اعتادت السينما استخدام اللون كعلامة زمنية، فالماضي غالبًا ما يُستعاد عبر ألوان باهتة أو بالأبيض والأسود، بينما يُصوَّر الحاضر بألوانه الكاملة باعتباره زمن الحياة. غير أن اللون في السينما يُعد لغة قائمة بذاتها، تُستخدم لتشكيل إدراك المشاهد للعالم الذي يراه. فقد يعكس لون معين حالة نفسية، أو يشير إلى زمن، أو يمنح المشهد إحساسًا بالحياة أو الخواء. ولهذا ارتبط الأبيض والأسود طويلًا بالذاكرة والحنين واستعادة الماضي، بينما أصبحت الألوان الكاملة قرينة الحاضر والحيوية والواقعية. لكن المخرج جوليان شنابل يعكس هذه القاعدة في فيلمه «بين يدي دانتي» (In the Hand of Dante, 2025). فالعالم الذي عاش فيه دانتي أليغييري، بما يحمله من منفى وصراعات سياسية ورحلات شاقة، يبدو مشبعًا بالألوان، بينما يغرق العالم المعاصر بالأبيض والأسود بكل ما يملكه من هواتف وطائرات ووسائل اتصال. ليكون هذا الاختيار مفتاحًا لقراءة رؤية الفيلم للحداثة، وتفكيكًا لجذور الأزمة الوجودية التي يعيشها إنسان اليوم.
لا بد أن نتذكر أن جوليان شنابل مخرج سينمائي وفنان تشكيلي ورسام عالمي. وهو ما يفسر حساسيته البالغة تجاه قوام الصورة، وسطوع الألوان. فاللوحة بالنسبة إليه هي فضاء نفسي وتعبيري، وعندما ينقل هذه الحساسية إلى السينما، فإنه يعامل الشاشة كلوحة زيتية ضخمة يتصارع فوقها الضوء والظل. لهذا يصعب النظر إلى خياراته اللونية كمجرد قرارات جمالية، لأن الفنان التشكيلي يدرك أن اللون يحمل دلالات نفسية وثقافية لا تقل أهمية عن الحدث نفسه. لذلك فإن تجريد الحاضر من الألوان يعد موقفًا فكريًا من الطريقة التي يعيش بها الإنسان المعاصر زمنه بعيدًا عن كونه نزوة بصرية.
يبني الفيلم المقتبس من رواية لنِك توشيز، خطين زمنيين متوازيين، الأول يتابع دانتي في سنوات نفيه وسط اضطرابات المدن الإيطالية، ورحلات بحرية بطيئة تواجه الرياح والمجهول. أما الثاني فيتتبع الكاتب الأمريكي نِك والذي يحمل اسم الروائي نفسه، وهو يلاحق مخطوطة نادرة منسوبة إلى دانتي، متنقلًا بين المدن بالطائرة، متصلًا بالعالم عبر الهاتف، وفي زمن يحمل إشارات واضحة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعدها. الغريب أن الزمن الأكثر بطئًا هو الأكثر امتلاءً بالألوان، بينما الزمن الأسرع يبدو فاقدًا لها.
يمكن التفكير في هذا الاختيار البصري بأنه تعليق على معنى التقدم نفسه. فالفيلم لا يقارن بين عصر متخلف وآخر متطور، ولا يدين التكنولوجيا في ذاتها، لكن يشير إلى فكرة أن اختصار المسافات قد لا يعني بالضرورة الاقتراب من المعنى.
ورحلة دانتي، بعيدًا عن كونها انتقالًا من مدينة إلى أخرى، كانت تجربة وجودية بامتياز. فالسفر في عالمه جزء من المحنة، لذلك تبدو الحركة بطيئة لكنها محمّلة بالمعنى، وهو ما ينسجم مع عالم دانتي نفسه، حيث ستولد لاحقًا «الكوميديا الإلهية» من تجربة النفي والاقتلاع، والبحث المضني عن الخلاص. فالشقاء في العصور الوسطى كان يمنح الإنسان وعيًا حادًا بحدود وجوده وبداهة روحه.
في المقابل، يتحرك نك توشيز في عالم تختصر فيه الطائرات المسافات، وتتواجد فيه الهواتف، لكن سهولة الحركة لا تبدو أنها تمنحه يقينًا أكبر أو تقربه من غايته. فهو يعبر القارات في ساعات، لكنه يقضي معظم الفيلم باحثًا عن مخطوطة قديمة.
بهذه الطريقة يسلب الأبيض والأسود من الحاضر الحيويةَ التي يفترض أن تمنحها له الحداثة. واللافت أن شنابل يستخدم اللون الذي ارتبط تاريخيًا بالذاكرة والحنين لتصوير الزمن الراهن، بينما يمنح الماضي ألوانًا زاهية، فيقلب ليس فقط العلاقة بين الماضي والحاضر، بل أيضًا واحدةً من أكثر القواعد رسوخًا في اللغة البصرية للسينما.
لا يعني ذلك أن الفيلم يحن إلى العصور الوسطى أو يدين العصر الحديث بوصفه عصرًا بلا قيمة. فدانتي نفسه عاش الحروب والمنفى والاقتتال السياسي، ولم يكن عالمه أقل قسوة من عالم نك. لكن شنابل يوحي بأن قسوة الماضي لم تمنع الإنسان من رؤية العالم باعتباره قابلًا للفهم والتأويل، بينما يبدو الإنسان المعاصر، رغم كل ما حققه من تقدم تقني، أكثر اغترابًا وأقل يقينًا.
قد يكون التباين اللوني وسيلة للتفكير في علاقة الإنسان بزمنه، فالفيلم يقترح أن التكنولوجيا قد تختصر كل شيء، لكنها لا تختصر البحث عن المعنى، وأن العالم الذي أصبحت الحركة فيه أسهل من أي وقت مضى، يصبح في الوقت نفسه أكثر صعوبة في العثور على ما يستحق الوصول إليه.

.png)

