ثمة مفارقة في سينما ماليك لا يمكن تجاهلها، فرغم اتفاق النقاد أن الأفلام التي يُقدمها هذا المخرج دائمًا توصف بكونها تجارب بصرية استثنائية إلا أنها تُغرق المُشاهد في أصوات داخلية لا تنقطع. الصوت الداخلي في «الأراضي البور»، في «شجرة الحياة»، في «فارس الكؤوس»، وفي «حياة خفية»؛ كلها أصوات تتكلم وتتساءل وتُناجي وتعترف. يجلس المُشاهد أمام فيلم يريد أن يقول شيئًا ما، لكنه يعرف، أو يشعر في النهائية، أن الكلمات لم تبلغه أبدًا. هذا التوتر بين الرغبة في القول والإحساس باستحالته هو ما يمكن أن نسميه «المشكلة اللغوية» في سينما ماليك. وهي مشكلة تتقاطع تقاطعًا عميقًا مع إحدى أعظم القضايا في الفلسفة المعاصرة: قضية حدود اللغة، وما يقع خارجها.
فيتغنشتاين على باب السينما
كتب لودفيغ فيتغنشتاين في خاتمة رسالته المنطقية-الفلسفية (1921) جملته الأشهر: «ما لا يمكن الكلام عنه، يجب الصمت إزاءه». هذه الجملة التي قُرئت طويلًا قراءة وضعانية -كأنها دعوة إلى إهمال كل ما يتجاوز الحقائق القابلة للتحقق- تحمل في طيّاتها شيئًا أعمق مما بدا في البداية. فيتغنشتاين لم يقل إن ما لا يُقال لا يوجد، فذلك تأويل سطحي لهذا الفيلسوف اللغوي الكبير، وإنما قال أنه يجدر السكوت عنه، وهناك فرق هائل بين الأمرين. ما لا يُقال عند فيتغنشتاين (الجمال، القيمة الأخلاقية، الدهشة الدينية، معنى الحياة في مجملها) هو بالضبط ما يحاول ماليك مساءلته في كل فيلم. لكن ماليك لا يتوقف عند الصمت الفيتغنشتايني المريح، لكنه يخترق الموضوع بصورة من نوع مختلف. إذ يُبدّل الكلمة بالضوء والحركة والإيقاع. السينما عنده محاولة للإقامة في تلك المنطقة - التي أمرنا فيتغنشتاين أن نكبتها ونُسكتها - دون الادّعاء بأن هذه الإقامة تُنهي صمتها. إن الصوت الداخلي في أفلام ماليك ليس بديلًا عن الصمت، وإنما شاهدٌ على استحالة قول ما يريد قوله. «كيف أصف لك ما أشعر به؟» سؤال لا تُجيب عليه الكلمات، فتأتي الصورة، لكن الكلمات تبقى هناك، شاهدة على إمكانياتها المحدودة الخاصة.
الكلمة والإيماء
يذهب ميرلوبونتي في فصل «الجسد كتعبير واللغة» من «فينومينولوجيا الإدراك» إلى تمييز جوهري بين نوعين من التعبير: التعبير الثانوي (expression secondaire) وهو اللغة الاصطلاحية المستهلكة التي تنقل مفاهيم سبق تحديدها، والتعبير الأصلي (expression originaire) وهو اللحظة الخلاقة الأولى حين يُشير الجسد أو الإيماء أو الصوت إلى معنى لم يكن له شكل قبل هذه اللحظة. التعبير الأصلي هو اللحظة التي تنبثق فيها اللغة من الصمت قبل أن تتصلّب في عادة أو اصطلاح. وهو، بشكل مثير، ما تُحاول الصورة السينمائية فعله في كل لحظة، إذ كل لقطة تعبير يُخلق لأول مرة، وليست إسقاط لمفهوم معلوم سلفًا. وماليك يميل دائمًا نحو التعبير الأصلي. حين تمدّ السيدة أو'براين يدها في الهواء في «شجرة الحياة»، لا يُقال لنا ما تعنيه الحركة. لا يوجد صوت داخلي يُفسّرها، ولا سياق درامي يُحدّدها. يتكلم الإيماء بنفسه، بمعنى يُنشئه في اللحظة ذاتها التي يقع فيها. وهذا بالضبط ما يجعل المُشاهد يشعر أنه فهم شيئًا ما دون أن يعرف كيف يُعيد صياغة ما فهمه. لا يترك التعبير الأصلي أثراً قابلًا للتلخيص.
لفهم ما يجري بدقة، نحتاج إلى التفريق بين ثلاثة مستويات في أفلام ماليك تعمل في توازٍ ومفارقة. المستوى الأول هو الصوت الداخلي، أي الكلمات التي تُقال لكن لا تُقال لأحد بعينه. هذه الكلمات في «الأراضي البور» تتحدث بعقلانية هزيلة عن أحداث دموية فادحة («اعتقدنا أننا سنبدأ حياة جديدة»)، وهذا التفاوت بين حجم الحدث وبساطة الكلمة مقصود: الكلمات لا تكفي، وهولي تعرف ذلك، لكنها تُحاول. أما المستوى الثاني فهو الصورة الصامتة، أي اللقطات التي لا يُعلّق عليها صوت داخلي ولا موسيقى، التي تقع في الفراغ وتطلب من المُشاهد أن يُكمّلها. وجه طفل، غصن يتحرك، نافذة ومطر، هذه اللقطات هي حيث تُقيم الحقيقة الوجودية لأفلام ماليك دون أن تدّعي أنها تعرف اسمها. والمستوى الثالث هو الموسيقى، وهي تنتمي بشكل فريد إلى ما يسميه فيتغنشتاين المجال الذي «لا يُقال». الموسيقى -هانز زيمر في «الخط الأحمر الرفيع»، حنان تاوشند في «فارس الكؤوس»، جيمس نيوتن هاورد في «حياة خفية»- لا تُعنى بترجمة مشاعر الشخصيات، لكنها تفتح الفضاء الذي تتحرك فيه هذه المشاعر قبل أن تُسمّى. فهي تُعد البعد الثالث للصورة وليست مجرد تعليق عليها. وهذه المستويات الثلاثة لا تتراتب هرميًا، بل تتوتّر. والتوتر هو المعنى.
الترجمة المستحيلة
لا يمكن الحديث عن اللغة والصورة دون استحضار والتر بنجامين وتأمله الاستثنائي في «مهمة المترجم» (1923). يرى بنجامين أن الترجمة لا تنقل معنى النص الأصلي، بل تكشف عن طبقة لغوية مستحيلة تكمن تحت كل النصوص: ما يسميه «اللغة النقية» (reine Sprache)، أي اللغة التي لا توجد في أي لسان بعينه، لكنها تلمع في الفجوات بين الترجمات المختلفة. كل ترجمة محاولة للاقتراب من شيء لا يمكن الوصول إليه. وما يفعله ماليك في سينماه هو بالضبط محاولة ترجمة لما لا يُترجم. تُحاول الصورة «ترجمة» التجربة الوجودية الخام، ويُحاول الصوت الداخلي «ترجمة» ما لا تستطيع الصورة أن تُغلقه، وتُحاول الموسيقى ترجمة ما أخفق فيه الاثنان. وفي الفجوات بين هذه الترجمات الثلاث، لا في أيٍّ منها منفردة، تلمع «اللغة النقية» البنجامينية: ذلك الشيء الذي تُشير إليه أفلام ماليك من بُعد دون أن تمسكه. هذا يُفسّر لماذا يصعب «تلخيص» فيلم ماليك دون الإحساس بخيانته. لأن الفيلم موجود في الفجوة بين لغاته المتعددة، ولا يوجد في أي منها بمفردها. التلخيص سيقتل الفيلم لأنه يختار لغة واحدة ويُهدر دم لغات واحتمالات لا متناهية أخرى.
المعضلة الأخرى تتمثل في ثقل لغة الآخر الغريب عنا، كالمستعمِر مثلاً. ويُقدّم «العالم الجديد» (2005) اختبارًا نادرًا لهذه القضية في سياقٍ سياسي صريح. اللغة الإنجليزية التي يتحدث بها المستعمرون (جون سميث، رجال القلعة، الضباط) لغة تُسيطر وتُصنّف وتُملك: «هذه الأرض للملك»، «هؤلاء المتوحشون يحتاجون إلى تحضير». في المقابل، صوت بوكاهونتاس الداخلي يعمل بمنطق مختلف تمامًا يُعايش وينتمي ولا يخضع لتصنيف أو امتلاك. وحين يلتقي جون سميث وبوكاهونتاس، تقع الكارثة اللغوية: لا يوجد لسان مشترك، لكن يوجد ما هو أسبق من اللسان. ما يسميه ميرلوبونتي «الإيماء» (geste): حركة اليد، نظرة العين، التردد في الاقتراب. وماليك يُصوّر هذا التواصل الما-قبل-لغوي بلقطات طويلة، ببطء أنثروبولوجي يُقدّر ما تُفقده الترجمة. حين تتعلم بوكاهونتاس الإنجليزية في النهاية وتُسمّى «ريبيكا» وتذهب إلى إنجلترا، يشعر المُشاهد بخسارة حقيقية. ليست خسارة رومانتيكية فحسب، بل خسارة وجودية: شيء كان ما-قبل-لغويًا أُجبر على الدخول في لغة، وهذا الدخول هو نوع من الموت.
الصمت الجوهري في «حياة خفية»
في «حياة خفية» (2019)، يصل ماليك إلى لحظة نادرة: شخصية لا تُبرّر رفضها ولا تُعلّل إيمانها، حتى لنفسها. فرانز يغرشتيتر حين يسأله القاضي والمحامي والكاهن والضباط عن سبب رفضه، لا يُجيب بحجة متكاملة. إجابته أشبه بصمت مُعلَّل: «هكذا أرى الأمر. لا أستطيع الموافقة». الكلمات موجودة لكنها لا تُفسّر، لا تُبرّر، لا تُقنع، وهي لا تسعى إلى ذلك أصلاً. هذا الصمت الجوهري في مواجهة سلطة الكلام هو ما تُشير إليه سيمون ڤيل بـ«الانتباه» الكامل: التوقف عن محاولة ملء العالم بأفكارنا وأصواتنا، والاستماع إلى ما كان قبل الأفكار والأصوات. فرانز لا يملك فلسفة، يملك انتباهًا. وانتباهه هذا، بالمعنى الذي قصدته ڤيل، هو شكل المحبة الأعمق: المحبة التي لا تُبرّر نفسها. وكاميرا ماليك تُصوّر هذا الصمت دون أن تجعله دراميًا أو بطوليًا بالمعنى التقليدي. تُصوّر أصابع امرأة تعجن العجين، أطفالًا يجرون في حقل، جبالًا بيضاء في ضوء الغروب. الصمت هنا هو اللغة الأصلية التي جاءت قبل كل كلام.
إن ماليك يقول بسينماه أن الحقيقة تقع في التوتر بين الصورة والكلمة. فالكلمة تعرف حدودها وتلتزم بها مُرغمةً، وهذا ما يجعل الصوت الداخلي عنده دائمًا متسائلًا لا مُجيبًا. ولا تدّعي الصورة الشفافية المطلقة، وهذا ما يجعل الكاميرا تبتعد دائمًا قبل أن تُغلق المشهد. فيتغنشتاين أسكت ما لا يُقال، وميرلوبونتي رأى فيه مهد التعبير الأصلي، وبنجامين رأى فيه المكان الذي تلمع فيه اللغة النقية في فجوات الترجمات. وماليك، دون أن يُسمّي أيًا من هؤلاء في أفلامه، يُقيم في ذلك المكان الثلاثي التوتر بلقطاته وأصواته وسكوته وسكونه، ويدعوك، دعوة لا ترفضها في العادة، إلى أن تُقيم معه. ما يُقال في «شجرة الحياة» أقل بكثير مما لا يُقال فيها. وما لا يُقال هو الفيلم الحقيقي.

الهوامش:
المراجع:
- رسالة منطقية فلسفية، لودفيغ فتغنشتاين، ترجمة عزمي إسلام، دار الرافدين، 2021.
- ظواهرية الإدراك، موريس ميرلوبونتي، ترجمة د. فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998.
- مهمة المترجم، فالتر بنيامين، ترجمة أحمد بوحسن، الآن ناشرون وموزعون، 2025.



