«معجون الفاصوليا الحُلوة»: الإصغاء كوسيلة للعيش

August 19, 2026

حين رأيت إعلان «أمسيات كان السينمائية» في متحف اللوفر بأبوظبي، كان فيلم «الفاصوليا الحلوة» (2015)1 لناومي كاواسي أول فيلم قلت لنفسي أنني سأذهب حتمًا لمشاهدته. كنت قد قرأت قبل أربع سنين رواية «ملذات طوكيو» لدوريان سوكيغاوا2، التي اقتبس منها الفيلم، وهي رواية تحمل في نسختها الأصلية العنوان ذاته «أن». حاولت مشاهدة الفيلم رفقة أختي الربيع الماضي، إلا أن شيئًا ما حال دون أن نكمله. وهكذا تراءى لي أن هذا البرنامج الذي سيعرض أفلامًا من أرشيف «كان» لخمسة أيام سيكون فرصتي المثالية لمشاهدة الفيلم -وإنهائه- هذا الربيع، وقبل كل شيء، فرصتي لتحقيق هوسي السري -الذي لم يعد سرًا- بمشاهدة كل فيلم بعد قراءة الكتاب الذي اقتبس عنه. 

يظهر بطل الفيلم سينتارو في أول مشهد وهو يخرج من شقته صاعدًا السلالم كي يدخّن على سطح المبنى المطل على أزهار الكرز. يتجه بعدها لمتجر دوراهارو، حيث يربط عصابته القماشية على رأسه، ويلف مئزره الأبيض حول خصره استعدادًا لمباشرة عمله في صنع الدوراياكي. يقلّب صانع الحلويات الأربعيني الفطائر حتى تحمر بروتينية أقرب إلى الرتابة. تحاول فتيات المدرسة الإعدادية مداعبته بمناداته "سين-تشان" انتظارًا لأي ردّة فعل من طرفه، لكنه لا يفعل سوى تقديم المزيد من الدوراياكي المجانية لهن كي يخرجن من المتجر. المراهقة الوحيدة التي لا يمانع وجودها هي واكانا، فهي فتاة هادئة بالفطرة، وكل ما تفعله هو المراقبة في صمت تام. حينما تظهر توكوي ذات الستة وسبعين عامًا أمام شبّاك المتجر، يلتفتان لها، ويبدأ الفيلم.

يبقبق المطر على الرصيف مشكّلًا فقاعات تتلاشى قبل أن تجد طريقها بين البتلات المتناثرة على الأرض. إن سينتارو، الذي وضع إعلانًا لتوظيف عامل بدوام جزئي دون أي شروط للعمر، يرفض أن تعمل توكوي لديه. حتى عندما تعرض عليه العمل مقابل 300 بدلًا من 600 ين في الساعة، أي نصف الأجر، لكنه يصر على الرفض. لإنها كبيرة جدًا، والأمر أصعب مما يبدو، ولا يقول هذا من باب اﻷدب، لكن لأن يديها مشوهتان. يكتفي بإعطائها فطيرة فاصوليا حلوة مجانية كي ترحل، مثل أولئك الفتيات.

تستغل واكانا الفرصة كي تسأله عما إن كان بوسعها هي العمل عنده. فيرد عليها: «حسنًا، عندما تصيرين طالبة في الثانوية». لكنها قد لا تنضم إلى الثانوية أبدًا. لإن أوضاعهم المادية صعبة، ووالدتها تقول لها أن المرء لا يجني المال عن طريق الدراسة. في الليل، تحتسي والدتها البيرة وتدخن السجائر وهي تغازل شخصًا ما عبر الهاتف وتخبره أن بإمكانهما اللقاء في منزلها. تغسل واكانا الأطباق وهي تسمع المحادثة كاملة بلا أي تعبير. ينعقد حاجباها حين تسكب الأم البيرة سهوًا على كتابها، تبرر الأمر بقولها أنه ليس بالأمر الجلل، وتطلب من ابنتها التخلص سريعًا من طائر الكناري الأصفر المزعج الذي لا يتوقف عن الزقزقة، رغم أنه الوجه الوحيد الذي يبعث شعور اﻷلفة لدى واكانا  في البيت.

ثلاثة أشخاص بحيوات مختلفة تمامًا، تتقاطع دروبهم صدفة، في أوج موسم إزهار شجرة الكرز: واكانا التي تشعر بالوحدة في سنّها الغض، سينتارو الذي خرج من السجن وما يزال يسدد ديونه بالعمل في صنع الحلويات للناس وهو

يعيش حياة بلا طعم، عالقًا في ذنب أخطاء من الماضي البعيد. وأخيرًا، توكوي يوشينو، العجوز التي عاشت حياتها معزولة في مصحّة لإصابتها بمرض الجذام.

اللافت للنظر، ولقلب المُشاهد، أن جميع الشخصيات قد نُبذت، وأُقصيت، بشكل أو آخر، من المجتمع. فتوكوي التي يفترض بها أن تعيش حياة طبيعية وتختلط بالعالم بعد رفع قانون 1906 لاحتجاز مرضى الجذام، لا  تزال موصومة في أعين الجميع، حتى أن سينتارو رفض توظيفها عنده. وسينتارو نفسه، وإن بدا أكثر حرية، يعيش هو الآخر على هامش المجتمع، مثقلًا بالديون، ولا يزال يعتريه الشعور بأنه لا يعيش حياة حقيقية يملكها هو، أو بالأحرى فقدُه للشعور بأي شيء. أما واكانا، فتعيش شكلًا مواربًا أكثر من الإقصاء، إذ تقضي أيامها معزولة دون أحد يفهمها في بيتها وعالمها الصغير.

إنها إذًا، وعلى نحو جزئي، حكاية من أدب المنبوذين، المهمشين، المُختلفين الذين نألفهم ونُحبهم، أمثال غريغور سامسا وهولدن كولفيلد، ودون كيشوت الذي ندافع به وعبره عن الجنون. ولهذا يبدو متجر الدوراياكي الصغير مساحة مؤقتة تحتضن هؤلاء المنبوذين الذين لم يجدوا لهم مكانًا في المجتمع؛ حيث لا يحتاجون مبررًا  لوجودهم فيه. يبدّل سينتارو رأيه ويوافق على توظيف توكوي، بل ويريد أن تساعده، فور أن يتذوق معجون الفاصوليا الحلوة التي أعدّتها له، والتي تعدّها بمهارة منذ أكثر من خمسين عامًا. 

3ما هذا الكرز/ أشياء وأشياء/ تُطلّ من الذاكرة - ماتسوو باشو

تصارح توكوي سينتارو بأن معجون الفاصوليا خاصته بلا روح. وتجدها إهانة للدوراياكي وللفاصوليا نفسها أن يستخدم معجونًا جاهزًا ورخيصًا من الصين، إن تحضير الـ"أن" قائم بالكامل على الشعور، على الإحساس، والصبر، والإنصات؛ تبدأ عملية إعداد حشوة الفطائر المُحلّاة بغسل فاصوليا الأزوكي المنقوعة منذ الليلة السابقة في الماء. حين يصبح الماء نظيفًا، توضع في قدر الساواري وتُغلى لعشر دقائق قبل أن تُصفّى مرة أخرى، يبدو أدقَّ هنا أن نقول أنها تُسقى، برفق عذب حتى لا تتكسر الحبيبات بفعل خشونة تيار الماء إذا ما فُتح الصنبور بفجاجةٍ. تساعد الغلية الأولى على إزالة المرارة الطبيعية للأزوكي. بعدها، يُضاف لها ماء جديد وتُترك كي تُطهى على نار هادئة لساعتين حتى تستحيل الحبّات لينة مثل عجينة طرية بين الأصابع. في كل مرحلة من تلك المراحل، كانت توكوي تقرّب وجهها بإفراط من القدر، وتتمتم باستمرار بشيء ما. وكلما ردّ عليها سينتارو، الشخص الوحيد الموجود معها في المتجر قبل فتحه، تقول له أنها لا تتحدث إليه. فيرد: «إلى من إذن؟»، لتجيبه: «إلى الفاصوليا». فتغمُره علامات الدهشة: «الفاصوليا؟!».

عند هذا المشهد تحديدًا تردّد صدى قهقهات الجمهور من خلفي عبر المدرجات. كان ذلك غريبًا، وطريفًا لغرابته.. كان سينتارو أيضًا يظن أن هذه العجوز قد بلغت أقصى درجات الغرابة، لكنه كان يصمت ويثق بها، كما كنا نصمت ونتابع المشهد التالي، إيمانًا منا، ومنه، بأن تلك السيدة تعرف ما تفعله. تذكرت حين كان أبي وأمي يطفئان علينا جهاز التكييف في عزّ الصيف «عشان يرتاح». لم أكن أفهم ذلك المنطق، تمامًا كما كان ينفذ صبر سينتارو كلما قالت له توكوي أن عليهم الانتظار بين كل خطوة وأخرى كي ترتاح حبات الفاصوليا.

«إن العصافير التي كانت تأتي إلى تنشوين والحشرات، والأشجار والنباتات والأزهار، الرياح والمطر والنور، والقمر، كان لكل واحدة منها كلماتها الخاصة»4. يتجلّى هنا جوهر الثقافة اليابانية في العيش بتأنّ، وفي حالة حضور دائم، وإيجاد المعنى في الاتصال بالطبيعة، وفي معاملة الأشياء من حولنا بقداسة كأن كل ما في الكون حيّ، يسمع، ولذا من واجبنا أن نصيخ السمع إليه أيضًا، أليست في ذلك روحانيةً ما؟

كما لو أنها طفلة/ مولودة للتوّ/ أغسلُ الخوخة البيضاء - أوونو رينكا

ازداد الإقبال على المتجر منذ مجيء توكوي، لكن سرعان ما انتشرت الشائعات حول مرضها فتوقف الزبائن عن القدوم. طلبت مالكة المتجر من سينتارو أن يقوم بفصلها، إلا أنه واجه صعوبة في ذلك. في نهاية الأمر، استقالت توكوي من تلقاء ذاتها عند تفطنها للوضع، واكتفي سينتارو بالموافقة على قرارها بصمت. عادت بعدها للعيش في مصحة تنشوين، حيث اشتد عليها  المرض وماتت. تاركة له الأدوات التي طبخت بها الـ"أن" طيلة حياتها، وتسجيلًا صوتيًا جعله يبكي. لم تكن تلك المرة الأولى التي بكى فيها، فقد بكى قبل ذلك بالفعل، حين زارها في المصحّة لأول مرة.

رغم اختلاف طابع الفلمين، لا يمكن للمشاهد إلا أن يستحضر، لدى رؤيته أطراف المرضى المشوّهة، وثائقيَّ فروغ فرخزاد الشعري «البيت أسود» (1962)5، الذي مهّد لظهور الموجة الإيرانية الجديدة في الستينيات. لم يكن الفيلم عن المرض نفسه بقدر ما عبّر عن معاناة أصحابه، عن العزلة، والحُرية، والتمييز، ومعاني القبح والجمال، والكرامة الإنسانية. ينتهي فيلم فروغ فرخزاد، رغم كل القبح واليأس، بدعاء طويل وامتنان شعري مؤثر لله، يقلب الألم إلى أمل، كأن الجناس بين هاتين الكلمتين ليس مصادفة، وكأن كل منهما انعكاس للآخر، كأن الأمل لابد وأن يكون على الجانب الآخر للألم، والعكس صحيح. بالمثل، تقول السيدة موراياما، صديقة توكوي في المصحة، عنها بعد رحيلها: «قالت لي بأن الطريقة الوحيدة لكي نحيا ونعيش هنا هي بالتأكيد أن نصبح نوعًا من الشعراء والشاعرات. إن النظر إلى الواقع وحده يمنح المرء الرغبة في الموت. لكي نتجاوز السور الشجري، كان الحل الوحيد هو أن نعيش كما لو كنا قد تجاوزنا السور فعلًا»6. نجد لمثل هذه الكلمات صدى في حوار من فيلم أوزو «بداية الربيع» (1956)7، والذي يستكشف الحياة المضطربة للموظفين في ظل التمدّن السريع لليابان بعد الحرب العالمية الثانية، يُظهر ببساطة بحيرة ساكنة للتعايش الخبيء مع خيبات الواقع، وتقبّل الحياة من أجل المضي فيها قدمًا، والجمال كآليّة للبقاء: 

«- لم يعد العالم اليوم مثيرًا للاهتمام، الجميع غير راضٍ على نحوٍ ما. 

- عليك أن تحاول العيش وقتًا طيبًا ما استطعت.

- معك حق. هذه هي الطريقة الوحيدة.

- نعم، أعتقد أن هذا كل ما في الأمر».

لم يكن يُسمح بتشييد القبور لمرضى الجذام، لذا كانت أجسادهم تُحرق، وتُزرع شجرة لكل شخص يموت، شجرة تنمو وتنتصب عاليًا في الغابة حول المصحّة، عوضًا عن نصب القبر الذي لم يملكوه. في حالة توكوي، اختار لها الجميع شجرةَ كرزٍ لأنها كانت تحبها. ترمز أزهار الساكورا، التي كانت تتساقط بتلاتها في حشوة الدوراياكي وفي كل مكان طوال الفيلم، إلى جمال وعرضيّة الحياة الدنيا. يسمّي اليابانيون هذا الإحساس العذب بزوال الأشياء "مونو نو أواري"8: فبدل أن يكون الحزن سلبيًا، بإمكاننا تحويل الوعي بأن كل شيء مؤقت وعابر إلى حزن رقيق وناضج يدفعنا إلى تقدير اللحظة التي نعرف أنها لن تدوم. «على الرغم من كل شيء، كُن في حالة إصغاء إلى كل شيء. أرهف السمع إلى الكلمات التي لا يسمعها الأشخاص الطبيعيون، أصغٍ، أصغِ واصنع الدوراياكي خاصتك».

هذه هي الرسالة التي يحاول الفيلم إيصالها، والتي كانت توكوي تحاول أن تنقلها لسينتارو وواكانا وكل من تعرف قبل أن تموت. لو تأمّلنا أبيات شعر الهايكو، لوجدنا أنها تختزل تمامًا هذه المعاني، فهي تلتقط، بكلمات قليلة، اللحظة الحاضرة، تُجمّدها في قصائد يمنحنا ترتيلها شعورًا بالخلود.

في صوت تساقطها/ نفسهِ/ تتساقطُ الوُرود - ناكامورا تييجو

وهكذا، نرى بأن الفيلم لا يعالج النبذ بالكتابة الغاضبة، أعني بذلك الصراخ أو المواجهة المباشرة الفجّة، كما في حالة «جوكر» (2019)9 على سبيل المثال، وإنما بالإنصات. فبينما تعجبنا وتشفي غليلنا أفلام الانتقام واستعادة الحق والكرامة بمحاسبة الظالم أو الانتصار على المجتمع، تطرح أفلام أخرى حلولًا وتشعّبات مغايرة من شأنها هي أيضًا أن تشفينا، بطرائق مختلفة، أقل درامية، وأكثر حنانًا. لا أدري إذا كان الفيلم قد هزّ شيئًا بداخلي، لكني بقدر ما أحب أفلام التحليل النفسي، فإني أستمتع بمشاهدة الأفلام والمسلسلات التي تدور حول الخبز والطعام عمومًا، والتي تحوّل عملية الطهي اليومية إلى تجربة حسيّة وإنسانية تمنح شعورًا بالدفء والطمأنينة والرضا عن الذات، مثل «جولي وجوليا» (2009)10، و«طاهية دار المايكو» (2023)11، و«الرومانسيان المجهولان» (2025)12، وغيرها الكثير. كنت أشتهي تناول الدوراياكي طوال الفيلم. ولذا فور أن انتهى، خرجت من المتحف مسرعةً باتجاه مقهى ومخبز حلويات ياباني على بعد خمس دقائق مني، بإمكانكم أن تحزروا اسمه. نعم، "أن..."، "أنكو"، عجينة الفاصوليا الحمراء الحلوة.

في القصة، لا تلفظ توكوي "أنكو"13، لأن هذه الكلمة توحي في اليابانية بالمنتج الجاهز المعروف، بمعجون الفاصوليا كحشوة للفطائر، تمامًا كما يُباع معجون الطماطم في علبة كرتونية أو مرطبان زجاجي على رف الجمعيّة، بينما لا تتحدث هي عنها كمجرد حلوى جاهزة، بل عن الـ"أن"14 نفسه، وهي كلمة أكثر تجريدًا وهدوء، وكأنها الجوهر أو اللب، روح الشيء: الفاصوليا وهي في طور التحضير، الشيء الحي الذي يحتاج إنصاتًا وصبرًا ومشاعر؛ حتى العنوان نفسه مُتقشّف وحنون، كأنه يختزل جوهر الفيلم كله برهافة في كلمة واحدة، "أن".

الهوامش:

1. Sweet Bean (An, あん )
2. المركز الثقافي العربي، ترجمة حسين عمر
3. كل قصائد الهايكو مختارة من كتاب الهايكو الياباني، دار التكوين، ترجمة محمد عضيمة
4. من الرواية
5. The House is Black (خانه سياه است)
6. من الرواية
7. Early Spring (早春, Sōshun)
8. 物の哀れ
9. Joker, Todd Phillips
10. Julie & Julia, Nora Ephron
11. The Makanai: Cooking for the Maiko House (舞妓さんたちが深夜, Maiko-san chi no Makanai-san), Hirokazu Koreda  
12. Romantics Anonymous (匿名の恋人たち, Tokumei no koibito-tachi), Sho Tsukikawa
13. あんこ
14. あん

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى