الطبيعة والنعمة أو ميرلوبونتي وما وراء الثنائية

September 10, 2026

«ثمة طريقان فقط في الحياة: طريق الطبيعة وطريق النعمة. عليك أن تختار أيّهما ستتبع». بهذه الجملة التي تنطق بها امرأة في مطلع «شجرة الحياة» (2011 ,The Tree of Life) يُحدّد ماليك مسار الفيلم كله، وربما مسار رؤيته السينمائية بأسرها. هي جملة لا تبدو سينمائية من الوهلة الأولى، هي أقرب إلى كلام راهبة منها إلى افتتاحية فيلم. لكنها على امتداد ثلاث ساعات من الفيلم لن تظل ثنائية مُغلقة بين الخير والشر، بل ستتحول إلى دياليكتيك فلسفي معقّد يستدعي ميرلوبونتي وأُغسطينوس وكافيل، ويتجاوزهم في النهاية إلى ما يصعب حصره في مفهومٍ واحد. إن السؤال الأول الذي يطرحه الفيلم: ما هي الطبيعة في سينما ماليك؟ وما هي النعمة؟ ولماذا يرفض الفيلم في نهاية المطاف الثنائية التي يقيمها في بدايته؟

الطبيعة ليست خلفية

قبل أن نُجيب على هذه الأسئلة سنحاول أن نتحرّر من تصور رومانتيكي ساذج، كثيرًا ما يُلصق بأفلام ماليك. الطبيعة في هذه الأفلام ليست حضنًا دافئًا للروح المتعبة، ولا منطقة هروب من المدينة وضجيجها. إنها قوة، وجود أصلي، عالم سابق على كل إسقاط بشري، وقد لا يكون لهذا الوجود أي اعتبار لرغبات الإنسان وأحلامه ومآسيه.

إذا ما رجعنا إلى فيلم «أيام الجنة» (1978 ,Days of Heaven)، المُصوَّر بتلك الأضواء الذهبية الساحرة التي صارت مرجعًا في تاريخ التصوير السينمائي، حيث تقدّم الطبيعة -المتمثلة في حقول القمح والسماء الواسعة ونهر المسيسيبي- لا بوصفها جمالًا خارجيًا مُضافًا للأحداث، بل بوصفها حضورًا قائمًا بذاته، له قيمة وجودية مستقلة عن الشخصيات الإنسانية التي تسكنها. الحشرات تنقضّ على المحاصيل، النار تلتهم الأرض، الفصول تتعاقب بلا مبالاة بمصائر البشر. ليست الطبيعة هنا «خلفية» (Background) كما نفهم المصطلح في الفلسفة وتاريخ الفن، لكنها شخصية فاعلة، شاهدة على الفعل الإنساني في لامبالاتها التامة. وهذا تحديدًا ما يجعل أفلام ماليك أكثر صعوبة على المُشاهد المعتاد على السينما السائدة، التي تُخضع كل شيء لدراما الإنسان.

هنا تدخل فلسفة موريس ميرلوبونتي في صميم الموضوع. ففي كتابه «ظواهرية الإدراك» (1945)، يرفض ميرلوبونتي الثنائية الكارتيزية بين العقل والجسد، ويُعلن أن الجسد ليس آلة يُحرّكها عقل منفصل، بل هو الوعي نفسه في صورته المُتجسّدة. الإدراك لا يبدأ في الرأس ويمر بالجسم، بل هو في الأساس إدراك جسدي يبدأ في الجسد نفسه. تُدرَك الأشياء كلحمة مُعاشة تتشابك مع لحمتنا الخاصة. وهذا المفهوم هو المفتاح الذي به نفهم كيف يُصوّر ماليك الطبيعة: ليست موضوعًا نُحدّق فيه من الخارج، بل هي مجال الإدراك ذاته الذي يسبق كل تأطير مفاهيمي.

كاميرا لوبيزكي

لا يمكن الحديث عن علاقة ماليك بالطبيعة دون التوقف عند الوسيلة التي يُجسّد بها هذه العلاقة، أي الكاميرا. منذ «العالم الجديد» (The New world, 2005)، ومع المصوّر الاستثنائي إيمانويل لوبيزكي، يرفض ماليك التثبيت التقليدي للكاميرا في موضع محايد ومسافة آمنة. فكاميراه تتحرك، تتنفس، تنخفض إلى مستوى العشب، تحلّق بين الأشجار، وتلتفّ حول الأجساد في حركة تكاد تكون حية. إنها كاميرا تتصرف كجسد وليس كعين آلية.

يُسمّي الناقد جيمس باتشو، في كتابه «سينما ماليك غير-الرائية» (2018)، هذه التقنية «السينما الجسدية» (Embodied Cinema) مستندًا إلى ميرلوبونتي تحديدًا. الكاميرا «تعايش» العالم بالمعنى الجسدي، ولا «تراه» بالمعنى المحايد. هذا ما يفسّر الإحساس الغريب الذي يشعر به كثير من مشاهدي ماليك، وهو إحساس بأنهم لا يُشاهدون فيلمًا بل يعيشون تجربة. والعدسات الواسعة التي يستخدمها لوبيزكي، تلك التي تُشوّه قليلاً حواف الإطار وتمنح مركزه عمقًا استثنائيًا، تُحاكي البنية اللامتماثلة لإدراكنا الجسدي الفعلي للعالم: نحن لا نرى بالتساوي من كل الجهات، بل لدينا مركز وهامش، كثافة وتلاشٍ.

ثنائية الأم والأب.. وما وراءها

في مقابل الطبيعة بكل ثقلها المادي وقسوتها الوجودية، تُمثّل «النعمة» في «شجرة الحياة» بُعدًا مغايرًا تُجسّده الأم (جيسيكا شاستين).  فهي لا تقاوم العالم، بل تُسلّم نفسها له. لا تُحدّق في الأشياء بنظرة الملكية، لكن تتحرك بينها بخفة وكأنها تطفو. لا تُصارع أطفالها بل تلعب معهم، لا تفرض سلطتها وتعطي نفسها بلا حساب. في مقابلها، الأب (براد بيت) رجل الطبيعة بامتياز: مُتحكّم، طموح، يرى في الضعف خطرًا وفي الهشاشة خسارة. هو لا يُقدّم نفسه شريرًا، بل مُحبًّا يريد تحصين أبنائه ضد عالم مادي قاسٍ. ولكن ماليك لا يُريدنا أن نتخذ موقفًا. فمنذ البداية، حين تُقرّ الأم «اخترتُ النعمة»، تبدو الجملة أشبه بسؤال منها بإجابة. هل يمكن للمرء حقًا أن «يختار» النعمة؟ أم أن النعمة، بتعريفها اللاهوتي الحرفي، هي بالضبط ما لا يُختار بل يُمنح؟ هذا هو السؤال الأُغسطيني الكبير الذي يسكن تحت سطح الفيلم. فأُغسطينوس الذي صرخ في اعترافاته: «كانت نفسي مضطربة في داخلي حتى استقرّت فيك يا ربّ»، يُلقي بظلاله الكثيفة على كل لحظة من «شجرة الحياة».

ثم هناك إسهام ستانلي كافيل الذي لا يمكن تجاوزه، إذ يرى في كتابه «العالم المرئي» أن الصورة الفوتوغرافية، وبالتبعية الصورة السينمائية، تتميّز بخاصية وجودية فريدة: الأشياء المُصوَّرة لا تُمثَّل، وإنما يُعاد خلق حضورها. الشجرة في اللقطة السينمائية حاضرة بحضورها الفوتوغرافي ذاته ولا تُشير دلاليًا إلى مدلول الشجرة. وهذا يمنح ماليك قدرةً نادرة، إذ حين يُصوّر الطبيعة فهو يجعلها تُقدّم نفسها بحضورها الخام، لا بالوصف والتعليق.

«العالم الجديد» ودياليكتيك ينقض نفسه

في «العالم الجديد» (2005 ,The New World)، الفيلم الذي يُعيد رواية قصة بوكاهانتس، تُصبح طبيعة أمريكا الاستوائية قبل الاستعمار فضاءً وجوديًا بامتياز. السكان الأصليون يعيشون اندماجًا مع الطبيعة لا يعرف الفصل بين الإنسان والمحيط، والمستعمرون الأوروبيون يحملون معهم فصلًا قاطعًا بين الإنسان والطبيعة هو ميراث الحداثة الغربية بأكمله. قصة الحب بين جون سميث وبوكاهونتاس ليست قصة غرامية رومانتيكية فحسب، وإنما صراع أنطولوجي بين نمطين من الوجود-في-العالم بالتعبير الهيدغري: نمط ما قبل الفصل، ونمط ما بعده. وما تخسره بوكاهونتاس حين تتعلم الإنجليزية وتُسمّى «ريبيكا» وتذهب إلى إنجلترا ليس مجرد ثقافة محلية، بل طريقة في الوجود لا تعود مُتاحة لمن دخلها.

ورجوعًا إلى «شجرة الحياة» فإن ما يجعل هذا الفيلم عملًا فلسفيًا بامتياز، وليس مجرد فيلم يُكرّس ثنائية الطبيعة والنعمة، هو أنه يرفض في النهاية أن يُقرّر لصالح أيٍّ منهما ستكون الغلبة. جاك (شون بن) في لحظته الختامية لا يختار بين أبيه وأمه، بل يُصالح داخله البُعدَين معًا. ويظهرُ المشهد الاستثنائي، الذي يعيد فيه المخرج جميعَ الأموات إلى حياة خاطفة على شاطئ بلا زمن، لحظةَ انكشافٍ فينومينولوجيّ، متجاوزًا لطبيعةِ الخاتمة الدينية المبسطة، فالفصلُ بين الطبيعة والنعمة لم يكن في الحقيقة إلا حجابًا آخر.

يتقاطع هذا مع ما كتبه ميرلوبونتي في كتابه الأخير غير المكتمل «المرئي واللامرئي» (1968) عن «التشابك» (chiasme): الرائي والمرئي يتشابكان في نسيج واحد من «لحم العالم» (chair du monde)، ولا يمكن فصلهما دون تشويه. الطبيعة والنعمة وجهان لكيانٍ واحد يتجلّى بأشكال مختلفة؛ وجه التحدي والصراع، ووجه التسليم والعطاء، وليستا قوتين متعارضتين.

هنا تكمن الصعوبة الفلسفية الحقيقية لسينما ماليك: كيف تُصوِّر ما يسبق التصوير؟ كيف تُعبّر بالصورة عما يسبق التعبير والتأطير؟ إن الطبيعة كوجود أصلي سابق على كل ثقافة ولغة وفن تبدو، بتعريفها، مُتمنِّعة على أي تمثيل. ولكن ماليك يتحرك في هذا التناقض بوعي تام، مُدركًا أن الفيلم لن يُعطينا الطبيعة ذاتها، لكن سيمنحنا حضورًا بديلاً يُحرّك فينا شيئًا أصليًا. هذا الشيء الذي يتحرك فينا حين نُشاهد لقطة العشب في الريح، أو قطرة المطر على الزجاج في أفلامه، هو ما يسميه ميرلوبونتي «الصدى الجسدي» للعالم، الذي لا يمكن وصفه بالكلمات ولا استبداله بأي شيء آخر.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

- ظواهرية الإدراك، موريس ميرلوبونتي، ترجمة د. فؤاد شاهين، معهد الإنماء العربي، 1998.
- المرئي واللامرئي، موريس ميرلوبونتي، ترجمة د. عبد العزيز العيادي، المنظمة العربية للترجمة، 2008.
- James Batcho, Terrence Malick's Unseeing Cinema: Memory, Time and Audibility, Palgrave Macmillan, 2018.
- Stanley Cavell, The World Viewed: Reflections on the Ontology of Film, Harvard University Press, 1979

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى