«فرقة رضا» والسينما المصرية: الإرث الغائب

September 9, 2026

كانت بداية معرفتي بفرقة رضا من خلال السينما. ويرجع ذلك إلى حب والدتي للأفلام القديمة، فقد كبرت وأنا أجلس أمام الشاشة نفسها التي كانت تجلس أمامها والدتي، أعيد معها مشاهدةَ أفلامٍ شاهدَتها هي ربما أكثر مما أستطيع أن أعد. ورثت عنها، بطريقة ما، حب الأشياء القديمة، وخصوصًا السينما الكلاسيكية. 

لكنني حين كنت أشاهد أفلام المخرج علي رضا، «إجازة نصف السنة» أو «غرام في الكرنك»، لم تكن الحكاية وحدها ما يشدّني. فقد كنت أنتظر بترقب لحظة ظهور استعراض الفرقة نفسه. فأعيد المَشاهد لأراقب الرقصات، لا من أجل حفظها، وإنما لأفهم، ولو من دون وعي في البداية، كيف تتحرّك كل هذه الأجساد في وقت واحد. تميّزت هذه التكوينات الحركية بدقة غريبة؛ عشرات الأشخاص يتحركون كأن بينهم اتفاقًا غيرَ مرئي، فكل خطوة محسوبة، وكل انتقال يقود إلى صورة جديدة. وعندما تنظر إلى المجموعة من بعيد، تبدو الحركة أحيانًا متناغمةً جداً، وكأن الراقصين يقفون أمام مرآة واحدة، تتكرر فيها الأجساد مؤديةً الحركةَ نفسها.

لم يكن الرقص عند محمود رضا مجرد فقرة تتوسط الفيلم، أو استراحة بين مشهدين، لقد كان جزءًا من الصورة نفسها. فالملابس، والموسيقى، وحركة المجموعة، والمكان الذي تجري فيه الرقصة، ثم الكاميرا التي تقرّر من بين كل ذلك ما نراه؛ كل هذه العناصر كانت تعمل معًا لصناعة مشهدٍ لا يقل أهمية عن الحوار أو الأحداث. وربما لهذا السبب بقيت الاستعراضات في ذاكرتي أكثرَ من تفاصيل الأفلام نفسها. 

وقبل أن يصبح محمود رضا واحدًا من أهم الأسماء المرتبطة بالرقص الشعبي المصري، كانت علاقته الأولى بالجسد والحركة مختلفةً. فقد مارس الجمباز، ومثَّل مصر ضمن فريق الجمباز في أولمبياد هلسنكي عام 1952، لكن فكرة الفرقة لم تولد من فراغ. فقبل تأسيسها مرَّت تجربة محمود رضا بعدة محطات، من بينها مشاركته في أوبريت «يا ليل يا عين»، الذي جمع عددًا من الفنانين والمثقفين، وكان زكي طليمات مسؤولًا عن إخراجه. وقد شارك فيه عدد من الأسماء التي ستترك أثرًا لاحقًا في المسرح والفنون المصرية. وكان محمود رضا قد صمم رقصات الأوبريت وشارك في بطولته كذلك، إلى جانب نعيمة عاكف، التي لفتت قدرتها الاستثنائية على الحركة والأداء انتباهه. كانت التجربة واحدةً من المحطات التي سبقت تكوين فرقة رضا، وفتحت أمامه تصورًا أوسع لما يمكن أن يكون عليه الاستعراض المصري.

تأسست فرقة رضا عام 1959، بعد مجموعة من التجارب التي سبقت ظهورها، وكان محمود رضا صاحب الرؤية الأساسية لتصميم الرقصات، إلى جانب شقيقه علي رضا، الذي لعب دورًا أساسيًا في الإخراج وإدارة المشروع، وفريدة فهمي التي أصبحت لاحقًا أحد أبرز وجوه الفرقة على المسرح والشاشة. ومنذ بدايتها، لم تكن الفرقة مشروع محمود رضا وحده، بل التقت داخلها خبرات مختلفة؛ في الرقص والموسيقى والمسرح والأدب. 

كان محمود رضا يجمع عناصر من الرقصات والعادات والملابس الشعبية في مناطق مختلفة من مصر، ثم يعيد ترتيبها داخل تكوينات تناسب المسرح. ولم يكن البحث عن شكلٍ مصريٍّ للاستعراض قائمًا على الحركة وحدها. فقد شارك في المناخ الثقافي، الذي سبق تأسيس الفرقة ورافق نشأتها، عدد من الفنانين والمثقفين الذين اهتموا بالفنون الشعبية، ومن بينهم يحيى حقي وزكريا الحجاوي وعبد الفتاح مصطفى ونجيب محفوظ، إلى جانب موسيقيين مثل علي إسماعيل وأحمد صدقي وعبد الحليم نويرة. كان هذا الاهتمام بالفنون الشعبية جزءًا من لحظةٍ ثقافيةٍ أوسع، تبحث في التراث المصري عن مادة يمكن أن تتحول إلى فنٍ حديث، ستصبح فرقة رضا واحدة من أبرز تجلياته. 

وكانت هذه الحياة الجديدة نتيجة تعاون لا يظهر دائمًا للمشاهد بالوضوح نفسه الذي تظهر به الأجساد على الشاشة؛ فخلف الحركة التي صمّمها محمود رضا، كانت موسيقى علي إسماعيل جزءًا أساسيًا من الروح التي انتقلت بها الاستعراضات من المسرح إلى السينما. وربما لهذا السبب كانت علاقتي بفرقة رضا ممكنة أصلًا، رغم أنني لم أعش زمن ازدهارها الأول. حيث أن المسرح وحده لم يكن كافيًا لصناعة الإرث الذي تركته الفرقة، لكن السينما هي التي وثقت وحفظت هذه التجربة عبر الزمن.

جاء فيلم «إجازة نصف السنة»، عام 1962، موثقًا لمرحلةٍ مبكرةٍ من الحضور السينمائي لهذه الفرقة الشعبية، وفتحَ لها بابًا مختلفًا عن المسرح. فوجود محمود رضا وفريدة فهمي وبقية الفرقة على الشاشة جعلَ الرقص جزءًا من التجربة السينمائية نفسها، وأتاح لجمهورٍ أوسع التعرف إلى هذا العالم الذي كان قد بدأ في المسارح.

لكن «غرام في الكرنك» يبدو أكثر من مجرد فيلم وثّق ظهورَ فرقة رضا. فقبل أن يتحول الكرنك إلى موقع داخل الفيلم، كانت الفرقة قد قدمت عروضًا فعلية هناك. لقد كانت علاقتها بالمكان سابقة للفيلم نفسه. وانطلاقًا من هذه العروض جاءت فكرة الاستفادة من الكرنك سينمائيًا، لتنتقل التجربة، التي بدأت على أرض المعبد، إلى الشاشة الكبيرة.

وربما لهذا السبب لا يبدو المكان في الفيلم وكأنه اختير فقط ليمنح الصورة خلفيةً جميلةً، إذ أن هناك علاقة سابقة بين الفرقة والكرنك. وهو ما يجعل الاستعراضات تبدو وكأنها خرجت من المكان نفسه، وليس كما لو أن الراقصين وُضعوا فيه من أجل التصوير.

في بعض مشاهد الفيلم، لا نحتاج إلى الحوار لكي نعرف أين تريد الصورة أخذنا، إذ تفعل ذلك الموسيقى، والملابس، وحركة الأجساد أيضًا. وهنا، تبدو فرقة رضا متجاوزةً للدور الاستعراضي داخل الفيلم، إذ تغدو الرقصات الشعبية وسيلةً بصريةً لتقديم مصر بشكل حقيقي. 

فالسينما، بعكس المسرح، قادرةٌ على فعل شيء تعجزُ عنه العروض الأدائية؛ وهو اختيار زاوية النظر. فاللقطةُ الواسعة تسمح برؤية التكوين كله، وتكشف كيف تتحوّل مجموعة الراقصين إلى كلٍّ واحد. ثم تقترب الكاميرا لتلتقطَ حركةً فرديةً، أو تنتقل من وجه إلى آخر، قبل أن تعود مرة أخرى إلى الجماعة.

هذا الانتقال بين الفرد والمجموعة مهم في أفلام رضا. فبينما يملك كل راقص جسده وحركته الخاصة، تظلّ الصورة النهائية جماعيةً في الأساس. ذلك أن الفرد لا يختفي داخل العمل على نحو كامل، لكنه يصبح جزءًا من تكوينٍ أكبر منه.

ولهذا كانت مشاهد الرقص قادرة على خلق إحساس غريب بالانسجام. ليس لأن الجميع يتحرك بالطريقة نفسها فقط، وإنما لأن السينما نفسها تعيد تنظيم هذه الحركة. فالكاميرا والمونتاج والموسيقى، كلها، تجعل من الرقص لغة سينمائية ثرية.

وفي «غرام في الكرنك»، تحديدًا، يتحوّل الاستعراضُ إلى طريقةٍ خاصة لرؤية المكان. فالكرنك، الذي نعرفه بوصفه أثرًا تاريخيًا، لا يظهرُ ككتلة صامتة من الحجر، وإنما يصبح مساحةً حيوية تتحرك داخلها الأجساد بإيقاعٍ متفرّد. 

وكأن الفيلم يحاولُ إعادة الحياة إلى المكان، أو على الأقل وضعَ مصر الحديثة داخل صورة مقتبسة من ماضيها. ولعلّ هذا أحد أسرار بقاء الفيلم مخلّدًا في الذاكرة. فالاستعراضُ لا يأتي منفصلًا عن مصر التي يريد الفيلم رسمها، إنما يبدو كأنه امتداد لها.

بعد سنوات، جاء فيلم «حرامي الورقة»، واستمر حضور محمود رضا والفرقة في السينما. لكن الأفلام الثلاثة، رغم اختلافها، يمكن النظر إليها باعتبارها جزءًا من رحلة انتقال الرقص من المسرح إلى السينما. وقد كانت السينما، في كل مرة، تضيف شيئًا إلى ما صنعته الفرقة: تحفظ الحركة، وتعيد ترتيبها داخل الكادر، وتمنحها رؤيةً جديدةً. وهكذا أصبحت أفلام فرقة رضا جزءًا من أرشيفٍ بصريٍّ لفكرةٍ معينةٍ عن جزء مهم من الثقافة الشعبية المصرية. لكن هذه الصورة نفسها لم تكن موجودةً قبل رضا بهذه الهيئة.

فحين نقل محمود رضا الرقص الشعبي إلى المسرح، كان يختار من الواقع ويعيد صياغته بطريقته المميزة دون طمس هويته الأصلية. ثم جاءت السينما لتأخذ هذه الصياغة وتنقلها إلى ملايين المشاهدين. ومع الوقت، أصبحت بعض الصور التي صنعتها الفرقة جزءًا من الذاكرة العامة.

إن الرقصة الشعبية التي أعاد محمود رضا ترتيبها أصبحت بالنسبة إلى أجيال من المشاهدين صورةً لما يمكن أن يبدو عليه الرقص الشعبي المصري. وهنا تكمن أهمية السينما في تجربة الفرقة. لم تكن السينما مجرد وسيلة لنشر عروض رضا، وإنما شاركت في تثبيت شكلها داخل أذهاننا. فمن يشاهد فيلم «غرام في الكرنك»، بعد عقود من عرضه، لا يرى مجرد تسجيلٍ لتجربةٍ قديمة، ذلك أن الفيلم ما زال يؤدي وظيفته؛ وما زال يعرِّف جمهورًا جديدًا بالفرقة، حتى لو لم يعرف هذا الجمهور تاريخها كاملًا. 

ربما لهذا يبدو حضور فرقة رضا اليوم متناقضًا. فالفرقةُ نفسها لم تختف من التاريخ، وإرث محمود رضا لم ينتهِ، لكن اسم المشروع لم يعد حاضرًا بالقدر نفسه الذي بقيت به صورته. وقد لا يعرف بعض مشاهدي الرقصات اليوم تفاصيلَ تاريخ الفرقة، أو كيف بدأت، أو من صمم هذه الحركات، لكنهم يعرفون الصورة. ويعرفون صفوف الراقصين، والتنورات والملابس الشعبية. كما يعرفون الحركة الجماعية، والطريقة التي يتحول بها الرقص إلى لوحة.

والسينما بدورها تكشف شيئًا آخر كذلك. إنها تكشف زمنًا كان فيه الاستعراض جزءًا حقيقيًا من لغة الفيلم. ففي تلك الأفلام، لم يكن الرقصُ مجرد مشهدٍ يمكن الاستغناءُ عنه بسهولة، بل كان يحمل جزءًا من شخصية العمل. كانت السينما تمنح الرقص مساحةً حرة، وتتعامل معه باعتباره فنًا قادرًا على التعبير عن المكان والشخصية والحالة، مثلما يفعل الحوار أو الموسيقى. ولهذا لا يمكن فصل تجربة فرقة رضا عن السينما المصرية. ولعل الفرقة بدأت مشوارها الفني على المسرح، لكن جزءًا كبيرًا من بقائها حدث على الشاشة الكبيرة. 

وحين أعود الآن إلى الأفلام التي شاهدتها بعد سنوات، أجد أنني لم أكن أركز على الرقصات لأنها مميزة فحسب. لكن كان هناك شيء آخر يشدني إليها، شيء لم أستطع تسميته وقتها. لربما كنت أرى، من دون أن أعي بشكل كامل، كيف يمكن للحركة أن تحكي. وكيف يمكن لمجموعة من الأجساد صنع مكانًا يحمل بصمتها. وكيف يمكن لفيلمٍ قديمٍ الاحتفاظُ بشيء من هوية زمنه داخل رقصة. لهذا لم تعد فرقة رضا بالنسبة إليّ مجرد فرقة استعراضية عرفتها من خلال السينما القديمة. لقد أصبحت جزءًا من سؤال أكبر عن الأفلام التي تبقى بعد أن يرحل صناعها، وعن الصور التي نستمر في رؤيتها حتى بعد أن ننسى أسماء من صنعوها.

ربما يكون اسم الفرقة قد غاب قليلًا عن المشهد الحالي، لكن السينما أبقت على أثرها حيًّا، وحاضرًا في مخيال كل من عرفها. وكلما ظهرت تلك الأجساد على الشاشة، متحركةً في تناغمها وانسجامها القديم، عاد هذا الإرث القديم إلى الواجهة  من جديد.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى