إنجمار بيرجمان: موسيقار الصمت

August 24, 2026

«إن المستحيل مغرٍ ولا يوجد لدي ما أخسره».  

إرنست إنجمار بيرغمان الفنان الذي استخدم الكاميرا كمشرطٍ ضوئيٍّ شَّرّح من خلالها النفس البشرية بتعقيداتها وتناقضاتها ورصد صراعاتها مع العالم ورسم أشكالًا منها وهي تتأرجح بين الخوف والألم، وأخذ يُطبّب عللها المستشرية وحاول أن يستأصل كجرَّاح تلك الأورام الخبيثة التي علقت بها. ثم أراد أن يدرس الحيّز الذي توجد فيه النفس فأطلق الضوء يستكشف العالم ويبحث في أسراره ويسأل عن أهم المعاني "الحياة والموت".

وسينما برجمان جادة، مصدرها الخوف والألم، وتحيطها السوداوية والتشاؤم، نقلت لنا الذات البرغمانية القلقة المعذبة والمزدوجة التي يعترك بداخلها نصف إنسان ونصف شيطان. أفلامه صرخات تعبر عن حالة العجز التي كان يواجهها سواء في تجاوز ألمه أو السيطرة على مخاوفه إزاء الوجود والموت وأسئلته المعذبة حول الإيمان وسبل الخلاص.

ولعل من أبرز ما اتسمت به سينماه تناول قضايا كصمت الرب ومعضلة الفناء، ومواضيع كالمشاعر المكلومة وانعدام لغة التواصل بين الأفراد، ومسائل كالخيانات الزوجية والمشاكل الأسرية، وثيمات كالموت والإيمان والحب والهوية.

فيرد في فيلمه «المصباح السحري» هذا التعبير البليغ عن صراعات الوجود التي يعانيها الإنسان: «طوال حياتي كنت أصارع العلاقة المعذبة مع الله، الإيمان ونقص الإيمان، العقاب، النعمة الإلهية والنكران، كل هذا كان حقيقيًا وإلزاميًا بالنسبة لي، وكانت صلواتي تفوح بروائح الألم والتضرع والثقة والكراهية واليأس». 

ومثّلت طفولة بيرغمان مكانة جلية في فنه، فهي المرحلة التي تفتَّق فيها وعيه بالعالم وفيها ارتبطت ذاكرته بأحداث جسيمة، فبيرغمان ولد لقسٍ نشأ في أسرةٍ دينية وتلقّى تربيةً صارمةً بمبدأ الثواب والعقاب. تعرض جرّاء هذا التعامل الصارم لحالة تعنيف واضطهاد وإذلال. في فيلمه «ساعة الذئب» (1968 Hour of the Wolf)، وهي الساعة التي تنبعث فيها الذكريات والوساوس السوداء والتخيلات والأوهام المريضة، إنها ساعة الكوابيس حيث تنتشر فيها الشياطين متزامنةً مع عواء الذئب، عرض جزءًا من هذه المعاناة فصور لنا بوجه "فان سيدو" المرهق ألما المضطرب، وكيف سجنه والده في خزانة ليلاً، وكانت الخادمة قد أخبرتهم بأن هناك حيوان يقضم الأصابع فبقي طيلة الليل هلعًا. كذلك جعل زوج أمه بديلًا عن والده، واستبدَله بممثلٍ في فيلم «فاني والكسندر» (1982 ,Fanny and Alexander). وبرغم هذا التعنيف إلا أن بيرغمان لم يسمح لعقده الذاتية ومشاعره المهتاجة أن تتحكم في فنه بل عرف كيف يسيطر عليها ويطوعها. كذلك، من بين الأحداث المميزة في طفولته إقامته في منزل جدته وزيارات العمة "آنا"، التي جلبت للمنزل جهاز عرض سينمائي أثار فضوله في البدء، ثم أصبح محور حياته.

بدأ بيرغمان مسيرته السينمائية في عام 1944 بكتابة سيناريو فيلم «عذابات»، وقد لاقى العمل نجاحًا لافتًا، وسطع من خلاله نجمُ بيرجمان وفتح له آفاقًا كثيرة للإخراج، وهذا ما تحقق في عام 1946 بإخراج فيلم «أزمة». لكن الفيلم كلّل بالفشل، وطُرد على إثره من شركة «نيكفست». وقد أوزع بيرجمان ذلك لافتقاره إلى الخبرة الكافية. ولم يثنه هذا عن مواصلة هذا المسار السينمائي، فأخرج أفلامًا مثل «ميناء النداء» (1948 ,Port of Call) و«عطش» (1949 ,Thirst)، إلا أن النضج الفني بدأ يظهر في فيلمي «الفرح» (1950 ,To Joy) و«ألاعيب صيفية» (1951 ,Summer Interlude)، اللذان يناقشان الآلام القاسية وسبل انتصارنا عليها، وتلك الذكريات الأليمة التي تعيقنا عن الاستمرار وتجعلنا ننطوي إلى الداخل، بين الجدران السميكة للذات، فحاول من خلال أعماله صنع نوافذ للحرية والحياة.

إن المتتبع لمسيرة بيرغمان يجد أنه رجل متعدد العلاقات الغرامية، ولذا فهو يفهم النساءَ ويعرف الكثيرَ عن خباياهن ونزواتهن، ويمكن القول أنه بلغ درجة من النضج في تعاطيه لموضوع العلاقات والرغبات البشرية. وقد كان للعلاقات، وتبعاتها من مشاحنات وخيانات، نصيبٌ وافرٌ في أفلامه، ونرى ذلك في فيلم «انتظار النساء» (1952 ,Secrets of Women)، و«درس في الحب» (1954 ,A Lesson in Love)، و«ابتسامات ليلة صيف» (1955 ,Smiles of a Summer Night)، و«الساحر» (1958 ,The Magician)، التي أخذت طابعًا دراميًا كوميديًا. وقد مثّل فيلم «ابتسامات ليلة صيف» منعرجًا مهمًا في مسيرة بيرغمان حيث بدأ يُشاد باسمه خارج حدود السويد.

في عام 1957، تفجّرت موهبة بيرغمان فرسم لوحتين عن الموت: الحقيقة التي تعاطاها البشر كأسطورة، والعالم الغامض المتشح بالسواد والبوابة التي لم يعد منها أحد، فحشر نصف جسده في الأبدية، وصور الموت كمدينة مهجورة تعطل فيها الزمن في حلم رجل مسن في فيلم «الفراولة البرية» (1957 ,Wild Strawberries) ليستيقظ من كابوسه ويبدأ في تأمل حياته من خلال ذاكرته فتتراءى له كأنها أضغاث أحلام. وفي «الختم السابع» (1975 ,The Seventh Seal)، جعل من الموت شخصًا يلعب الشطرنج مع فارس عائد من الحروب الصليبية، في رحلة تساؤلات للبحث عن الله والخلاص، على مسرح البؤس والوباء والألم والمعاناة.

كذلك تطرق لموضوع الإيمان في ثلاثية «الصمت» أو «الإيمان»، التي افتتحها بفيلم «عبر زجاج مظلم» (1961) حيث يظل الإيمان بالرب موجودًا، ثم أتبعها بفيلم «ضوء الشتاء» (1962 ,Winter Light)، حيث يصبح وجود الرب موضعَ شك ويتزعزع الإيمان ثم اختتمها بفيلم «الصمت» (1963 ,The Silence)، الذي تدور أحداثه في عالم بلا إله، ينعدم فيه الإيمان.

وفي هذه الثلاثية لم يناقش بيرغمان علاقة الإنسان بالرب فقط، لكن كذلك علاقته بالعالم الذي يوجد فيه، وحاول إعادة بناء التصورات حول الدين والفلسفات التي نعيش بها وسعى إلى إيجاد الخلاص في عالم يحكمه إله أو يغيب فيه. في فيلم «عبر زجاج مظلم» (1961)، يكون الحب هو السبيل إلى احتواء المعاناة البشرية والدليل على وجود الله، بل قد يكون الحب هو الله نفسه. أما في «ضوء الشتاء» فينعدم هذا الحب ويحل البرود والجفاف والتصحر العاطفي في جسد قسٍ تزعزع إيمانه فأخذ يوجه تساؤلات حول صمت الرب إزاء البؤس والمعاناة البشرية، في محاولة لإيجاد اليقين واستعادة الإيمان الذي يتراءى له فقدانُه جحيمًا موحشًا. أما في خاتمة الثلاثية، فيلم «الصمت»، الذي يتساءل عن الخلاص في عالم بلا إله، ويعتبر من أكثر أفلام بيرغمان تعقيدًا، فالحيزُ المكاني غامضٌ، ولا ندري إن كانت الرحلةُ -مجهولة المصدر والوجهه- قد عبَرت إلى الوجود من العدم، أم أنها سبرٌ لأغوار الذات البشرية. لكن ثمة صراعًا جليًّا بين الرغبة والمعرفة، والروح والمادة. وقد قدم بيرغمان الحياة المادية أو الجسدية بوصفها حياةً معطوبةً ومعطّلة ولا يمكن أن تستمر دون إله بداخلها تتّكل عليه، أيًا كان نوعه (موسيقى باخ مثلا). وبهذا أعاد بعث تساؤلاتنا حول فكرة أن الإيمان بإله لا يكون فرضًا قهريًا، وإنما حاجة بشرية ملحة، وأما هذا الوهم الغريب فلن يكون أعقد من حالة العجز في فهم العالم والحصول على خلاصنا الروحي فيه.

في «بيرسونا» (1966 ,Persona)، كتب إنجمار بالضوء قصيدةً شعريةً عن الهوية والأقنعة التي تغلّفها، فأذابَ الجسد وشكّل من الطين البشري وجوهًا ونحت الملامح نحتًا دقيقًا، فتمخّضت عن ذلك قصيدةٌ متقنةُ الصنع بلغة رصينة وسرد متماسك. وتتمحور فكرة الفيلم حول صمت إليزابيث (ليف أولمان) على خشبة المسرح وهي تتقمَّص شخصية "كليوباترا"، لتُنقل بعدها إلى المصحة، وهناك تعتني بها الممرضة ألما (بيبي أندرسون). ومن بين كل احتمالات ودوافع الصمت يبقى الدافع الأبرز انعدام الرغبة في الحوار، أما جوهر الفكرة فهو محاولات الممرضة اختراق وعبور الصمت، الأمر الذي دفعها إلى التعري والانكشاف الوجداني وفقدان شخصيتها أو ملامحها، ليرسم بيرجمان هذا الذوبان في صورة وجه واحد، أحد شقَّيه ملامح ألما والآخر لإليزابيث.

بعد ذلك، أخرج بيرجمان ثلاثية «الجزيرة» المتمثلة في «ساعة الذئب» (1968)، و«العار» (1968 ,Shame)، و«شغف آنا» (1969 ,The Passion of Anna)، والتي تجري أحداثها في جزيرة "فارو"، وهي جزيرة كان يلجأ إليها بيرغمان للهرب من قلقه ومشاكله ليمنح نفسه بعضًا من الوحدة والحرية. يعرض لنا في هذه الثلاثية شخصيات متألمة عاجزة عن احتواء اضطراباتها وعلى وشك الانهيار، تظهر في حالة مريعة من الشتات والتشظي بين الحقيقة والوهم، أما في «ساعة الذئب»، فنرى شياطينًا ترقص في ساحة الوهم، ووساوسَ تحلق في فضاء الضمير المتألم، وعود ثقابٍ يبحث عن الخلاص في ظلام موحش وكآبة خانقة، في محاولة يائسة لإيقاف عقارب ساعة الجنون. وفي «العار»، يروي لنا كيف أن الحرب وآثارها تحدث تشوهاتٍ في الذات وتقود إلى حالةٍ من الاضطراب النفسي والاختلال العقلي، أما في «شغف آنا» يعرض لنا آنا (ليف أولمان) المصابة بالشلل والتصلب الروحي، والتي بلغت اليأس في إيجاد وسيطٍ أو منفذ إلى ذاتها، فلجأت إلى التصنع وخلق الأكاذيب حول حقيقتها، إنها تعيش في الوهم مع بعض نوبات من الحقيقة التي تأتي ككوابيس مفزعة واضطرابات عصبية، ويتورط أندرياس (فون سيدو) المصاب بسرطان الروح والمختبئ داخل ذاته هربًا من العالم من خلال علاقته مع آنا، هذا الارتباط العقيم الذي يقوده إلى حالة من الاختلال العصبي والعنف الجسدي وينتهي به المطاف منهارًا.

تناول بيرجمان كذلك المشاعرَ المكلومة والآلام المستعصية وما يصاحبها من حالة عجزٍ سواء في تفسيرها أو البوح بها أو التعايش معها لتستحيل إلى أمراض مزمنة، ففي أحد مشاهد فيلم «صرخات وهمسات» تحاول ماريا (ليف أولمان) خلقَ وسيلة للتواصل والعبور إلى كيان شقيقتها كارين (انغريد ثولين) عن طريق لمس وجهها بأصابعها لتقابلها بحالة من الارتباك والاضطراب، وكأننا أمام عملية جراحية تحاول استكشاف الألم واستئصاله لكنها تبوء بالفشل. كما تطرّق كذلك إلى مضاعفات هذه المشاعر المكلومة والتي قد تتسبب في إعاقات ذهنية وجسدية كما حدث لهيلينا في فيلم «سوناتا الخريف» (1978 ,Autumn Sonata).

وفي عام 1974، أخرج بيرغمان إحدى أعظم روائعه «مشاهد من الحياة الزوجية» (1973 ,Scenes from a Marriage)، والتي ناقش فيها العلاقات الزوجية وما يتخللها من فقدان للرغبة والآثار التي تترتب على ذلك، في دراما نفسية فكرتها الانفصال بين زوجين هما يوهان (إرلاند جوزيفسون) وماريان (ليف أولمان)، وكل منهما قد انغرس في الآخر لنكتشف بعد ذلك أن إرادة الانفصال ما هي إلا علامة على الحب العميق المتغلغل بينهما. ويمكن القول أننا منذ مطلع السبعينيات بدأنا نرى أفلامًا غير بيرغمانية الطابع إلى جانب حالة من قلة الإنتاج التي انتهى انتهى إليها، وهو المخرج الذي عُرف بالغزارة والمخيلة الخصبة كما في فيلم «اللمسة» (1972 ,The Touch) و«بيضة الثعبان» (1977 ,The Serpent's Egg)، إلا أن خاتمة مسيرة بيرغمان،  والمتمثل في فيلم «سربند» (2003 ,Saraband)، فقد تميّز بكونه فيلمًا بيرغمانيًا بامتياز، إذ تجلّى فيه أسلوبه وطابعه في أوضح صوره.

لقد نجح بيرغمان في التغلغل في أعماق النفس البشرية، وراح يتجول داخل حجراتها في ذاك المسبار المظلم، لتتراءى له اللانهائية والعبثية والعجز الذي عبر عنه بالصمت، وقد رأى أن الحب هو المعنى السامي والجواب الشافي لكل تساؤلاته وهو الخلاص الذي تكمن فيه القدرة على تجاوز الصمت. وعندما رجفت سكرة العدم بجسده ترجّل فارسًا نحو التل في ليلةٍ قاتمةٍ وانكشفت أمامه كل ذكرياته وآلامه ومخاوفه فأخذ يسأل: 

«آه أيتها الليلة القاتمة، متى سوف تنتهي؟، متى سأجد النور بعد الظلام» 

فيجيب الصوت: «قريبًا، قريبًا أو ليس أبدًا». 

فيسأل مرة أخرى: 

«ألا تزال بامينا حية»  ويجيب الصوت: «با- مي- نا لا تزال حية». وهناك اطمئن وأخذ يرقص على قمة التل ويمضي برفقة الخصم الذي لا يهزم.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى