ماليك وهيدغر: الفلسفة عندما تصبح صورة

September 1, 2026

قبل أن يصبح تيرانس ماليك المخرج الذي نعرفه، كان طالب فلسفة في هارفارد ثم في أكسفورد، وأستاذًا مبتدئًا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ثم مُترجمًا لأحد نصوص مارتن هايدغر («جوهر العقل»، 1969). هذه التفاصيل ليست هامشية في حياة المخرج، بل هي المفتاح الذي لا يستقيم بدونه فهم أي مشهد من مشاهده اللاحقة. هايدغر تحديدًا، لا فيلسوف آخر، هو من ظلّ يُرافق ماليك بعد أن غادر أسوار الجامعة، وهو من سيُلقي بظلاله الكثيفة على كل فيلمٍ من أفلامه، حتى تلك التي قد تبدو بعيدة عن الفلسفة كل البعد.

بمقدمتنا هذه -المكررة نوعًا ما من التمهيد الذي سردناه- لا نريد أن نطرح السؤال: هل ماليك هيدغري؟ بل: ما معنى أن يكون المخرج هيدغريًا أصلًا؟ وكيف يُمكن لكاميرا محمولة في الهواء أن تستوعب مفاهيم مجرّدة في العقل نحتها هيدغر في كتابه الأهم «الكينونة والزمان» (1927)، مفاهيم تتعلق بنمط وجود غريب اسمه الـ«دازاين»، أي «الوجود-هناك»، ذلك الكائن الوحيد الذي يُمكنه أن يتساءل عن وجوده، الذي يعرف أنه موجود ويعرف أنه سيفنى، والذي تُشكّل هذه المعرفة المزدوجة كامل بنيته الوجودية؟ ليس الإنسان عند هيدغر هو الحيوان العاقل لأرسطو ولا الأنا المفكرة لديكارت، بل هو الكائن الذي يُقلقه وجوده، والذي تتسرّب من هذا القلق كل تجربته في العالم.

وما يميّز ماليك أنه لم يستعر من هيدغر مفاهيم ليزيّن بها أفلامه، كما يفعل بعض المخرجين حين يُغرقون أفلامهم بكلام ذي مظهر فلسفي ليُوهموا الناس بعمقها. على العكس من ذلك، أعاد ماليك إنتاج الطريقة الهيدغرية في الرؤية ذاتها، طريقة النظر إلى العالم كما لو كانت المرة الأولى، متجاوزًا الحُجب التي تراكمت عليه بفعل اليومي والمألوف. هذا ما يلاحظه ستيفن ديلاي في كتابه «الفلسفة في أفلام تيرانس ماليك» (2020) حين يصف ماليك بأنه: «هيدغري بالممارسة لا بالعرض».

القذفية: في عالم لم نختره

المفهوم الأول الذي يُضيء سينما ماليك هو ما أسماه هيدغر «القذفية» (Geworfenheit). الإنسان لا يختار أن يُولد، ولا يختار أيضًا المكان أو الزمان أو الأسرة أو الوضع الاجتماعي الذي وجد نفسه فيه. إنه ببساطة يجد نفسه «مقذوفًا» إلى عالمٍ جاهز، بكل تعقيداته وتناقضاته، ومطلوب منه أن يعيش ويُؤوّل ويتوجّه في هذا العالم. القذفية ليست مأساةً خارجة عن الإنسان، بل هي البنية الأساسية لوجوده، ولا مفر منها بأي حال.

هذا المفهوم يفسر لماذا تبدأ كثير من أفلام ماليك بشخصيات لا تعرف لماذا هي هنا، ولا إلى أين تسير. كيت في «الأراضي البور» (1973) شاب في العشرينيات يعمل في جمع القمامة، يقع في حب فتاة يرفض أبوها هذا الحب فيقتله، ثم يهرب مع خطيبته عبر سهول أمريكية لا تنتهي. لكن ما يفصل ماليك عن مخرج «نوار» تقليدي هو أن كيت لا يعرف لماذا يفعل ما يفعله، يتصرف بعفوية مرعبة، كأنه كائن قُذف في هذا العالم ولم يُعطَ الوقت ليفهمه. الصوت الداخلي لهولي، راوية الفيلم، يُعبّر عن هذا الضياع بعبارات طفولية لا تُناسب حجم ما يجري، وكأن ماليك يقول لنا، ومنذ أول أفلامه، إن فهمنا لما نحن فيه دائمًا أقل بكثير مما يستوجبه ما نحن فيه.

تعود القذفية بشكل أعمق في «الخط الأحمر الرفيع» (1998). الجنود في هذا الفيلم لم يختاروا الحرب، ولا الجزيرة، ولا الموت الذي يدور فوق رؤوسهم. هم مقذُفون في معركة غوادالكانال كما يُقذَف الإنسان في الحياة. والسؤال الذي يطرحه ماليك هنا ليس «لماذا تجري هذه الحرب؟» -وهو سؤال السياسي والمؤرّخ بالأساس، بل إن همّه هو التساؤل عن «ماذا يعني أن تكون موجودًا وأنت تعرف أنك قد تفنى في أي لحظة؟»- وهو سؤال الفيلسوف. هذا الانزياح من السؤال السياسي إلى السؤال الأنطولوجي هو ما يُحيّر ناقدي الفيلم العسكريين، ويُفسر سبب اختلافهم في تقييمه.

السقوط في اليومي

المفهوم الثاني الذي تستحضره أفلام ماليك هو ما يسميه هيدغر «التردّي» أو «السقوط» (Verfallenheit)، أي حالة يغرق فيها الدازاين في اليومي المألوف، في عالم يدعوه هايدغر «الداس مان» (das Man)، أي الناس عمومًا، أو ما يمكن أن نسميه صوت القطيع. في هذه الحالة يتخلّى الإنسان عن مواجهة وجوده الحقيقي ويهرب إلى الانشغال الدائم، إلى القيل والقال، إلى التسلية، إلى ما يُقال وما يُفعل في العادة. إنه هروب من القلق إلى الألفة المزيفة، ومن الفرد إلى الجماعة.

«فارس الكؤوس» (Knight of cups, 2015) هو ربما أوضح ما قدمه ماليك في هذا الباب. ريك (كريستيان بيل) كاتب سيناريو ناجح في لوس أنجلوس، يتنقل بين الحفلات الفارهة والعلاقات العابرة والرفاهية الفارغة. حياته مثال صارخ على «السقوط» الهايدغري: مشغول دائمًا، محاط دائمًا بالناس، ويملك كل ما تشتهيه الروح ظاهريًا، لكنه في الحقيقة لا «يعيش» بالمعنى الذي قصده هيدغر، بل يُؤدّي وجودًا مزيفًا داخل حُجب اليومي. المشاهد الطويلة للحفلات في الفيلم، بكاميرا إيمانويل لوبيزكي العائمة التي تلتقط الوجوه والأجساد والأضواء في تدفق لا يتوقف، ليست نقدًا اجتماعيًا لهوليوود فقط، بل تصوير بصري للسقوط بحدّ ذاته. "ريك" يائس لكنه لا يدرك يأسه، لأن ضجيج اليومي يُخدّر هذا الإدراك ويستولي عليه.

في المقابل، تُمثّل لحظات الصمت والطبيعة في أفلام ماليك ما يسميه هايدغر «القلق» (Angst)، وهو المزاج الوجودي الوحيد القادر على إعادة الدازاين إلى نفسه، إذ يُفرغ العالم من معناه اليومي الاعتيادي ويُجبر الإنسان على مواجهة عريه الوجودي. حين يقف "ريك" ليلاً على شاطئ خالٍ، أو يخرج إلى الطبيعة بعيدًا عن ضجيج المدينة، تتحول الكاميرا إلى كائن متأمل أهدأ وأعمق. كأن ماليك يقول: هنا فقط، بعيدًا عن القطيع، يبدأ احتمال الوجود الحقيقي.

الموت بوصفه أفقًا

الركيزة الثالثة في فلسفة هايدغر التي تتغلغل في أفلام ماليك هي «الوجود-نحو-الموت» (Sein-zum-Tode). الموت عند هايدغر ليس حدثًا مستقبليًا ننتظر وقوعه، بل هو إمكانية حاضرة دائمًا تُشكّل كل لحظة من وجودنا. إن الكائن الذي يفهم فناءه فهمًا حقيقيًا لا يفهم الموت فقط، بل يفهم الحياة بشكل مختلف تمامًا، إذ يُدرك أن كل اختيار له ثقله، وأن الوقت محدود، وأن الإمكانيات لا تنتظر.

«الخط الأحمر الرفيع» مسكون بهذا الحضور الدائم للموت. الموت هنا ليس حدثًا حربيًا عابرًا يقع ثم يُنسى، بل هو الأفق الذي تُقرأ في ضوئه كل لحظة. الضابط كولاس (نيك نولتي) الذي يدفع بجنوده نحو الهلاك دون اكتراث يُمثّل الدازاين الذي سقط في السلطة واليومي المؤسسي ونسي فناءه الخاص. في المقابل، ويت (جيم كافيزل) الذي يتأمل الطبيعة ويتساءل عن الخير المطلق، يُمثّل الدازاين الذي واجه فناءه وتحرر، إلى حدٍ ما، من الخوف منه. ولكن ماليك لا يُقدّم الموت باعتباره فشلًا أو عدمًا خالصًا، وإنما بوصفه ما يمنح الحياة ثقلها وجمالها الغريب. هذا ما يفصله جذريًا عن العدمية: موته هيدغري في جوهره، يرى في الفناء شرطًا للمعنى لا نقيضًا له.

الانكشاف: لحظات الحقيقة

المفهوم الرابع، الذي أجده المفضّل عند ماليك والأكثر شاعرية في فلسفة هايدغر، هو «الانكشاف» (Aletheia)، وهو المصطلح اليوناني الذي يعني الحقيقة بمعنى «عدم-الحجب» (a-letheia). الحقيقة عند هايدغر ليست مطابقة الفكر للواقع كما عرّفها التقليد الكلاسيكي، بل هي حدث؛ لحظة تخرج فيها الأشياء من حجابها وتُظهر نفسها كما هي. وهذا الانكشاف مرتبط عند هايدغر بالفن أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر، إذ يرى أن العمل الفني هو المكان الأمثل الذي تنكشف فيه الحقيقة وتسكن.

في سينما ماليك، للحظات الانكشاف بصمة بصرية فارقة: الضوء الذهبي لـ«الساعة السحرية» (Magic Hour) التي أصرّ عليها في «أيام الجنة» (1978) مع المصوّر نستور ألمندروس، حركة النبات في الريح، الماء الذي لا يتوقف، الطفل الذي يحدّق في السماء بلا سبب واضح. هذه ليست زينة جمالية، بل هي اللحظات التي تُقاوم فيها الصورة وهم اليومي وتنكشف عن شيء كان مخفيًا. كتب ستانلي كافيل، أستاذ ماليك المباشر في هارفارد، في كتابه «العالم المرئي» (1971) أن الصورة الفوتوغرافية تمتلك قدرة فريدة على جعل الأشياء تُقدّم نفسها من دون وساطة بشرية مُؤطِّرة، وهو ما يتقاطع تقاطعًا عميقًا مع مفهوم الانكشاف الهايدغري.

في «شجرة الحياة» (2011)، وهو الفيلم الذي سنعود إليه كثيرًا في هذه القراءة، تُشكّل هذه اللحظات البنية الكاملة للفيلم. حين تمدّ السيدة أوبراين (جيسيكا شاستاين) يدها إلى الهواء وكأنها تُمسك بشيء غير مرئي، أو حين يحدّق الطفل في الشعاع المُتسلّل من النافذة، فنحن لا نشهد مشهدًا شعريًا عابرًا، بل انكشافًا بالمعنى الذي قصده هايدغر: الوجود يظهر في شفافيته النادرة، لا مُغطّى بالهدف ولا بالغاية ولا بالانشغال، بل معطى ببساطة وامتنان.

إذًا، لماذا تُؤثّر هذه الأفلام؟

إن قراءة ماليك عبر مفاهيم هيدغر لا تعني اختزاله في فيلسوف يستخدم الصور بدلاً من الكلمات، بل تعني أننا نحاول فهم لماذا تشعرنا أفلامه بما تُشعرنا به فعلًا. إنها تُجبرنا، عبر الصورة والصوت والإيقاع، على مواجهة كوننا مقذوفين في عالم لم نختره، وعلى مواجهة سقوطنا الدائم في يوميات تُخدّرنا، وعلى مواجهة أفق الموت الذي يُضفي ثقله على كل لحظة. ثم تمنحنا في المقابل لحظات انكشافٍ نادرة يبدو فيها العالم كما هو فعلًا، في كمال هشاشته وجماله. هذا ليس ترفًا فكريًا، هو جوهر التجربة السينمائية عند ماليك، تجربة تجعل المُشاهد يخرج بعد المشاهدة أكثر وعيًا بغرابة وجوده، وأكثر تقديرًا للحظات الانكشاف الصغيرة التي تملأ حياته اليومية ويمر عليها في العادة مرور الكرام.

يقول هيوبرت دريفوس، زميل ماليك في MIT، في تعليقه على هايدغر والفن، إن الشعر الحقيقي بالمعنى الهايدغري هو ما يُعيد الاهتمام بالوجود اليومي ويجعله تجربة جديدةً مثيرةً للتساؤل. وهذا بالضبط ما يفعله ماليك في كل فيلم: يأخذك إلى عالم مألوف؛ أمريكا الريفية، حقول المعارك، صالات الفنادق. عالمٌ بغرابته قادرٌ على إعادة طرح السؤال الأول: ما الذي يعنيه فعلًا أن أكون هنا؟

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى