مارسيلو ماستروياني: الوجه الذي ظنّ الجميع أنهم يعرفونه

September 28, 2026

أُطفئت أضواء نافورة تريفي في الليلة التي أعادوه فيها إلى بيته، وأُسدل ستاران أسودان فوق حجر الترافرتين فوق أحصنة البحر والتريتونات، فوق ذلك المشهد الرخامي الباذخ الذي بدا وكأنه نُحت خصيصًا من أجله.

كان ذلك في ديسمبر من عام 1996. انطلقت مراسم الحداد عليه، فأغلقت جميع طرقات روما، روما التي أمضت ثلاثين عامًا تتظاهر بعدم اكتراثها بما يظنه مارسيلو ماستروياني عنها، وأربعين عامًا تتظاهر فيها بأنها لم تلاحظ مدى تجسيد هذا الفنان لصورة البلاد عن نفسها.

وصل نعشه بطائرة من باريس، المدينة التي كان لها عليه، آنذاك، حق لا يقل عن حق مسقط رأسه. وفي كنيسة سان-سولبيس، اصطفّ قبل أيام سابقة لقدومه صفٌ من المعزّين يشبه قائمةَ ضيوفِ فيلمٍ ما كان أحد ليقدر على تمويله: كاترين دونوف، ماركو فيريري، فيليب نواريه، جيرار ديبارديو، ابنتان من امرأتين مختلفتين، أرملة لم يطلّقها قط، وفي مكان ما بين الحشد، المرأة التي شاركته فعليًا سنواته الأخيرة والتي لم يُسمح للجمهور قط بملاحظتها. وعُزفت موسيقى نينو روتا من فيلم «الحياة الحلوة» (La Dolce Vita, 1960) فوق النعش. لقد كانت مناسبةً لا تخلو من مظاهر إخراجية مبالغ فيها، مبتذلة قليلًا، وصادقة بعمق في آن واحد. حدثٌ من النوع الذي كان ماستروياني نفسه سيجده مثيرًا للسخرية، وكان سيحضُره مع ذلك من باب اللياقة، وربما يستمتع به سرًا.

كان في الثانية والسبعين، وقد مثّل نحو مئة وأربعين فيلمًا، ولم تتفق الصحف التي كتبت نعيه على ماهية الشيء الذي اشتهر به بالضبط. لجأت الصحافة الأنجلو-أمريكية، كعادتها، إلى عبارة «العاشق اللاتيني»، النعت الذي لازمه في مطلع الستينيات ورفض أن يزول لبقية حياته، مهما تنوعت أدواره التي أداها سعيًا لإزالة اللقب، من المصور العاطل، والصقلي العاجز، والعشيق الذي عفى عليه الزمن. وهو اللقب الذي كان عكس الحقيقة تقريبًا.

وجه بلا شخصية

وُلد باسم مارسيلو فينتشنزو دومينيكو ماستروياني، في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1924، في فونتانا ليري، وهي بلدة متواضعة لصناعة الأحذية تبعد نحو خمسين ميلًا عن روما، في منطقة تُدعى تشوتشاريا. كان والده يصلح الأثاث، وحين كانت العائلة لا تملك ثمن حذاء جديد لابنها، كان يرقّع حذاءه بقطع من الألمنيوم، فيهبط الصبي في الشارع مُصدرًا صوتًا وصفه بعد عقود بأنه أشبه بصوت حصان صغير. كانت ملابسه تصله مستعملة من عمّ له في تورينو، يظهر فيها بمظهر سيئ لدرجة أن أطفال الحي أطلقوا عليه لقب «المخالب النحيلة». لم تكن تلك الطفولة توحي بأنه سيكون الرجلَ الذي سيقضي خمسين عامًا يتلقّى إعجاب العالم المفتون بشكله بوصفه الرجل الأجمل في إيطاليا.

لقد فعلت الحرب بجيله فعلتها المعتادة، حيث قطعت كل شيء وأعادت ترتيب الباقي. أنقذه من التجنيد قيامه برسم الخرائط لجيش بلاده المتقهقر لصالح الجيش الألماني، إلى أن قاده هذا العمل  إلى شمال البلاد لحفر الخنادق في جبال الألب، ثم، في أوائل عام 1944، وُضع اسمه على قائمة الترحيل إلى معسكر عمل عبر الحدود. زوَّر مع رسام يُدعى ريمو برينديزي أوراقهما الثبوتية، مستخدمًا مهارات الرسم التقني التي علّمه إياها الجيش، وقضى العام الأخير من الحرب متنقلًا بين غرف علوية في البندقية، يغيّر مخبأه كلما اقتربت منه دوريات الميليشيات الفاشية، غير متأكد، من أسبوع إلى آخر، إذا كانت طرقة على الباب تعني صاحب المنزل أم الشرطة.

بعد الحرب، منحته روما فرقةَ المسرح الجامعي.  وهي الفرقة التي سعى للالتحاق بها من خلال دراسة الاقتصاد. وقد كان من بين المخرجين الشباب فيها، آنذاك، فيديريكو فيلليني، المتعاون المستقبلي والمنافس له أحيانًا، رغم أن كلاهما لم يكن يدري بعد ماذا سيُصبح الآخر. عمل ماستروياني في أدوار مسرحية صغيرة لدى فيسكونتي، فبنى سمعةً موثوقةً  كممثل أول من النوع الودود، الحزين قليلًا، الذي أنتجت السينما الإيطالية صورًا نموذجيةً له بالعشرات في الخمسينيات، دون أن يخمن أحد أنه كان طوال ذلك الوقت يختبر نفسه لأجل دورٍ لم يُكتب بعد.

جاءت المكالمة من فيلليني نفسه، وجرى اللقاء، بحسب رواية ماستروياني، على شاطئ فريجيني، حيث حضر بشيء من التبجح مصطحبًا محاميه. أصبحت جملة فيلليني الافتتاحية واحدةً من أكثر الجمل اقتباسًا في تاريخ السينما الإيطالية بعد الحرب: قال إنه اتصل به لأنه يحتاج وجهًا بلا شخصية، مثل وجهه. كان أمرًا مذلًا، كما اعترف ماستروياني، الذي طلب رؤية النص رغم ذلك. وما قدمه كاتب السيناريو إنيو فلايانو كان عبارة عن كومة من الصفحات البيضاء وعليها رسم بذيء وحيد، وهو على الأرجح مزحة فيلليني على حساب الممثل. وقد اضطر ماستروياني للتوقيع على عقد الفيلم ليخرج من الموقف المحرج.

تلا ذلك ما يقارب عامين من المحاولات الفاشلة قبل أن يبدأ تصوير «الحياة الحلوة»، أراد المنتج منح الدور لبول نيومان بدلًا من مجهولٍ إيطاليّ. وصف مستشارو أحد الممولين نصَّ الفيلم بأنه عديم القيمة. وفي العام نفسه، حذّر وزير الداخلية الصناعةَ علنًا، من أن واجب السينما هو تهدئة المواطنين وإعلاء كرامة الوطن.

لم يفعل الفيلم النهائي أيًا من ذلك، وإنما جعل ماستروياني -وهو في الخامسة والثلاثين- الرمزَ العالمي لروما التي توقفت عن الإصغاء لوزراء الداخلية. رجلٌ شاحب العينين، أنيق الهندام، يتجول أمام عدسات المصورين، في استعراض النجوم على شارع فيا فينيتو، بلياقةِ رجلٍ منهك يحضُر حفله الخاص.

قرأ الجمهور خارج إيطاليا الإرهاقَ في عينيه على أنه رقيٌّ قاريّ، ولم يكونوا مخطئين تمامًا، لكنّهم أخطأوا موضع الاكتشاف. فما كانت الكاميرا تسجله فعلًا، وما كان فيلليني قد رصده على ذلك الشاطئ قبل أي أحد آخر، كان نوعًا من الشك الذاتي الساخر، وليس سمة من سمات الإغواء: رجل يراقب حياته من مسافة طفيفة، غير مقتنع بأي من مظاهرها، بما في ذلك حضوره ووجوده هو نفسه.

استعان به فيلليني مجددًا بعد ثلاث سنوات، في «ثمانية ونصف»، ليؤدي دور مخرجٍ بلغَ درجات من الشهرة والاستحسان النقدي؛ وهو نجاحٌ كان يُفترض أن يمنحه حرية العمل كما يشاء، فتحوّل التقدير بدلًا من ذلك إلى عبء أصابه بالشلل الإبداعي، ليجد نفسه عاجزًا عن إكمال فيلمه التالي.

ثم استعان به أنطونيوني، في العام نفسه، في فيلم «الليل»، مؤديًّا دور روائيٍّ تائه داخل زواجه، ورسّخ له في المخيال صورةً سيصعب اقتلاعها: المثقف الأوروبي الوسيم الفارغ من الداخل، والسيجارة تحترق بين أصابعه، بينما يقام حفلُ شخصٍ آخر في الخلفية. شخصيًا، لم أستسغ هذه القراءة كثيرًا؛ لما انطوت عليه من مبالغة في التبسيط. 

بعدها، سعت هوليوود إليه بأدوارٍ للبطولة، كانت من النوع الذي يُنهي مسيراتٍ أكثر مما يصنعها، لكن ماستروياني رفضَ معظمها. ذلك أن الصورة التي التصقت به، بحسب تبريره، لم تنجح أصلًا في أن تصبح إطراءً، وإنما أضحت كسخريةٍ ذاتيةٍ غير مقصودة، ولم يكن راغبًا في تفريغها من هذه السخرية لصالح نسخة أكثر قابلية للتسويق موجهةٍ إلى جمهور أمريكي واسع.

انضباط الكسل

 لقد كانت الناقدة جاكلين رايش هي الأقرب إلى الدقة من بين جميع من كتب عن هذا التناقض. فكرتها بسيطة، وتكاد تغدو بديهية بمجرد أن تُقال: النعت بقي لأنه كان أسهل تسويقًا من البديل، لا لأنه كان صحيحًا. خلف صورة الفحولة الظاهرة التي التصقت بماستروياني، ترى رايش نمطًا معاكسًا تمامًا يتكرر في أدواره: رجل عاجز عن الفعل، تائه، سخيف قليلًا، تجاوزته بلادٌ تتغير أسرع مما يستطيع مواكبته. 

تسمّي رايش هذا النمط “الإينيتّو”، وليس العاشق المنتصر الذي أصرّت الصحافة على وسمه به. أدى ماستروياني دور برجوازي عاجز جنسيًا في «بيل أنطونيو»، ومصورًا عاطلًا يرعى رضيعًا بينما تقضي زوجته عقوبة سجن في «الانقلاب الكبير في شارع مادونا»، ومذيعَ إذاعة مثلي مطاردٍ يختبئ من زهو الفاشية في فيلم إيتوري سكولا «يوم خاص»، وعجوزًا يتزوج قزمة في واحد من آخر أدواره.

يزداد التناقض عمقًا كلما أمعن المرء النظر في الرجل خارج الشاشة، حيث التهمةُ الثابتة الموجهة إليه - التي كررها المخرجون وزملاء التمثيل وماستروياني نفسه، طوال أربعين عامًا- كانت الكسل. شهدت على ذلك ستيفانيا ساندريللي، التي شاركته البطولة في «الطلاق على الطريقة الإيطالية»؛ وشجّع ماستروياني نفسُه الفكرةَ كلما أثارها صحفي، وقد أثارها الصحفيون كثيرًا لأنها كانت تنسجم تمامًا مع شخصيته الكسولة على الشاشة. غير أنها تنهار أمام أبسط حساب من مسيرته الحافلة ثقيلةِ الوزن، التي تميزت، على مدى خمسة عقود، بنحو مئة وأربعين فيلمًا، تقلّد فيها في الغالب دورَ البطولة، إضافة إلى مسيرة موازية على المسرح حافظ عليها حتى الشهر الذي توفي فيه تقريبًا، ومقابلات منفصلة أجراها في يوم واحد -في باريس عام 1984، حسب إحصاء واحد- مع ثمانية وثلاثين صحفيًا على التوالي، لخدمة فيلم كان ملزَمًا تعاقديًا بالترويج له. 

رفض فيلليني، الذي عمل معه مرارًا، ولم يكن له سبب لمجاملته، الأسطورةَ كليًا، مؤكدًا أن ماستروياني كان يقضي ساعات يستجوب الدورَ حتى يعثر على كل فارقٍ دقيقٍ فيه. وكان تفسير ماستروياني نفسه لهذا كله أبسط بكثير: «لا أوجد إلا حين أعمل في فيلم»، وهي عبارة كثيرًا ما تنسب إليه، أي أن التمثيل كان بالنسبة إليه شرطَ الوجود نفسه، لا مجرد مهنة. لذلك كان يمثّل بلا توقف تقريبًا، لأن التوقف، بمنطقه الخاص، كان أقرب إلى الغياب الكلي منه إلى الراحة. هذه ليست جملةَ رجلٍ كسول. هذا رجلٌ نظَّم حياته البالغة بأكملها حول نشاطٍ واحدٍ حتى ضمر كل ما عداه من قلة الاستخدام. سمّى هذا كسلاً؛ لكن، لعله كان في الحقيقة أقرب إلى الهوس. 

عمل، على مر السنين، مع كل مخرج جاد تقريبًا أنتجته السينما الإيطالية: فيسكونتي، دي سيكا، أنطونيوني، وفيلليني الذي كان سابقًا للجميع، ثم إيتوري سكولا، ماركو فيريري، لينا فيرتمولر، وشارك صوفيا لورين البطولةَ في نحو أربعة عشر فيلمًا، شراكةٌ استمرت طويلًا حتى بات الإيطاليون ينظرون إليهما كزوجين وطنيين لم يكلّفا نفسيهما عناء الزواج فعليًا. 

أدى ماستروياني الكوميديا والتراجيديا في العقد نفسه، وكان يجمع بينهما أحيانا في الفيلم نفسه، وجعل كليهما يبدوان وكأنهما الإيماءة الهادئة عينها. 

حين سُئل عن سرّ تنوعه، بدا ميّالًا إلى تفادي السؤال بنكتة أو هزّة كتف، أو ملاحظة حول كون الممثل ليس سوى مرآة يتعرف فيها الجمهور على انعكاس نفسه.

ظل وجه ماستروياني، على نحوٍ ما، يطغى على تنوع أدواره كممثل في نظر النقاد. كان، بإصراره المتكرر، وجهًا عاديًا. لم يملك الملامحَ المعقوفة لنجوم السينما الرومانسية الذين قورن بهم دومًا على نحوٍ غير مواتٍ. كان شيئًا أبسط، وأنعم، وأقرب إلى الراحة، عند النظر إليه، منه إلى الإعجاب. وما كان يميزه، في النهاية، هما عيناه: عينانِ توحيان برجل رأى من الحياة أكثر مما كان يتوقع، ولم يعرف تمامًا ماذا يفعل بما رآه، فاختار السخرية بدلًا من السخط.

الرجل الذي أحب النساء

سارت حياته الشخصية على المبدأ نفسه من التناقض المسلي وغير المحلول الذي سارت عليه مسيرته على الشاشة، وكان ماستروياني، على عادته، غير مكترث بالسماح للاثنين بالتداخل. تزوج الممثلة فلورا كارابيلا عام 1950 ولم يطلّقها رسميًا قط، حتى وهو يخوض، على مرأى من الصحافة الأوروبية بأكملها، سلسلة من العلاقات الطويلة مع بعض أكثر نساء ذلك العصر تصويرًا: فاي داناواي، وكاترين دونوف، التي عاش معها لسنوات عدة في أوائل السبعينيات وأنجب منها ابنته كيارا، المولودة عام 1972؛ وآنا ماريا تاتو، التي أصبحت شريكته الأخيرة ومعاونته، وأخرجت فيلمه الوثائقي الأخير، وكانت حاضرة حين توفي.

وفي ذلك الفيلم الوثائقي نفسه، وبين كل الحديث الذي دار عن فيلليني وأنطونيوني والفحولة والأسطورة، توقف ماستروياني ليتحدث بجدية عن طبق الباستا بالفاصولياء الذي لم يكن يمل منه، وعن إدمانه شبه اليومي للهاتف. تفصيلان لا علاقة لهما بأي شيء في هذه القصة، لكنهما بقيا في الفيلم لسبب ما.

كان ينبغي أن يكون الأمر، بأي حساب تقليدي، فوضى: زوجة في روما، وشريكة في باريس، وأطفال من أمهات مختلفات. لم يبدُ الأمر كذلك في معظمه. في السنة الأخيرة من حياته، ظهر مع ابنته كيارا في فيلم لراؤول رويز، أحد آخر أعماله على الشاشة.

واصل التمثيلَ بعد غياب أي سبب معقول لذلك. عرف في منتصف التسعينيات أنه مصاب بسرطان البنكرياس ولم يخبر أحدًا تقريبًا، مصممًا، كما كان طوال معظم حياته، على إبقاء الشأن الخاص خاصًا، تاركًا الجمهور يرى فقط الممثل وهو يؤدي عمله. 

عاد في نوفمبر، من ذلك العام، إلى المسرح لعرضٍ أشبه بالمونولوغ، يؤديه رجل واحد، بعنوان «الأقمار الأخيرة». لم يكن أحدٌ في الجمهور يعرف أن العنوان سيغدو، بعد أسابيع قليلة، وصفًا حرفيًا لحياته. وبسبب العلاج الذي كان يتلقاه، أدى معظمَ عروضه جالسًا، حتى توقفت الجولة قبل أوانها بسبب تدهورِ حالته الصحية. توفي عند الفجر في التاسع عشر من ديسمبر عام 1996، في شقته في شارع دو سين، في الدائرة الباريسية التي جعلها ملكه بقدرِ ما جعل أي شارع في روما كذلك.

عادت التأبينات إلى عبارة «العاشق اللاتيني». ولعله كان سيبتسم لذلك بالسخرية الهادئة نفسها التي عرفها منذ شاطئ في فريجيني عام 1959، حين أخبره مخرج بالكاد عرفه، ومن دون قسوة، أن وجهه لا يحمل أي شخصية على الإطلاق.

‍

الهوامش:

1. رابط
2. Paste Magazine، “Film School: Marcello Mastroianni and Federico Fellini”
3.Jacqueline Reich, Beyond the Latin Lover: Marcello Mastroianni, Masculinity, and Italian Cinema (Bloomington: Indiana University Press, 2004).

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى