في مساء الخامس عشر من أيار/مايو 1960، قام جمهور مهرجان «كان» بفعل نادر ما كانت جماهير المهرجانات تقوم به إزاء فيلم جادّ: ضحكوا عليه! كان فيلم مايكل أنجلو أنطونيوني الجديد، «المغامرة» (l'Avventura)، وهو فيلم صعبٌ مثل الألغاز، تميَّز بسردِه البطيء وتصويره بالشاشة العريضة. يدور حول اختفاء امرأةٍ شابة فوقَ جزيرةٍ بركانيةٍ جرداء قبالة صقلية. ينطلق في البحث عنها حبيبها، وترافقه أعزّ صديقاتها، ثم ينسيانها قبل أن ينزلقَا إلى علاقةٍ عابرةٍ تنشأ بينهما وسطَ بلداتٍ باروكية آيلة للسقوط وأروقة فنادقَ خاوية. لا توجد جثة في الفيلم وليس ثمة تفسيرٌ وراء اختفائها. يترك الفيلم السؤال حول مآل الصديقة المختفية يُفلِت ببساطة. فما كان لجمهور المهرجان إلا أن قابل الفيلم بالصفير والاستهجان والتثاؤب. كان في مقاييس ذلك الجمع كارثةً حقيقية.
غير أن شيئًا ما انقلب بين ليلةٍ وضحاها. حين قام سبعة وثلاثون سينمائيًا وناقدًا، من بينهم روبرتو روسيلليني، الرجل الذي ابتكر تقريبًا الجماليات التي راح أنطونيوني يفكّكها في سينماه، بتوقيع رسالةٍ مفتوحةٍ يعتذرون فيها عن فظاظة الجمهور ويمتدحون الفيلمَ بوصفه تقدّمًا حقيقيًا. أما لجنة التحكيم -سواء عن طريق الردع أو الإقناع- فمنحته جائزةً خاصةً لإسهامِه اللافت في البحث عن لغة سينمائية جديدة. وفي غضون عامين كان معهد الفيلم البريطاني يصنّفه كثاني أعظم فيلم صُنع على الإطلاق، لا يسبقه سوى «المواطن كين» (Citizen Kane, 1941). ودخلت المعجم الأوروبي كلمةُ: «سأم-أنطونيوني» (Antonioniennui) على الفور، وتصف ذلك الشكل المحدَّد باهظ المظهر من اليأس الذي كان يخيّم على شخصياته الثرية الشاردة، أنيقة الملبس. لم يكن أحد، واثقًا تمامًا مما جرى في ذلك الفندق على جزيرة ليسكا بيانكا. كان ذلك الالتباس هو بيت القصيد، وقد قضى أنطونيوني بقيةَ حياته المهنية رافضًا وضع حلّ له.
أولًا: رجلٌ يتأتئ قبل أن يتكلم
وُلد أنطونيوني عام 1912 في فيرارا، المدينةُ التي وصفها لاحقًا، بأنها جميلة لكن فيها بعض الصرامة. كانت عائلته ميسورة؛ لكن وبسبب تداعيات الحرب باعَ كؤوس التنس التي فاز بها لشراء الطعام.
ذهب إلى مدرسة تقنية معدّة لتخريج المحاسبين، ونال شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بولونيا. وبالرغم من عدم وجود دليل على أن شهادته قد تركت أثرًا مباشرًا عليه، لكن من الصعب أن تفوتنا المفارقة: رجلٌ درس الأرقام سيقضي حياته المهنية يصوّر الفائضَ، والفراغ الذي يخلّفه المالُ حين يشتري كل شيء إلا المعنى. منحته فيرارا التنس أيضًا، واهتمامًا بمسرح العرائس، وشهيةً مبكرة للرسم لم تفارقه قط، وذائقةً للمسرح المحلي حيث مثّل في شبابه، وكتب مسرحية لم تُعرض قط، وعاش كمن يجرب حياةَ الفن دون أن يكتشف بعد أي فن.
كتب في النقد السينمائي في صحيفة محلية بداية من عام 1936، بمعدّلٍ غزيرٍ بلغ عشرات المراجعات في السنة، انصبَّت اهتماماته على الشكل والتقنية أكثر من السياسة، وهي لامبالاةٌ واضحة بالأيديولوجيا الصريحة التي ستُلاحقه إلى أفلامه الروائية وتُوقِعه أحيانًا في مشكلاتٍ مع من أرادوا لأفلامه أن تعني شيئًا أوضح على المستوى النقدي. وحين وصل الأميركيون وأفلامهم، كتب عن «حمّى الذهب» (The Gold Rush, 1925)، ذلك العمل الصامت الذي رأى أنه بلغ حدّ الكمال بمجرّد وجوده. المفارقة، هنا، أن الرجل الذي ستفرَغ أفلامه لاحقًا من الحكاية كان في بدايته مفتونًا بواحد من أكثر كوميديي السينما التزامًا بالسرد. انجرف انطونيوني إلى المهنة متأخرًا، على غير عادة أبناء ذلك الجيل، فتدرّب في المركز التجريبي بروما، وعمل من دون أن يُذكر اسمه في فيلم «عودة الطيار» (A pilot returns) في عام 1942، لروبرتو روسيلليني. التحق بالمقاومة بعدها وقضى أشهرًا مختبئًا.
كان فيلمه الأول وثائقيًا قصيرًا بعنوان «أهل نهر البو» (People of the Po Valley, 1947)، وهو دراسةٌ عن البحّارة المهمشين على نهر بو قرب فيرارا. لكن معظم لقطاته ضاعت أو أُتلفت أثناء الحرب، ولم يبقَ منه سوى شذرةٍ من تسع دقائق رُتّقت بعد سنوات، وعُثر عليه فيما بعد. ثم قدَّم في أواخر الأربعينيات سلسلةً من الأفلام القصيرة غير الروائية عن كنّاسي شوارع روما، والخرافات الريفية، ومصنع رايون، وحديقةٍ مليئة بتماثيل حجرية مشوّهة. كانت أعمالًا متواضعةً في مجملها، ومنسيّة في معظمها، تبدو من قبيل الأعمال الأولى للفنان، إذا نظرنا إليه، بأثر رجعي، كرجلٍ يتأتئ قبل أن يقول الشيء الذي يريد قوله بالفعل.
أما ما أراد قوله فقد استغرقَ منه عقدًا آخر لاكتشافه، وحتى حينها لم يعبر عنه قط بالطريقة التي توقّعها الناس. أخرج أول أفلامه الروائية «وقائع حبّ» (Story of a Love Affair) عام 1950، وقد مولّه بموارد ضئيلة مدفوعًا بإصراره الشخصي. الفيلم من بطولة ملكة جمال إيطاليا السابقة لوتشيا بوزيه، لأن جين تيرني التي أرادها فعلًا كانت بعيدة المنال حينها. تستعير الحبكة شكل الفيلم-نوار؛ إذ يستأجر زوج غيور محققًا ليتحرّى عن ماضي زوجته، التي يعاود حبيبٌ قديم الظهورَ في حياتها، ويُدبَّر لجريمة قتل إلا أن الجريمة لا تحدث أبدًا، وبدلًا من ذلك يموتُ الزوج في حادثٍ. غير أن العاشقين اللذين كان يمكن أن يستفيدا من موته يخفقان في إتمام ما قطعاه من وعود، فيفترقان في محطة قطار دون أن يتعانقان. إنه فيلم جريمة نُزعت منه مظاهر الجريمة، وهو بمثابة إعلانٍ عن السمة التي سيكرّرها أنطونيوني لخمسةٍ وعشرين عامًا؛ ألا وهي استخدام كل القواعدِ المتعارف عليها لنوعٍ فني معروف، لكن في اللحظة الأخيرة يُحرَّف أو يتم إسقاط العنصر الذي كان يُفترض أن يمنحَ الجمهور الإشباعَ أو الحلَّ المتوقع من هذا النوع.
تلا ذلك فيلمان في مطلع الخمسينيات «المهزومون» (The Vanquished, 1953) وهو جزء من ثلاثيةٍ وعظيةٍ عن جنوح الأحداث، موّلتها شركة إنتاج كاثوليكية، و«السيدة بلا كاميليا» (The Lady without Camelias, 1953) عن بائعةٍ في أحد المتاجر تسحقها صناعة السينما الإيطالية. لم يحققا أي نجاح يذكر. كما أنهما ما يزاللت من الأفلام التي تفشل في حصد اهتمام المشاهد إلى غاية يومنا هذا، إلا أنهما أتاحا لأنطونيوني مواصلةَ بحثه عن موضوعه الحقيقي: ما الذي يحدث للناس، وللنساء خاصةً، حينما يذهبون بحثًا عن حياة فلا يجدون سوى بقايا من أثاثها. ثم خطا خطوة أبعد في فيلم «الصديقات» (Le amiche, 1955)، المقتبس عن رواية لتشيزاري بافيزي عام 1955. ويتتبع فيه حكاية سيدة أعمال تعود إلى مدينتها وإلى جماعةٍ من صديقاتها، وصوّر أنطونيوني حيواتهنّ العاطفية المعقّدة بقدرٍ من البرود.
ثم جاء فيلم «الصرخة» (Il Grido) عام 1957، محملًا بأول نجاحٍ نقديّ، ويُعد أكثر أفلامه انتماءً وإخلاصًا للطبقة العاملة. لعب فيه الممثل الأميركي ستيف كوكران دور عامل يتجوّل في وادي البو مع ابنته الصغيرة بعدما هجرته زوجته، يتنقل من وضعٍ مؤقّت إلى آخر، حتى يتسلّق في النهاية برجَ مصنع ويسقط، أو ربما يقفز، إلى موته. رأى الناقدُ والمنظِّر رولان بارت، حين كتب عن الفيلم بعد سنوات، أن قوّة الفيلم تكمن في رفضه تحديد ما إذا كانت النهاية انتحارًا أم حادثًا. كما رأى كذلك أن هذا التحفّظ هو عين الإنجاز؛ أي إصرارُ المخرج على إمكانية أن يظلّ المعنى مفتوحًا على نحو جذريٍّ دون فقدانه. وهو أمر يستحقّ وقفةً تأمليةً، لأنه جوهرُ عقيدةٍ راسخةٍ، بنى عليها أنطونيوني كلّ ما أنتَجه بعد ذلك. فقد اتُّهم مرارًا، على مدى أربعةِ عقودٍ، بأنه يصنعُ أفلامًا لا يحدث فيها شيء. أما ما كان يفعله في الحقيقة -وبعنادٍ كلّفه أحيانًا ممولّيه وجمهوره معًا- فهو إخراجٌ أفلام تحدث فيها أشياء لا تدلي بشيء، وترفض أن تملي على المشاهد ما ينبغي أن يظنه فيها وحولها.
ثانيًا: سينما العزلة والالتباس
بلغ ذلك الرفض أكمل صوره في أربعةِ أفلام صُنعت بين 1960 و1964، وهي «المغامرة»، و«الليل» (La Notte, 1961)، و«الكسوف» (L'Eclisse, 1962)، و«الصحراء الحمراء» (Red Desert, 1964) وهي سلسلة أفلامٍ بلغت من التماسك حدًا جعل النقاد يتجادلون طيلةَ عقود حول تسميتها ثلاثيةً أم رباعية، بينما أرى أن الفروق بين الأفلام أهمّ من الشبه العائلي بينها. ومع ذلك، يصعب تجاهل أوجه الشبه تلك. نحن أمام أثرياء قلقين، ومعماريّ باع موهبته بالمال، وروائيّ ضجر من زواجه، وشابّة تتأرجح بين سمسار بورصة ومجمّع سكني روماني مصمَّم على شاكلة عظمة موسوليني، وربّة بيت تتعافى من انهيار عصبي وسط منظرٍ صناعي قرب رافينا. ينجرف هؤلاء الأبطال عبر الفيلم دون قدرة على التواصل، بل يعجزون حتى عن الرغبة في خلق تواصلٍ من شأنه أن يحلّ شقاءهم. لذلك فإن شخصياته لا تُمدح ولا تُدان على علاقاتها التي تنسجها ولا على برودها بقدر ما تستدعي الشفقة عليها، تماما مثل شفقتنا على مريضٍ بعلّة مزمنة يأبى تسميتها.
كان تصوير «المغامرة» محنةً صغيرة بحدّ ذاته، وصارت واحدة من أساطير الإنتاج الكبرى في سينما ما بعد الحرب. انتقل الطاقم إلى جزر إيوليان شمال صقلية، واتخذوا من جزيرة بانارِيا الصغيرة التي كانت بلا كهرباء ولا هاتف قاعدةً لهم. صوّر المخرج يوميًا على صخرة غير مأهولة تُدعى ليسكا بيانكا، لا يمكن بلوغها إلا بقارب تجديف، لأن اليختَ -المُتفق معه- لم يكن يأتي في الوقت المناسب. ثم تراجع المنتجون الإيطاليون عن التمويل كليًا؛ وأضرب الفنّيون عن العمل بعدما توقفت أجورهم؛ وكاد اثنان من أفراد الطاقم أن يغرقا. وانتهى الأمر بأنطونيوني يصوّر بطاقمٍ هزيل من الممثلين ومصوّر ومدير إنتاج، ولم ينقذ المشروع سوى تمويلٍ وصلَ من فرنسا على سمعة فيلمه السابق «الصرخة» هناك. وحين اكتمل المونتاج أخيرًا، أراد المنتجون أن يعرفوا، وهو مطلبٌ معقول، ما الذي حدث فعلًا للمرأة المفقودة، هل عُثر عليها، هل ظهرت جثتها، هل وصل خبرٌ عنها من مكانٍ ما. كان جواب أنطونيوني أنها ستتلاشى ببساطة، ليس من الحبكة وحدها بل من أذهان من أحبّوها. أما رقابة ميلانو فقرّرت أن الفيلم إباحيّ وقصّت منه ثمانية أمتار قبل أن يسمح أمر قضائي لاحق بعرضه كاملًا؛ ووجهت لأنطونيوني نفسه تهمة خدش الحياء العام ولم يُبرَّأ منها إلا بعد ثلاث سنوات.
تلاه «الليل» عام 1961، مع مارسيلو ماستروياني الذي كان انتهى لتوّه من «الحياة الحلوة» (La Dolce Vita)، وجان مورو التي ذاع صيتها وقتذاك بفضل «العشّاق» (The Lovers, 1958)، في دورَي زوجين يُساقان بلا هدف عبر ليلة واحدة لزيارة صديق يحتضر، وحفلة في قصر ثريّ، وعلاقتان وشيكتان مع آخرين لا تفضيان إلى شيء، قبل أن ينتهي بهما الأمر معًا في ملعب غولف عند الفجر، حيث تستسلم الزوجة، من الإنهاك أكثر من الرغبة، لمداعبات زوجها الخرقاء. ثم منح «الكسوف» في العام التالي مونيكا فيتي، التي أصبحت وقتها ملهمة أنطونيوني ورفيقته، أحد أدوارها المميّزة؛ شابّة تترك عشيقًا، وتنجرف نحو سمسار بورصة يؤدّيه آلان ديلون، ثم تتخلّف ببساطة عن الموعد الذي قطعاه لبعضهما عند ناصية شارع في حيّ "إي. أو. آر" في روما. موعدٌ يحفظه الفيلم في مشهد ختامي شهير من سبع دقائق يرينا الناصية، وحركة السير، وخزّان الماء الذي يشبه على نحو مقلق سحابة فطرٍ ذرّية، حيث لا أحد يصل على الإطلاق.
أما «الصحراء الحمراء» عام 1964، فكان أول أفلامه الملوّنة، حيث استخدم الصبغة اللونية بعدوانيةٍ تصويرية، إذ جعل طاقمًا يقضي ليلةً كاملةً في طلاء أشجارٍ باللون الأبيض ليخفِت لونها في لقطة اضطرّ لإلغائها فيما بعد لأن الشمس أشرقت في اليوم التالي على نحوٍ خاطئ. تؤدّي مونيكا فيتي دور ربّة بيت تتعافى من انهيار عصبي وسط الأنابيب والمداخن في مدينة صناعية، وقد أصرّ أنطونيوني، خلافًا للقراءة البديهية، على أنه لا يدين المصانع البتّة، بل يراها جميلة، على حدّ قوله، أجمل -بطريقتها الخاصة- من الأشجار التي اعتاد الجميع النظر إليها أكثر مما ينبغي، وأن العصاب الذي أراد وصفه هو إخفاقٌ في التكيّف وليس إدانةٌ للحداثة نفسها.
وحين جلس رولان بارت، في كانون الثاني/يناير 1980، ليكتب رسالة مفتوحة إلى أنطونيوني بمناسبة جائزة تكريمية من مدينة بولونيا، كان أمامه عقدان من هذا كلّه، ففعل شيئًا غير مألوف: بدل أن يمتدح صور أنطونيوني، امتدح ثلاث خصال سمّاها اليقظة والحكمة والهشاشة، يقظةَ فنّان يراقب العالم بدلًا من محاولة إصلاحه، وحكمة مخرج لم يخلط قط بين المعنى والحقيقة، وهشاشة رجلٍ بنى مسيرته على زعزعة الأعراف فعاش على الدوام مكشوفًا على احتمال أن يُشاع أنه لم يعد ذا صلة. وتظلّ تلك من أكثر الكتابات الجدّيةً التي كتبت عن أي سينمائي، وهي أيضًا، بطريقتها، تصفُ لماذا كان التعامل التجاري منهكًا مع أنطونيوني: فقد كان عليه أن يناضل دائمًا ليصنع سينما، لأن معظم أفلامه حققت خسائر مالية ولأن الممولّين نزعوا إلى اعتباره باردًا، مفرطًا في الذهنية، وخطِرًا بعض الشيء على صناعة تسلية تمتّع الناس.
فيلمه التالي سيغدو النجاحَ التجاري الصريح الوحيد في مسيرته. وقّع أنطونيوني عقدًا لثلاثة أفلام مع كارلو بونتي و«مترو غولدوين ماير»، كانت ثمرته الأولى، عام 1966، فيلمَ «انفجار» (Blow-up)، المقتبس عن قصة قصيرة لخوليو كورتاثار، عن مصوّر يتحرّى إذا ما كان قد التقط جريمة قتل على شريط صوره، أم لا. نقل أنطونيوني الأحداثَ إلى لندن الصاخبة وأسند إلى ديفيد هيمينغز دور مصوّر أزياء يقضي يومًا بلا غاية، ما بين اقتناء مراوح طائرات، ومضاجعة المراهقات، ثم تكبير صورة فوتوغرافية حتى يقتنع بأن ثمة جثة ومسلّحًا مختبئَين في حبيباتها ليخسر بعدها النيغاتيف، ويخسر الجثة، ويخسر نفسه في النهاية، يتلاشى من الكادر كليًا في اللقطة الأخيرة وهو يمثّل التقاط كرة تنس غير موجودة.
نال الفيلم السعفة الذهبية، وحقّق أرباحًا، وجلب لأنطونيوني ترشيحًا للأوسكار. حدث كلّ هذا من أجل فيلم يتمثل طرحه النهائي في أنك كلما أمعنت النظر في أي شيء، يتلاشى إلى نقاط لا معنى لها، وهو معنى يفتقر للجاذبية التجارية، شأنه في ذلك شأن أي رسالة أكاديمية.
سار الفيلم التالي، عام 1970، في الاتجاه المعاكس تمامًا. بلغت تكلفة إنتاج «نقطة زابريسكي» (Zabriskie Point) سبعة ملايين دولار، وهو مبلغ ضخم بمقاييس تلك الحقبة، ولم يحقق من المكاسب إلا ما يقل عن مليون دولار. خسارةٌ فادحة لدرجة أن الناس ما زالوا يستشهدون بها كواحدةٍ من أكبر الإخفاقات في تاريخ الاستوديوهات. كان أنطونيوني قد أسند البطولة إلى شابّين غير محترفين، مارك فريشيت وداريا هالبرين، في دور عاشقَين متطرّفين يلتقيان في وادي الموت بعدما يسرق فريشيت طائرة؛ وينتهي الفيلم بشخصية داريا هالبرين وهي تتخيّل، وانفجار متكرّر يزداد تجريدًا، وتدمير قصر صحراوي لمطوّر عقاري ثري، ومحتوياته، ومنها يتناثر رغيف خبز ببطء في الهواء.
انقلب النقاد الذين ناصروا أنطونيوني طوال عقد على الفيلم بإجماعٍ شبه تام، واصفين إياه بالسطحي والمفرط في ذاتيته الذهنية. أما مصير بطلَيه بعد ذلك فيمكن قراءته كما لو كان قصةً خطّتها يد أنطونيوني نفسه: تبرّع فريشيت بأجره كاملًا لجماعة في بوسطن تدين بالتنجيم، واعتُقل لاحقًا وهو يحاول السطوَ على مصرف، ومات في السجن في السابعة والعشرين، وتزوّجت هالبرين دنيس هوبر ثم طلّقته، ومضت لتؤسّس معهدًا للعلاج بالفنون التعبيرية في مقاطعة مارين. أما أنطونيوني فتشاجر مع أحد عازفي البلوز في الفيلم داخل مطعم في روما.
استعادَ توازنه على الفور مع آخر أفلام عقد «مترو غولدوين ماير»، وهو فيلم من طرازٍ مختلف تمامًا. ولعل فيلم «الراكب» (1975 ,The Passenger)، الذي لعب فيه جاك نيكلسون دور مراسل تلفزيوني يتبادل الهوية الشخصية مع تاجر سلاح ميت يصادف أنه يشبهه، أكثر أفلام أنطونيوني إحكامًا وانضباطًا في الحبكة الكلاسيكية، وفيه أيضًا اللقطة التي عليها إجماعٌ عامٌّ بأنها الأكثر جسارةً في مسيرته؛ لقطة واحدة تبلغ مدتها سبع دقائق استغرقت أحد عشر يومًا من التدريبات والتصوير، تبدأ اللقطة انطلاقا من نيكلسون وهو مستلقٍ على سريره في الفندق وتنتهي بانزلاق الكاميرا عبر قضبان نافذة الغرفة إلى الساحة في الخارج، تمرّ بسيارة، وتنطلق طلقة مكتومة، ثم تعود الكاميرا من بين القضبان ذاتها لتكشف عن مقتل نيكلسون.
كان أنطونيوني قد بدأ، عند تلك المرحلة من مسيرته، بالتحدث عن رغبته فيما أسماه بالكاميرا الموضوعية لا الذاتية؛ كاميرا تمثّل حضور المؤلف، لا وجهة نظر أي شخصية من شخصياته، واللقطة السابقة هي أوضح برهانٍ ممكن على ما كان يعنيه: تمضي الكاميرا ببساطة في شأنها الخاص، غير مبالية بالحبكة، مثلما يمضي العالم في شأنه غير مبالٍ بموت أيّ أحد.
أنتجت السبعينيات كذلك واحدًا من أغرب المنعطفات في مسيرته؛ فيلمًا وثائقيًا عن الصين بموافقة حكومية، صُنع بدعوة من بكين إبّان الثورة الثقافية. ذهب أنطونيوني وهو يدرك أن مضيفيه كانوا قد قرّروا سلفًا ما ينبغي أن يحويه الفيلم، فصوّر كمّية هائلة من اللقطات، هادئة في معظمها، تأمّلية، لاسياسية إلى حدّ التحدّي في التفاتها إلى سرير، ومصباح، وتمثالٍ نصفي لماو في بيتٍ متواضع. ومع ذلك، كرهت الحكومة الصينية الفيلم حين رأته، إذ قرأت فيما يبدو نقدًا ضمنيًا على فقر البلاد في صورٍ كان اختارها أنطونيوني لتكون محايدةً إلى حدٍّ بعيد. إنها حاشية غريبة على مسيرة بُنيت على الالتباس: فهنا، أخيرًا، حالةٌ تسبب فيها الالتباس لدى الطرفين بإغضابهما معًا.
ثالثاً: الصمت الأخير
في 1980، عاد للعمل مع مونيكا فيتي بعد سنوات من الفراق، قدم فيلمه التاريخي الوحيد «لغز أوبيروالد» (The Mystery of Oberwald)، مقتبسًا عن مسرحية لجان كوكتو، وصوره بتقنية الفيديو الإلكتروني (electronic video) أي التصوير المباشر بكاميرات تلفزيونية/فيديو بدلًا من فيلم 35mm التقليدي. تمَّ تحويل الشريط لاحقًا إلى فيلم سينمائي، و ذلك كي يتمكّن من مزج الألوان في موقع التصوير دون انتظار المختبر، وهي متعةٌ تقنية عنَت له، أكثر مما عنته حبكة الفيلم التقليدية. وتلاه «تحديد هوية امرأة» (Identification of a Woman) عام 1982، وهو عودةٌ إلى أرضٍ أنطونيونية أكثر ألفة، عن مخرج سينمائي يبحث عن ممثلة وعن بديل لزواجه الفاشل في آنٍ واحد، فلا يجد أيًّا منهما، وهو فيلم لافتٌ لصراحته في ترك شخصياته تتحدّث عن حالة الفساد والضجيج التي آلت إليهما روما، مدينةٌ بدت في نظر المخرج أكثر بؤسًا ورعبًا بكثير من تلك التي تجوّلت فيها أفلامه الأولى.
أصيب في عام 1985 وهو في الثانية والسبعين، بجلطة سلبته النطق كليًا وشلّت نصفه الأيمن. ما تلا ذلك واحدةٌ من أكثر الحواشي تأثيرًا في تاريخ الإخراج. إذ لم يتوقّف عن العمل، وتعلّم الرسم بيده اليسرى، وصار يتواصل بمفرداتٍ انكمشت إلى بضع عشرات من الكلمات الإيطالية، وظلّ، بعون لا يكلّ من زوجته يجمّع اللقطات وبدفع مشاريعه نحو الاكتمال. أنجز فيلمًا وثائقيًا عن مهرجان ديني هندوسي كان قد صوّره في الهند قبل سنوات. وأسهم بمقطع في فيلم جماعي عن المدن الإيطالية بمناسبة كأس العالم 1990.
وفي 1995، وهو في الثالثة والثمانين، وبتمويلٍ تطلّب إصرارًا حقيقيًا، صنع «ما وراء الغيوم» (Beyond the Clouds)، فيلم مكون من أربع قصص مقتبسة من كتاباته المنشورة، مع الاستعانة بالمخرج الألماني فيم فيندرز كضمانٍ في حال عجز أنطونيوني عن إتمامه. وهو شرطٌ أصرّت عليه شركات التأمين. أما فيندرز، بحسب روايته هو، فقد فعل أكثر بكثير من مجرّد الوقوف على أهبة الاستعداد؛ فقد دوّن يوميات إنتاج مفصّلة تظلّ من أشدّ الوثائق تأثيرًا عمّا يعنيه العمل لدى مخرج لا يستطيع الكلام، لكن إدراكه لما يريده يظل مشعًا لا يخفت قط. كان أنطونيوني يتواصل بالإيماءة، وبحفنة كلمات، وبرسوم صغيرة، وكان فيندرز، في ذروة مسيرته الخاصة، يذعن له ببساطة طوال الوقت.
كانت القصص الأربع التي نتجت عن ذلك أنطونيونية بلا لبس؛ يلتقي عاشقين مرتين، تفصلهما سنوات، ويخفقان مرتين في إتمام أي شيء؛ ومخرج ينجذب في صمتٍ إلى بائعة يتبيّن أنها قتلت أباها؛ وزواجان محطّمان تتقاطع دروبهما في باريس؛ وشابّة ترافق غريبًا إلى الكنيسة ثم تخبره، عند بابها، أنها ستلتحق بالدير في اليوم التالي. كانت هذه الأفلام أرقّ نسيجًا من أفلام الستينيات، إذ تُقدَّم ألغازها من دون وقتٍ كافٍ على الشاشة يتيح للجمهور أن يقيم داخلها كما أتاح «المغامرة» ذات يوم للجمهور فسحةً للإقامة في وجه مونيكا فيتي بقدر ما يلزم لتخمين ما يدور في رأسها.
صنع أنطونيوني فيلمًا قصيرًا واحدًا بعد ذلك، مقطعًا في عملٍ جماعيٍّ عنوانه «إيروس» (Eros) عام 2004، شارك في كتابته رفيقه القديم تونينو غويرّا، عن زوج ينهار زواجه فيعيش نزوة عصر على الساحل التوسكاني؛ ثم فيلمًا وثائقيًا في العام نفسه عن تمثال موسى لمايكل أنجلو بوناروتي، وهو تأمّل شيخٍ في عمل شيخٍ أقدم، يُغلق بأناقة الدائرة على الاسم الذي حمله طوال حياته.
لم يكفّ أنطونيوني يومًا عن التخطيط لمشاريعُ أرادها منذ عقود، اقتباسٌ عن قصته الخاصة عن طاقم يخت متمرّد، بقائمة ممثلين ضمّت في أوقات مختلفة كورت راسل وجيرار دوبارديو، ومارتن سكورسيزي مرشحًا للمشاركة في الإخراج؛ وفيلمٌ عن طلاقٍ يفجّره فاكس، كان يُفترض أن يُصوَّر في ناطحات سحاب وسط لوس أنجليس وأحيائها الفقيرة المجاورة، لكن هذه الأفلام ظلّت تتهاوى عند مرحلة التمويل. من الصعب أن يخطر ببالك مخرج آخر أمضى الاثنين والعشرين عامًا الأخيرة من حياته، ومعظمها بلا قدرة على النطق بجُمل عادية، وهو لا يزال يطارد المال فعليًا ليصنع أفلامًا ربما أُغري رجلٌ سليم في نصف عمره بتنحيتها لأنها أعقد من أن تُنجز.
مات في بيته بروما في الثلاثين من تموز/يوليو 2007، عن أربعة وتسعين عامًا في اليوم نفسه الذي مات فيه إنغمار برغمان في السويد، فأمضت صفحات النعي أسبوعًا وهي تحاول تأبين اثنين من آخر المدافعين الجادّين عن فكرة أن السينما قد تكون ضربًا من التفكّر الفلسفي، وقد رحلا كلاهما في غضون ساعات، كما لو أن صبر القرن العشرين على ذلك النوع من صناعة الأفلام قد نفد ببساطة معهما.



