جمالية الخوف في فيلم «هوس»

August 28, 2026

ثمة لحظةٌ هشةٌ لا يكاد الإنسان يمسك بها؛ تلك اللحظة التي ينقلب فيها المألوف فجأةً، ليصبح مصدر قلقٍ بدلا من أن يكون مصدرًا للطمأنينة. وعند هذه اللحظة التي نسأل فيها: متى يصير الوجه الذي أحببناه مثار ارتياب؟ متى تتحول العلاقة الحميمية إلى فضاءٍ موحش؟ ومتى يغدو الحبُّ نفسُه ينبوعًا للشقاء؟ عند هذه العتبة بالتحديد نقف أمام ما يُعرَف بـ«الغرابة»، أو ما يسميه فرويد (The uncanny).

تنبع الغرابة من ارتباك داخلي لدى المرء يعرفه ويستشعر ألفته، بيد أنه لا يطمئن إليه، وبذلك تخرج الغرابة عن إطار الرعب الصريح الذي يهجُم من الخارج. ويعرّفها فرويد بأنها ذلك النوع من الأشياء المخيفة التي لا تأتينا من المجهول، بل تعيدنا إلى شيءٍ مألوف كان راقدًا في أعماقنا، مدفونًا تحت طبقات الوعي. ولهذا تبدو الغرابة دومًا وكأنها حضورٌ يحمل في طياته غيابًا، وقربٌ لا يمنحنا أدنى ارتياح.

والكلمة الألمانية «الغرابة - Unheimlich»  تحمل في جوهرها هذا المعنى؛ إذ تعني حرفيًا ما «ليس من البيت»، وهو ما انسلخ عن دائرة الألفة والحميمية رغم انتمائه الأصيل إليها. 

وهنا تتجلّى فكرة "جمالية الخوف"؛ إذ أننا ننجذب إلى الرعب ﻷنه يضعنا على الحافة، فنختبِر التوتر والترقب والشك، بينما نقف في مأمنٍ من الخطر الفعلي. أن نكون داخل التجربة وخارجها في آنٍ واحد، هو بالضبط ما يسمو بالخوف من مجرد كونه استجابةً بيولوجية ليصبح  تجربةً جماليةً خالصة.

يجسد فيلم «هوس» (Obsession, 2025) هذا المعنى بدقةٍ لافتة؛ فهو لا يلجأ إلى أدوات الرعب التقليدية، وإنما ينسج توتره من داخل أكثر العلاقات الإنسانية دفئًا وحميمية: الحب. 

يبدأ الفيلم من نقطة إنسانية بسيطة، شاب يُدعى "بير" يعمل في متجر للموسيقى، يكن إعجابًا لم يجرؤ يومًا على البوح به تجاه صديقة طفولته "نيكي". هذا العجز عن مصارحتها بمشاعره هو المحرك الحقيقي للحكاية، وليس الرعب نفسه، إذ يقدّم الفيلم في بدايته دراسة شخصية هادئة قبل أن ينقلب كل شيء.

تحدث نقطة التحول عندما يبتاع بير غرضًا غامضًا: عصا أو شجرة أمنيات، تحمل اسم 

 "One Wish Willow"  يُقال إنها تمنح حاملها أمنية واحدة فقط عند كسرها. وبدافع اليأس العاطفي أكثر من كونه فضولًا ميتافيزيقيًا، يكسرها طلبًا ﻷمر واحد لا غير؛ أن تحبه نيكي.

تتحقق أمنيته، لكن الفيلم هنا يمارس لعبته الذكية، فهو لا يحوّل نيكي إلى شخصية "مسحورة" بمعنى فانتازي ساذج، ولكن يحوّل الحب نفسه إلى كيانٍ مفترس. 

يتصاعد تعلّق نيكي ببير تدريجيًا من الاهتمام الزائد، إلى المراقبة، إلى تهديدٍ صريحٍ بإيذاء نفسها إن ابتعد عنها، وصولًا إلى سلوك عنيف ودموي يهدد كل من يقترب منه.

يعيد الفيلم بذلك تعريف "الرعب" لا كخوف من الوحش الخارجي، ولكن بوصفه خوفًا من نتيجةٍ حقيقيةٍ لرغبة داخلية مفادها ماذا لو حصلت فعلًا على ما تمنيته بلا قيد؟ وهل يبقى الحب حبًا إن غدا إلزاميًا؟ تتحول هذه الأسئلة تدريجيًا من فكرة فلسفية إلى كابوس جسدي، حيث يجد بير نفسه محاصرًا بين أمنيته المتحققة وبين محاولة الفرار منها، في مواجهة كائن كان يظنه حبيبته وأصبح الآن مصدر تهديد وجودي مباشر له.

وبذلك، لا يعود بير يواجه خطرًا غريبًا داهمًا، وإنما إعادة  إنتاجٍ لشيءٍ مألوف؛ كوجه أو علاقةٍ أو شعورٍ، ولكن في صورةٍ مقلقةٍ ومشوَّهة، وكأن الأصل قد استُبدل بنسخةٍ تشبهه.

في هذا الفيلم، يصبح الحبُّ نفسه فضاءً للغرابة. وما يبدو مألوفًا -من امرأةٍ، وشغفٍ، وارتباطٍ- ينزلق تدريجيًا نحو الريبة، كأننا نرى صدىً من الماضي، وليس الماضي نفسه.

وهنا يتجلى جوهر الـغرابة، الذي نلمحه في التكرار الذي يقلق، والاستبدال الذي يربك، والإحساس المتراكم بأن ثمة شيئًا قد انحرف عن موضعه الصحيح.

وهذا ما يجعل التجربة غريبةً وآسرةً في آنٍ واحد. ففي هذا الفيلم، نعيش انزلاقًا بطيئًا نحو انهيار اليقين، وكأن الواقع بات سائلًا يستعصي على القبض.

ولعل ما يُروى عن ليونتيوس، ذلك الأثيني الذي يستحضره أفلاطون في كتابه «الجمهورية» -مثالًا على انقسام النفس- يُضيء هذه الحالة التي تعتري المشاهد ببلاغةٍ نادرة؛ إذ مر يومًا بجثثٍ ملقاة عند الجلّاد فأراد أن يشيح ببصره بعيدًا عنها، لكن شيئًا غامضًا جذبه إليها رغمًا عنه، فاستسلم أخيرًا وقال في عتابٍ ساخرٍ لعينيه: «فلتمتّع عيناكَ أيها التعِس بهذا المنظر الرائع». ولعل هذا هو لسان حالنا مع  أفلام الرعب، وما تبرع فيه، وتحديدًا أفلام مثل «هوس» التي تتجاوز المتعة العابرة؛ إذ تجسد ذلك الانجذاب القلق نحو ما يُفترض أن يثير النفور. 

في المحصلة، لا تعد الغرابة صفةً كامنةً في الأشياء، وإنما في طبيعة علاقتنا بها. نحن لا نخشى المجهول بقدر ما نخشى المألوف حين يخون ألفته. وما يجعل الرعب تجربةً جمالية حتى في أكثر صوره هدوءًا وعمقًا نفسيًا، هو هذا التناقض الجوهري؛ أن نخاف مما كان يومًا جزءًا منا، وأن نُقبِل على ما يخيفنا لأننا في أعماقنا نعرفه.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى