جدلٍ آخر حول مدى صحة هذه المزاعم: هل يتعلق الأمر بلامبالاة مطلقة ناتجة عن شعور طاغ بعبثية الوجود وفقدان تام للشعور، أم أنها تخفي خلفها حساسية نفسية وفكرية وتأملًا عميقًا وسوداويًا للوجود، يرافقُه ضعف في أدوات التعبير؟ ذلك أن إجابات ميرسو ظلت على الدوام مقتضبة وصادقة إلى حد إدانته بجرم اللاإنسانية. وهذا ما يستحضر إلى الأذهان فصلين مهمين من الفيلم: فصل المحاكمة إلى جانب المواجهة المحتدمة مع القسيس في ختام الفيلم، ولحظة اعتراف ميرسو. وهي لحظات سعى المخرج من خلالها إلى تقديم إجابته الخاصة عن هذه التساؤلات.
الشخصية الكاموية في مواجهة أسئلة الوجود الكبرى
تعكس المُحاكمة هذه الطبيعة المربكة والملغّزة لشخصية ميرسو. ولم يأت التشديد في الحكم الصادر، بناءً على واقعة القتل نفسها، وإنما على انعدام المشاعر تجاه والدته وتجاه جريمة القتل، التي كان دافعها الوحيد هو الشمس، وعدم شعوره بأدنى مقدار من الذنب أو الحسرة أو الحزن، أي ببساطة عدم توافقه مع صورة الإنسان السوي والأخلاقي التي يقرها المجتمع. وفي قلب هذا المجتمع الذي تعد فيه حادثة قتل العربي من الحوادث العابرة والمتكررة على المحاكم، كان من الممكن لعقوبته أن تكون مخففة، فما يهم المحكمة ليس الروح التي أزهقت، وإنما صدمة غياب الحس الإنساني واللامبالاة. ولعل محاكمة ميرسو قد كشفت أيضًا عن صورة من صور "تفاهة الشر"، لكنها هذه المرة لم تكن ناجمة عن انصياع أعمى للنظام وإنما كانت مرتبطة بانعدام أي رأي نقدي أو موقف أخلاقي أو نوايا أو رغبات، إذ أنها مرتبطة بالعبث نفسه.
على الجانب الآخر، فإن ميرسو إنسانٌ لا يؤمن بوجود الإله، وتأتي نظرته العبثية انطلاقًا من الانعدام التام لإيمانه. وهو قبل كل شيء شخصية كاموية (نسبة إلى كامو)، تقدم صورة نموذجية لفلسفة ألبير كامو التي تقوم على نقطتين رئيسيتين: العبث والتمرد، والتي يسعى من خلالها إلى استكشاف إمكانية السعادة والحرية في غياب الإله، وبالتالي في غياب المعنى. وهي في اغترابها وانفصالها عن ذاتها، بل وفي تلاشي إحساسها بالذات، تختلف عن شخصيات سارتر الوجودية التي تعلي من شأن الذات والأنا، وتنظر إلى الحياة نظرة أكثر التزامًا بالحرية والمسؤولية، في سعيها لإيجاد المعنى.
وقد عكست مواجهة ميرسو للقس جانبًا خفيًا من شخصيته، فلم يكن جموده دلالةً على بلادة فكرية، إذ يظهر كصورة مصغرةٍ للإنسان الوجودي العبثي الذي يتبنى نظرةً عدمية واضحة تجاه الحياة. وهو الفصل الذي تخلى فيه أوزون عن القناع البريسوني الذي ألبسه لميرسو، فأصبح أداؤه انفعاليًا، منطويًا على كثافة درامية عالية، وكاشفًا عن وجه مختلف تمامًا لميرسو، مناقض للوجه الذي كنا نعرفه. وهذا الانتقال في أسلوب التمثيل عكس رغبة أوزون في الوفاء للنص الأصلي.
في مواجهة عبثية الوجود، هل كان ميرسو سعيدا؟
ينطلق فكر كامو من سؤالين أساسيين هما: "هل تستحق الحياة أن تُعاش؟" و"ما هي علاقتنا بالعالم وبالقدر؟". لذلك فإن روايته القائمة كبحث عن المطلق والحقيقة، تضع بطلها الرئيسي في مواجهة تفاهة الوجود، التي تتكشف من خلال منظور الموت: إذا كنا جميعًا مقدر لنا الموت، فلماذا نحن هنا؟
ويمكننا القول أن غياب الموت عن حياة ميرسو، جعله لامباليًا، يمضي دون دوافع، حيث يتساوى في نظره الأبيض والأسود والخير والشر. لكنه حين صار في مواجهة الموت، انتبه إلى ما كان يعيشه من سعادة قبل الحكم بالإعدام، وظهرت كلّ أفكاره على السطح، لينتهي به المطاف إلى إيجاد العزاء في الموت نفسه، وقد كان حكم الإعدام الذي تصالح معه تأكيدًا لكل ما آمن به من عبثية الحياة.
ولعل أوزون يشير هنا إلى أمر مهم وهو أن تقبل العبث يفضي إلى نوع من الوضوح والتحرر، فالعيش من دون البحث عن المطلق، وقبول عدم الاكتمال، يصبحان خطوة نحو حياةٍ تامةٍ في نظر كل تفكيرٍ عدمي. ومن هنا تأتي العبارة الشهيرة لكامو: «ينبغي أن نتخيل سيزيف سعيدًا». فكل شيء يغدو سيان في نظره، بما في ذلك الحياة والموت، لذا يكتفي بألا يدلي بأي رأي ولا يبدي أي موقف أخلاقي أو وجداني، معترفًا بفقده لعادة التساؤل، كما يأتي على لسانه في الفيلم.
لقد قدم كاموا بطلًا مضادًا، مستعصيًا على كل وصف أو فهم أو اقتباس، ومن خلال مونولوجه استطاع القارئ النفاذ إلى عقله، لكن بطل أوزون يقتصد في مونولوجاته على حساب الصمت والتأمل.
فهل نجح أوزون، بعد كل هذا، في تقديم نسخة وفية لميرسو كما أراد أن يصوره كامو؟ نسخة قادرة على إعادة هذا المسعى التأملي القاسي الذي أراد كامو أن يضعنا في مواجهته.




.jpeg)