يعد «الرصيف» (1962 ,La jetée) فيلمًا التجريبيًا بالكامل، فهو يتكون انطلاقًا من سلسلة من الصور الثابتة تقريبًا. ويعتمد في صلبه على مناقشة موضوعات الذاكرة والوقت وماهية الوجود البشري بعمقٍ وسلاسةٍ شديدة. ومن خلال أسلوبٍ مرئيٍّ رائدٍ وفريد، يروي الفيلم قصصه المثيرة التي تدعو إلى التأمل، مقدّمًا استكشافًا عميقًا للحالة البشرية وهشاشة الوقت. لم يتطلّب تنفيذُ هذا العمل التجريبي الفريد من نوعه سوى 422 صورة إلى جانب لقطةٍ قصيرةٍ لامرأةٍ تصحو من نوم عميق، لا تتجاوز بضعة ثوانٍ، وهي اللحظةُ الوحيدة التي يُسمح فيها للصورة والموضوع على الشاشة بتحقيق الحركة. وكل ما يأتي قبل تلك اللحظة القصيرة، وبعدها، يتكون بالكامل من صورٍ ثابتةٍ بالأبيض والأسود.
يعد التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لكريس ماركر، مخرج العمل، نقطةَ المرور الرئيسية عبر الزمن؛ إذ يعي بوضوحٍ شديدٍ أن التصوير الفوتوغرافي والذاكرة والسفر عبر الزمن أشياء لها جذور عميقة ممتدة في نفس التربة، وهي على التوالي، الطريقة والنتيجة والمكان الذي تعيش فيه.
يُعد استخدامُ ماركر للصور الثابتة، كوسيطٍ بصري أساسي، خروجًا جريئًا عن تقنيات صناعة الأفلام التقليدية. ولا يُضيف قرارُ ماركر باستخدام الصور الفوتوغرافية -بدلاً من الصور المتحركة- جوًا من الحنين إلى الماضي والتأمل فيه فحسب، لكنه يعزز أيضًا العمقَ الموضوعي للفيلم. ولتحقيق ذلك فإنه يدفع المشاهدين إلى التركيز على اللحظات الفردية العالقة في ذكرى الرجل، التي يظهرها في التوقيت المناسب. وبذلك يؤكد «الرصيف» على أهمية وتأثير كل صورة من الصور المتعاقبة، مما يجعل كل إطار نافذةً مطلَّةً على ذكريات الرجل.
يدور الفيلم حول مفهوم الذاكرة باعتبارها تجربةً ذاتيةً وبنيةً تشكِّل تَصوُّر المرء للواقع. تصبح ذكرياتُ بطلِ العمل صِلته الوحيدةَ بماضيه، وتغدو، بالنسبة له، بمثابة الأمل الوحيد للبقاء في عالم ما بعد الكارثة. من خلال هذا الاستكشاف، يثيرُ العمل أسئلةً جوهرية حول طبيعة الذاكرة نفسها: موثوقيتها وقابليتها للتطوِيع ودورها في تحديد الهوية الشخصية للفرد في عالم لا أسماء فيه، حيث يُشار للبطل بـ"الرجل" دون أي اسم أو لقب.
يعتمد الفيلم على تحدي فهمنا التقليدي للوقت، من خلال تقديمه على أنه بناءٌ وهميٌّ يمكن التلاعب به من خلال الغوص في الذاكرة. وتطمسُ رحلة البطل عبر الزمن الحدودَ بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ إذ تسلط الضوء على فكرة أن إدراكنا للوقت ذاتيٌّ ويتأثر بتجاربنا. يدفع هذا الموضوع المشاهدين إلى التفكير في علاقتهم بالوقت، وطرح التساؤل حوله، وإذا ما كان عبارة عن مفهوم مجرد أو شيء أكثر عمقًا. يشير استكشاف الفيلم للذاكرة والزمن إلى انعكاساتٍ وجودية عميقة على حالة الإنسان؛ إذ يعكسُ بحث البطل عن المعنى والاتصال في عالم مقفرٍ الرغبةَ الفطرية في البحث عن الهدف وعن الرفقة. كما يضع المشاهدَ في وضعٍ مثاليٍّ للتفكير في الوجود وعبور الحياة وأهمية العلاقات الشخصية في عالم هش.
ويرمز الشكل المتكرر لوجه المرأة في جميع أنحاء الفيلم إلى الحب والخسارة. أما الرجل، فلا يزال مُحاصرًا في لحظات محددة سلفًا، إذ يُسلِّط حنينه، ومحاولاته غير المجدية للتواصل وسطَ قيود زمنية، الضوءَ على قوة تأثير الوقت في توحيد الأفراد وفصلهم، مما يجعلهم يتوقون إلى ما كان في السابق أو ما كان يمكن أن يكون أو يتحقق، لو سارت الأمور على غير ما مضت عليه.
يعمل السرد الصوتي للفيلم كأداةٍ أدبيةٍ تعزز التأثيرَ العاطفي لقصته ومواضيعه. فتأملاتُ بطل الرواية -التي يتم تقديمها بنبرة هادئة حزينة- توفر نظرةً ثاقبةً لعالمه الداخلي وتزيد من طبيعة الفيلم الاستبطانية. ومن جانب آخر، تضيف موسيقى الفيلم أيضًا طبقاتٍ من التنافر والنغمات الوجودية، مما يعطي إحساسًا بعدم الارتياح والكآبة، ويعكس رحلة بطل الرواية العاطفية عبر الزمن.
أما الاستخدام المتناثر للحوار، فإنه يسمح للمشاهدين بالتركيز على الصراعات الداخلية للبطل، ويؤكد على قوة الذاكرة وقدرتها على تشكيل هوية المرء. من جهة أخرى، يخلق السرد الصوتي أيضًا إحساسًا بالحميمية، ويجذب المشاهدَ إلى سبر أعماق نفسية الرجل، مثيرًا قدرًا كبيرًا من التعاطف مع محنته. وتمثل أصوات العلماء باللغة الألمانية الخطابَ المباشر الوحيد في الفيلم؛ إذ تبدو وكأنها مشوشة عن عمد وغير مسموعة أو مفهومة.
ولعل ما يدعم هذا البعد التجريبي هو حقيقة أنه لا الشخصية الرئيسة ولا المرأة قادران على قول أي شيء في خطاب مباشر، مما يجعل الجمهور يشعر بأنهما هامِدان ومنفصِلان عن الحاضر، إذ يبدو أنه لا صوت لهما ولا حياة، وإنما تظهران كشخصيتين عالقتين في الوقت وحسب. ولعل صورهما بالأبيض والأسود تعزز هذا الشعورَ بانعدام الحياة. ففي أحد المشاهد، تتحدَّث الشخصية الرئيسة إلى المرأة، ولكن حديثه لا يُلقَى بصوته، ولا بصوت الراوي مباشرةً. لكن بدلًا من ذلك، يقول الراوي أن الرجل «يسمع نفسه يقول». هذه الطريقة غير المباشرة لإدراك حديثه تجعل شخصية البطل منفصلة عن حضورها، كما لو كان يختبر واقعه عن بعد.
في المتحف نرى الحيوانات المُحنّطة، هامدةً، وغير متحركةٍ وميتة، تماما كما هو الحال مع الشخصيتين الرئيستين اللتين تظهران مشلولتين في اللقطات الثابتة. تلتقط إحدى الصور الشخصيتين الرئيستين في صورةٍ مكتئبة، إذ تظهران في نفس الوضع تقريبًا، مثل الحيوانات المحنطة التي تراقبانها، وذلك إشارةً إلى موتهما أيضًا. فهما بلا ذكريات، وبلا خطط، والوقت يبني نفسه بشكل مؤلم حولهما. إن المعالم الوحيدة لهذه الحياة التي بالكاد نلمسها هي نكهةُ اللحظة التي يعيشان فيها والعلامات المتجلية على الجدران.
يروي الفيلم قصةَ رجلٍ يرى موته دون إدراك ذلك، يعيش في اللقطات التي استطاع تحصيلها من ذاكرته، ليكتشف أن اللحظة التي ميزت حياته كلها هي ذكرى موته فحسب.
من زاوية فلسفية، يمكن النظر إلى قصة الفيلم بوصفها قصةً وجوديةً عن حياة حتمية حُكم عليها بالفناء، وبموتٍ محدّدٍ سلفًا. ولعل السؤال المطروح هنا: هل توجد طريقة أفضل للتعبير عن هذه الفكرة سوى استخدام صور هامدة لإخبار قصة حياة لا يُنظر إليها إلا على هذا النحو؟ وإذا كانت الشخصية الرئيسة عالقة في حلقة زمنية وقد رأت موتها وهي في مرحلة الطفولة، فما هي الأسباب التي تجعلها تعتقد أنها موجودة بالفعل؟
بعد إنقاذه لعالمه، يعود الرجل ليجد المرأة في انتظاره على الرصيف. وبينما يندفع نحو حبيبته، تتوالى سلسلة من اللقطات التي تم تعديلها، في تتابعٍ سريعٍ لتضفي على ركضه اليائس مظهرَ الحركة البطيئة المؤلمة والمعلقة. لكن أحد خاطفيه يكون موجودًا هناك أيضًا، فيطلق النار عليه. وعندما يسقط الرجل، يوضِّح التعليقُ الصوتيُّ أن المشهد الذي ظلَّ يطارده طوال الوقت كان لحظة وفاته. وعندما يموت، يتجمد في الهواء، ويتحول إلى تمثالٍ بشريٍّ هامدٍ مثل الآثار الكلاسيكية التي شُوهدت سابقًا.



