من المصادفات الجميلة أن تكون برفقة كتاب جميل ثم تشاهد فيلمًا صدر حديثًا لأحد المخرجين الواعدين، وإذا بهما يتقاطعان كثيرًا في الرؤية وفي الأفكار. هذا بالضبط ما حدث معي أثناء قراءة كتاب «تقديم الذات في الحياة اليومية» لإرفنغ غوفمان وبترجمة المميّز ثائر ديب، وبعد ثلثي الكتاب تقريبًا وصلني إشعار بأن الفيلم الذي وضعته في قائمة المشاهدة قد أصبح متوفرًا على إحدى الشبكات. هذا هو اعترافي الخاص، ولا يشبه اعتراف إيما بطلة فيلمنا هذا في شيء.
تبدأ الحبكة الأساسية لفيلم «الدراما» للمخرج كريستوفر بورغلي في مشهد عشاء. أربعة أصدقاء يشربون النبيذ ويختبرون طعام حفل الزفاف المُنتظر، ثم لكسر الملل وعدم تكرار الحديث يدخلون في لعبة معروفة تنطوي على الكثير من المخاطر إن التزم أطرافها بالصدق؛ لعبة: «ما أسوأ شيء فعلته في حياتك؟». إنها لعبة تقوم على مبدأ ضمني: أن الاعتراف المتبادل يُعزّز الثقة، وأن من يكشف عن هشاشته يستحق أن يرى هشاشة الآخر في المقابل. يعترف مايك، تعترف راشيل، يتلعثم تشارلي ولا يجد شيئًا يستحق الذكر. ثم تعترف إيما: حين كانت مراهقة مُحطَّمة تتعرض للتنمّر، خططت لإطلاق النار في مدرستها. أحضرت بندقية أبيها. ثم تراجعت عن الأمر. ما الذي جعلها تتراجع؟ ما أسباب الفعل أساسًا؟ تلك أسئلة يحاول الفيلم أن يجيب عليها حتى النهاية.
النية أم الفعل
تقع مفارقة فيلم «الدراما» (The Drama, 2026) الأساسية في نقطة واحدة وهي أن "إيما" لم تفعل شيئًا خارج نطاق التفكير والنيّة. بالفعل لقد خطّطت ولكنها لم تتقدّم خطوة أخرى، وما يظهر لنا أن ما بين التخطيط والتوقف قد تحوّل شيء ما بداخلها، شيءٌ كافٍ على الأقل لأن ترمي البندقية بعيدًا. غير أن ردود الفعل حولها تتعامل معها كما لو أنها أطلقت الرصاص فعلاً. راشيل تنصدم، ولكن في نفس الوقت يشعر المشاهد أنها تبحث عمن كان أسوأ منها في تلك اللعبة. تشارلي أيضًا يتصدّع، ويبدأ الأسبوع الأصعب في حياة خطيبين على وشك الزواج.
هنا يستدعي كاتب ومخرج الفيلم، ودون أن يسمّيها لنا بالاسم، الفيلسوفة حنة آرنت. في «أيخمان في القدس» (1963) وفي مجمل تفكيرها في الشر السياسي، طرحت آرنت تمييزًا جوهريًا بين الشر الجذري والشر التافه، وبين الحكم الأخلاقي الذي ينطلق من الفعل والحكم الذي يبحث في النية.
ما قالته آرنت في محاكمة أيخمان هو «أن الشر الأكثر فتكًا في التاريخ لم يأتِ من نيات شيطانية، بل من غياب التفكير تمامًا، من الإنسان الذي ينفذ دون أن يتوقف». كانت إيما عكس ذلك تمامًا: توقفت قبل أن تبدأ في التنفيذ. الفعل الذي يُحاكَم فيه أيخمان هو الفعل بالتحديد، أما إيما فتُحاكَم على لحظة التوقف، على الإحجام نفسه الذي كان ينبغي أن يُبرئها. يضع المخرج كريستوفر برغلي المُشاهد أمام سؤال آرنت لكن بالمقلوب: إذا كان غياب التفكير هو بذرة الشر، فهل يكفي التفكير وحده للإدانة، حتى حين لا يتحوّل إلى فعل؟
الأداء والكاميرا
بعد اعتراف إيما بأيام لم يتوقف التخطيط للحفل، بل استمر الخطيبان في معركتهما الخاصة دون أن تفسد المعركة الاجتماعية الأكبر. في مشهد التصوير، نراهما يجلسان أمام مصوّرة الأعراس. المصوّرة لا تعرف شيئًا. تطلب منهما أن يتّبعا الضوء، أن يبتسما، أن يتشابكا بالأيدي، كل تلك الكليشيهات المتوقعة من زوجين جديدين سيخلّدان لحظاتهما في صور ثابتة. وفي لحظة واحدة من أجمل لحظات الفيلم، تُعلن بابتهاج مهني كامل: «سأُطلق النار على الجميع يوم الزفاف». "shoot"، الكلمة الإنجليزية ذاتها تحمل المعنيين: التصوير وإطلاق الرصاص. لا يُعلّق أحد. تتصلّب إيما قليلًا. ينتهي المشهد. برغلي لا يشرح النكتة المزدوجة، يتركها معلّقة في الهواء حتى لا يُفسد لحظات التأويل الخاصة بكل مُشاهد.
هذا المشهد بعينه -وعودةً إلى اعترافي الشخصي- هو ما يعنيه إرفنغ غوفمان حين تحدّث في «تقديم الذات في الحياة اليومية» (1959) عن استعارة "المسرح" لفهم التفاعلات الاجتماعية، حيث يرى أن الأفراد في حياتهم اليومية هم "ممثلون" يؤدون أدوارًا أمام "جمهور". أما عن «الأداء الاجتماعي» والفرق بين «الواجهة الأمامية» التي نُؤدّيها للآخرين و«الواجهة الخلفية» التي نكون فيها أنفسنا، فالزفاف في تحليل غوفمان هو ذروة الواجهة الأمامية: احتفال عام مُعَدّ له مسبقًا بملابس مختارة وأمام جمهور دُعي تحديدًا للمشاهدة.
المشكلة أن إيما وتشارلي فقدا، بعد ليلة العشاء، القدرةَ على التنسيق فيما بينهما قبل الصعود إلى المسرح. انكشفت الواجهتان لبعضهما دون أن تتصالحا، وعليهما الآن أداء الاتحاد أمام مجموعة من الناس لا يعرفون شيئًا. لقد فقدا ذلك الخيط الذي كانا يفصلان فيه بين معركتهما الخاصة والمعركة الكبرى: المجتمع.
أثناء تجول إيما داخل قاعة الزفاف تحاول أن تفهم لماذا بدأ الجميع يتهامسون حول ماضيها، بدأت تتساءل بطريقة غير مباشرة: هل يمكن للإنسان أن يكذب بهذه الدرجة على نفسه وعلى من يُحبّ في الوقت ذاته؟ غوفمان يُجيب: نعم، وهذا ما يسميه الحياة الاجتماعية. وما يُضيفه برغلي بذكاء على غوفمان هو البُعد الكوميدي الأسود: كل ما يُعدّ للزفاف يصبح مرآةً للمعركة الداخلية.
تطلب مصمّمة الرقص من الزوجين أن «يتحركا معًا بتلقائية»، وهي عبارة تبدو فجأة ساخرة إلى درجة الألم. يتحدث بائع الزهور عن «البدايات الجديدة». لا تُخفف المواقف الكوميدية من الثقل، بل تُضاعفه، لأن كل ما هو مُعَدّ لإعلان الوحدة يصير بدون قصد شاهدًا على التصدّع.
كاميرا تحاكم وجهًا
الاختيار التقني الأول في الفيلم يقدم إشارات كثيرة ذات دلالة: مدير التصوير أرسيني خاتشاتوريان صوّر الفيلم على شريط 35 ملم بكاميرات Panavision Millennium XL2، وعدسات P-Vintage، في وقت بات فيه التصوير الرقمي هو القاعدة الصناعية شبه المطلقة. هذا القرار ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما هو موقف جمالي-أخلاقي. إن هذه التقنية في استخدام الكاميرات تُضفي على الوجوه هشاشةً تستعصي على التصوير الرقمي النظيف. قال خاتشاتوريان: «إن المهمة كانت أن يبدو التصوير «ناضجًا، مضبوطًا، دقيقًا، لا براقًا ولا صارخًا، وهو ما يُخالف الجماليات التي اشتُهرت بها شركة A24 في سنواتها الأخيرة»، تصير الكاميرا هنا شخصية مهمة في الفيلم، تقترح المشاهد ولا تفرضها، نجدها في بعض المرات تعاني في الوصول إلى الشخصيات كما تعاني الشخصيات نفسها.
كان لاستخدام العدسات الطويلة (Long-focus lens)، في لقطات تبدو قريبة جدًا، أثرٌ عميق في تغيير رؤيتنا للشخصيات؛ كانت الكاميرا غير مريحة، تلتصق بالوجه بمسافة قريبة جدًا، تُحاصره بالكامل، الخد والعين والشفة، وتجعل الشخصية في مواجهةٍ أشبه بالخضوع للاستجواب أمام جهاز كشف الكذب. هذا القرب بين العدسة والوجه كشف لنا ما لم يكشفه الحوار أو بالأحرى ما لم يستطعه، لقد جعلت الكذب أو إخفاء الحقيقة صعبًا، وجعلت كل تصلّب عضلي في وجه تشارلي بعد "ليلة العمر" مرئيًا ومُدانًا بشكل واضح. كان المونتاج أيضًا واضحًا في إمساك اللقطة لأطول فترة ممكنة بدون قطع مريح، الكاميرا هنا تُؤوِلُ ما قصدته حنة آرنت بـ«الحُكم»، ألا وهو القدرة الكاملة على الوقوف أمام الواقعة دون أن نتسرع أو نهرب مباشرة إلى التأويل.
ظل آري أستر
أن يكون آري أستر منتجًا لفيلم «الدراما» ليس مصادفةً تنظيمية. إنه إعلان انتماء إلى ما يُشبهه ويُمثله. لقد بنى أستر مسيرته على ما يمكن تسميته «رعب الانفعال» -الرعب الذي لا يأتي من الجني بل من التفكك الداخلي لرابطة إنسانية- وقد وجد في كريستوفر برغلي توأمًا جماليًا يعمل في ضوء النهار. المقارنة الأدق ليست مع فيلم «وراثي» (Hereditary, 2018)، وإنما مع «منتصف الصيف» (Midsommar, 2019)، الذي وصفه أستر بنفسه بأنه «فيلمُ انفصالٍ عاطفي، مُلبّسٌ برداءِ الرعبِ الشعبي»، مثل فيلم «الدراما» الذي يظهر ككوميديا رومانسية مُلبَّسة برداء محاكمة أخلاقية. في كلا الفيلمين، ثمة حفلٌ مجتمعيٌّ بالغ التنظيم سواء كان احتفال الانقلاب الصيفي في مجتمع سويدي مغلق، أو حفل زفاف في بوسطن، كلاهما يُشكّل الإطار الذي تنهار فيه العلاقة.
يكمن التشابه الأعمق بينهما في البنية الموضوعية وليس في الجنس السينمائي: كلا المخرجَان مفتونان بالسؤال عمّا قد يكشفه الضغط الاجتماعي الشديد عن الشريك. داني في «منتصف الصيف» لا تكتشف أن شريكها كريستيان هو الوحش، بل تكتشف شيئًا أكثر إيلامًا من ذلك وهو أنه غائب، أي أنه لم يكن موجودًا كما ظنّت. وتشارلي في «الدراما» لا يكتشف أن إيما خطرة، لكنه يكتشف أنه لا يعرف إلى أي حد يمكنه أن يصفحَ، وهذا القصور في نفسه هو الكشف المُرعب. يصل أستر إلى هذا المكان عبر الطقوس والدم، وبرغلي يصل إليه عبر المصوّرة ومنسّقة الرقص. الطريق مختلف جذريًا، والوجهة واحدة: العلاقة الإنسانية بوصفها وهمًا مركّبًا بمهارة، لا يحتاج في الغالب إلى أكثر من مساء واحد مع أصدقاء وكأس نبيذ زائدة كي ينهار.
لكن ثمة سؤالٌ يظلّ معلقًا طوال الفيلم ولا يطرحه أحد على البطلة، بل لا تطرحه هي على نفسها: لماذا اعترفت إيما أصلًا؟، هل هو نوع من الصدق مع الذات ومع متطلبات اللعبة؟ أو كان محاولة للشفاء من ماض عالق لا يأبى الخروج من الذاكرة؟ أم كان اختبارًا لهؤلاء الأصدقاء؟
يرصد ميشيل فوكو في المجلد الأول من «تاريخ الجنسانية» (1976) كيف تحوّل الاعتراف في الغرب الحديث من سرّ ديني إلى تقنية سلطة. الاعتراف عند فوكو ليس تحريرًا، بل إنتاجًا للحقيقة داخل علاقة سلطة؛ حين تعترف، فأنت تُعطي الآخر سلطة تعريفك. المعترَف له يُصبح في اللحظة ذاتها قاضيًا، لأنه يحتفظ بالمعرفة ويملك حق التفسير. في النهاية أرادت إيما من هذا الاعتراف، مشاركة من تُحبه شيئًا ظلَّ طي الكتمام بداخلها أطول من اللازم. لكن ما فعله اعترافها فعليًا هو أنه منح كل من تشارلي وراشيل ومايك سلطة إعادة كتابتها. وهذه السلطة، حين تُعطى، لا تُسترجع.
هل كان على إيما أن تصمت؟ هل كان الصمت خيانة أشد قسوة من الاعتراف؟ وهل يُعاقَب الإنسان على الإحجام عن الشر كما يُعاقَب على ارتكابه، حين يتعلق الأمر بمن يُحبّونه ويدّعون معرفته؟ ما يجعل «الدراما» (The Drama) فيلمًا لا يغادر تفكيرك بسرعة بعد مشاهدته هو أنه لا يُجيب على هذه الاسئلة، بل يتركها في مكانها، إذ يبني المخرج كريستوفر برغلي فيلمه كله عليها دون أن يُقدّم لها إجابات جاهزة، وهذا بالضبط ما يُميّزه عن الكوميديا الرومانسية المعتادة التي تُطمئن ولا تُقلق.



.png)
