فيلم «إخوة ليلى» في ضوء النظريات الاجتماعية

July 27, 2026

لطالما قدمت السينما الإيرانية أفلامًا تعج بالقضايا الاجتماعية التي تلامس واقع الكثير من المجتمعات الشرقية، غير مقتصرة على وصف حال مجتمعها فقط، ما يجعل شعورنا بها، وفهمنا لتراجيديتها ورمزياتها أمرًا مستساغًا ومرضيًا للذائقة.

فقد قدم فيلم «إخوة ليلى» (Laila's Brothers, 2022) نقدًا تحليليًا عميقًا للبنية الاجتماعية في المجتمع الإيراني، ونصًا بصريًا لفهم العلاقة المعقدة بين جوانب النظام الاجتماعي وانعكاسات ذلك على الأفراد. وقد ارتكزت المعالجة الفنية للفيلم هنا على تقديم الصخب والقسوة كصراخ مجتمعي تجاه الواقع الاجتماعي، حيث تكمن اﻷزمة الحقيقية في البنى الاجتماعية التي تحاصرهم، دون أن تنحصر في اﻷفراد فقط. 

وباعتبار العائلة وحدة اجتماعية أساسية من المنظور الاجتماعي الوظيفي، توفر الدعم العاطفي والحماية والضبط الاجتماعي، فقد كشف الفيلم عن فشلها في أداء هذه الوظائف، وتحولها لساحة صراع، تتقاطع في فضائها العديد من الأزمات الاجتماعية التي تعكس أزمة المجتمع الأوسع.

يمثل الأب نموذجًا للسلطة التقليدية؛ التي وصفها ماكس فيبر Max Weber بأنها سلطة تستمد مشروعيتها من العرف والمكانة لا من الكفاءة، فرغم عجز هذه السلطة الأبوية عن تلبية الحاجات الأساسية لرعيّتها، واتخاذ القرارات الصائبة، وتوفير الأمن الاجتماعي وحماية الممتلكات فإنها تواصل فرض طاعتها والحصول على شرعية أكبر انطلاقًا من الإرث الاجتماعي الذي يخول لها ذلك. كما تحمل سلطة الأب عنفًا رمزيًا لا يُترجم بالقوة الجسدية، بل بالمعاني والتوقعات الاجتماعية، وهو ما ينعكس في تعريفه الخاص لمعنى المكانة الاجتماعية وطريقة الحصول عليها، ولمعنى الرجولة والنجاح، امتدادًا إلى إعادة إنتاجه للخضوع من خلال شعور الأبناء بالذنب في حال عدم الامتثال لقراراته، فالأب ضحية لهذا النوع من السلطة وفي الوقت نفسه يعيد إنتاجها وتوريثها لأبنائه.

فهنا يصبح للعنف الرمزي وظيفة اجتماعية؛ من خلال لوم الأفراد لأنفسهم، لإخفاء فشل البنية الاقتصادية. فمن لا يملك رأس مال اقتصادي، عادة يعوض ذلك برأس مال رمزي يتمحور حول السمعة والمكانة والكرامة والطاعة.

وفي هذا الصدد؛ ترى الأدبيات الماركسية أن الوعي هو المحرك الأساسي للطبقات المحطمة والمظلومة. وقد انعكس ذلك في الفيلم في شخصية "ليلى" التي تمثل تجسيدًا لولادة وعي طبقي داخل بنية اجتماعية تمنع اكتماله، فهي وحدها من ترى الواقع وتسميه وترفضه، في حين يراه إخوتها واجبًا أو قدرًا. تصرخ ليلى في وجه زيف الخطاب الأخلاقي، وترفض الصمتَ باعتباره فضيلة، وتواجه  بالرفض كلاً من الأب والأخوة والعائلة، الذين اعتبروها تهديدًا للاستقرار الأيديولوجي الذي يسمح للقهر بالاستمرار. لكن الوعي الفردي لا يكفي لوحده دون تحوله لوعي جماعي، وقوة اجتماعية للتغيير، ما لم يصاحبه تمكين بنيوي.

وامتدادًا لحديثنا في إطار الأدبيات الماركسية، وكون الطبقة أحد المفاهيم المكونة لخيوط الفيلم، فيمكن القول كما هو معروف لدى ماركس Karl Marx؛ بأن الطبقة الاجتماعية يدخل في تعريفها بشكل أساسي موقعها في العلاقات الإنتاجية بالإضافة إلى مستوى دخل الفرد فيها. وعائلة ليلى في الفيلم تبيع قوة عملها، ولا تملك وظائف مستقرة، بل تعتمد على الديون كسبيل للعيش ووهم الخلاص، إلى جانب وجود التوتر الدائم، والاكتظاظ المكاني. وهي سمات تضع العائلة  ضمن الطبقة العاملة الدُنيا بشكلها المعاصر الهش. كما يتناول الفيلم محاولة تحقيق الحراك الطبقي عبر الصعود السريع وسط عوائق بنيوية تجعل محاولة الانتقال مُكلفة، وهشة، وقابلة للانهيار، حيث يعكس كل واحد من إخوة ليلى صورة فاشلة لهذا الحراك، فإما أن تكون مخاطرة بالقفزة الواحدة، أو انتظارًا واتكالية بلا تغيير، أو الخضوع لسلطة الأب وإعادة إنتاج الطبقة بقيمها، والتي تتمثل في رمزية الحفيد المُسمى على الجد.

ذكرت في بداية المقال أن المعالجة الفنية للفيلم اتخذت من القسوةَ أسلوبًا لها، وهي نتيجة حتمية للضغط البنيوي، كما وصفه روبرت ميرتون Robert. K Merton في حديثه عن أنماط التكيف، حيث ذكر أنه حينما تفشل الوسائل المشروعة كالتعليم والعمل والتقدم الوظيفي، التي قررها المجتمع لتحقيق الأهداف العليا المتفق عليها للنجاح والاستقرار وتحقيق المكانة الاجتماعية، فإنه حتمًا ستظهر أنماط سلوكية بديلة من بينها "العنف"، إلى جانب أنماط أخرى كالانسحاب والتمرد أو استخدام أسلوب التحايل، حيث تجلّى ذلك في الفيلم من خلال محاولة الإخوة الخروج من الفقر إما بوسائل غير مشروعة أو غير مضمونة، أو التورط في سلوكيات اندفاعية، وتحويل الغضب المتراكم إلى عنف داخل الأسرة.

قُدمت المرأة في الفيلم، بشكلها الأبرز، في شخصية "ليلى". ليلى، حاملة شعلة التغيير بلا تمكين، والتي تمثّل الوعي الفردي بدون أدوات للسلطة أو دعم جمعي، تدرك أن الخلل والفقر الذي تعيشه الأسرة ناتج عن اختلالات في النظامين الاقتصادي والاجتماعي،  وهما نظامان تم إقصاؤها فيهما من المجال العام، وأعتُبرِت في أحيان كثيرة مُهدِّدة بوعيها للنظام القائم. ويتمثل ذلك في مشاهد جدالها مع الأب، وكذلك الأم، التي كانت وسيطًا صامتًا يُعيد إنتاج قيم القمع والخضوع بدون وعي؛ فكانت تبرر أفعال الأب، وتدعو للصبر والسكون، وتخشى الفضيحة رغم استمرار الضرر، فلا تتعامل مع ليلى كابنة، وإنما كعامل مُهدد لاستقرار الأسرة، فالعاطفة داخل العائلة قدُمت في الفيلم بشكلها المُثقل بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وظهرت في أكثر أشكالها صمتًا، وتحملًا، وتبريرًا، ومشاركة للحظات الضعف والأمنيات. أما الحب الرومانسي داخل الطبقات المسحوقة، كما ظهر في مشهد "علي"، فهو عاطفةٌ مؤجلةٌ أو اختيار لم يُسمح به، قد يجبر المرء على التخلي عن عاطفته من أجل البقاء.

أما مشهد الختام، فقد مثّل بالنسبة لي واحدة من أجمل النهايات التي شاهدتها، إذ تضاربت فيها المشاعر بتعدّدها. فموت الأب جاء صامتًا وهامشيًا، وانهارت السلطة وحدها بعد أن استنزفت الجميع، وموتها ليس تحررًا على الدوام، فالبناءُ الاجتماعي قد يختل لكن أنساقه تظل مستمرة، كما يستمر الرقص والموسيقى. والسلطة لا تعيش في الجسد، بل في تكوين الأفراد ووعيهم. فاختيار موت الأب في لحظة الرقص كان اختيارًا رمزيًا رائعًا، فلطالما مثّلت الطقوس الاجتماعية قوةً جبريةً على الجماعات، تواصل أداء مهمتها طالما هناك أفراد يعيدون إنتاجها.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى