«يوم عودتها»: عن مرايا الذاكرة وفخ التصريح

March 4, 2026

لا يقدّم هونغ سانغ-سو في فيلمه الجديد «يوم عودته» (2026 - The Day She Returns) حكايةً بالمعنى التقليدي الذي ينتظر فيه المشاهد بداية ووسطًا ونهاية، وإنما يقدّم "تجربةً" شعوريةً لا تحتكم إلى نسقٍ تقليدي. فلا وجود لحدث كبير يُحرّك السرد، ولا لصدمة درامية تغيّر مجرى الأمور، ولا لانعطافة مفاجئة تهدف إلى إثارة المشاعر. بدلاً من ذلك، نجد أنفسنا أمام عناصر أولية بسيطة: ممثلةٌ في منتصف العمر عادت إلى العمل بعد انقطاع طويل، وثلاث مقابلات صحفية تجري في أماكن متشابهة، وطلب يبدو في ظاهره بسيطًا لكنه يحمل عمقًا فلسفيًا: «أعيدي ما قلتِه». ومن خلال هذه العناصر القليلة، يبني هونغ فيلمًا دقيقًا عن الذاكرة، وعن فن التمثيل، وعن تلك الفجوة غير المرئية التي تفصل بين ما نعيشه فعليًا وما نختار أن نرويه عنه لاحقًا.

تبدأ الحكاية بعودة الممثلة (التي تؤدي دورها ببراعة هادئة كيم مينهي) إلى المجال العام بعد تجربة زواج انتهت بالطلاق. هذا السياق "خلف الكواليس" ليس محور الفيلم، لكنه يظل حاضرًا كخلفية ثقيلة. المقابلات الثلاث التي تخضع لها الممثلة تبدو للوهلة الأولى متطابقة؛ فالأسئلة هي ذاتها تقريبًا: لماذا توقفتِ عن التمثيل؟ كيف كان زواجك؟ لماذا قررتِ العودة الآن؟ وكيف تنظرين اليوم إلى تلك القرارات الماضية؟

لكن، ومع كل مقابلة، يتغيّر شيء غير ملموس في الفضاء. ليست الوقائع التاريخية هي التي تتبدل، وإنما نبرة الصوت، وإيقاع الجملة، والتردد الخفيف الذي يسبق الإجابة. هنا يتجلى ذكاء هونغ سانغ-سو؛ فهو يحوّل الحوارَ الصحفي المألوف إلى تمرين شاق على صناعة "الصورة العامة". الممثلة هنا لا تسترجع ماضيها بقدر ما تحاول "تغليفه" ليكون صالحًا للاستهلاك الإعلامي.

تتعامل سينما هونغ مع المقابلة بوصفها "مسرحًا اجتماعيًا". حين تجلس الممثلة أمام الصحفي، فهي لا تجيب فقط عن سؤال فحسب، هي هنا تؤدي دورًا. إنها تقدم نسخة مختارة، منقحة، ومصممة بعناية لذاتها؛ نسخةً قابلة للاقتباس وصالحة للنشر في العناوين العريضة. هناك في كل إجابة وعيٌّ هائلٌ بوجود جمهور غير مرئي يراقب ويحكم، وهكذا يصبح "الصدق" نفسه مجرد صيغة أدائية، أو قناعًا آخر يضاف إلى أقنعة التمثيل.

يختار هونغ تصويرَ الفيلم بالأبيض والأسود، معتمدًا على لقطات ثابتة وطويلة، وبإضاءة مسطحة لا تسعى إلى إضفاء أي طابع درامي أو جمالي مصطنع على المكان. هذا التقشف البصري ليس مجرد خيار أسلوبي، هو استراتيجية لتعزيز الفكرة الأساسية للفيلم؛ لا شيء هنا يُراد له أن يهيمن على "الكلمة". لا توجد موسيقى تصويرية تشرح لنا كيف يجب أن نشعر، ولا توجد حركة كاميرا (Zoom) مباغتة لتصنع توترًا مفتعلاً.

كل شيء في الكادر يبدو هادئًا إلى درجة قد تثير الملل لدى المشاهد المعتاد على إيقاع السينما التجارية، لكن هذا الهدوء هو "الفخ" الذي ينصبه المخرج. فهو يجبرنا، بصفتنا مشاهدين، على أن نلاحظ أدق التغيرات في الأداء البشري. نحن نراقب حركة اليدين، ارتعاشة الجفن، واللحظة التي تضيع فيها الكلمات من فم البطلة. هذا الصمت البصري يجعل من "الكلمة" هي الحدث الأكبر والوحيد في الفيلم.

تظهر الممثلة في المقابلة الأولى واثقة، ومتماسكة، وقادرة على صياغة تجربتها بلغة واضحة. تبدو وكأنها تمتلك الحقيقة الكاملة عن حياتها. أما في المقابلة الثانية، فيتسلّل عنصرُ تعبٍ خفيف إلى نبرتها، ويظهر نوع من الدفاع الخفي ضد الأسئلة المتكررة. وفي المقابلة الثالثة، يظهر التردد بوضوح، وتحاول الممثلة استخدامَ المزاح الخفيف لتخفيف وطأة الأسئلة التي بدأت تنهك روحها.

هنا، يكتشف المشاهد أن "التكرار" في سينما هونغ لا يهدف إلى تثبيت المعنى، و إنما إلى زعزعته. ما قيل بثقة مطلقة في المرة الأولى، يُقال بحذر وتشكّك في المرة الثانية، ويُصبح عبئًا في المرة الثالثة. ومع كل اختلاف طفيف في الأداء، تتبدّل صورة هذه المرأة أمامنا. نحن لا نكتشفُ حقائقَ جديدة عن ماضيها، وإنما نكتشف هشاشةَ النسخة التي تقدّمها عن نفسها في كل مرة.

يصل الفيلم إلى ذروته الفلسفية حين تنتقل الشخصية من سياق المقابلات إلى صفٍّ لتعليم التمثيل. فيطلب منها المدرس، في تمرين بسيط، أن تعيد تمثيل المقابلات الثلاث التي أجرتها، إذ يُفترض بها، كممثلة محترفة، أن تستعيد الجمل نفسها، والنبرة نفسها، وحتى الوقفة نفسها، غير أنها تعجز تمامًا عن ذلك.

لا تعود الكلمات التي قالتها قبل أيام قليلة، والتي ظنت أنها تعبر عنها، إليها بسهولة. تتعثر، وتصمت لفترات طويلة، تحاول من جديد، لكنها تفشل في "إعادة إنتاج" نفسها. كأن الذاكرة ترفض أن تتحول إلى نسخة طبق الأصل من لحظة مضت. يتضح في هذه اللحظة أن الفيلمَ لا يتحدث عن ضعف في الحفظ أو نقص في الموهبة، و إنما عن "هشاشة العلاقة بين القول والحياة".

لم يكن ما قالته في المقابلات نصًا محفوظًا في قلبها، كان استجابة آنية، وليدةَ اللحظة، لضغط اجتماعي محدد. يفقد الاعترافُ روحه حين يُطلب منها إعادة إنتاج ذلك الاعتراف خارج سياقه الزمني والمكاني، ويتحول إلى جثة هامدة من الكلمات، وكأن هونغ سانغ-سو يقترح علينا فكرة مزعجة، مفادها أن كل اعتراف بالحقيقة مرتبط باللحظة التي قيلَ فيها فقط، وأن محاولة استعادته أو تثبيته هي محاولة مستحيلة، لأننا نتغيّر مع كل ثانية تمرّ.

قد يكون هذا الفيلم واحدًا من أكثر أعمال هونغ تجريدًا. لا توجد حبكة تصاعدية تقودنا إلى نهاية مريحة. فـ"الفكرة" هنا هي الحدث. لكن هذا التجريد ليس فراغًا دراميًا، هو تركيز مجهري على جوهر الكينونة. يعيدُ المخرج عبر تكرار المقابلات طرحَ سؤالٍ بسيط ،هل يمكن للذات البشرية أن تبقى ثابتةً حين تُطلب منها صياغة نفسها مرارًا وتكرارًا؟ أم أن كل صياغة جديدة تغيّر شيئًا جوهريًا في الداخل، بحيث تصبح "الذات" مجرد سلسلة من التعديلات المستمرة؟

على الرغم من بساطة الفيلم، إلا أن هناك بعدًا اجتماعيًا واضحًا يتسلّل عبر الحوارات. لا تبقى الأسئلة التي يوجّهها الصحفيون للممثلة أبدًا في حدود الفن أو المهنة؛ فسرعان ما تمتد بفضول فج إلى حياتها الخاصة، مثل تفاصيل زواجها، أسباب طلاقها، ومدى ندمها على قراراتها الشخصية.

يكشف هذا التداخل المستمر بين "المهني" و"الحميمي" عن طبيعة النظرة الاجتماعية للمرأة في المجال الثقافي العام. عودة الممثلة إلى العمل ليست مجرد خطوة مهنية، هي عودة إلى "ساحة" تُصبح فيها حياتها الخاصة مادةً للنقاش والمضغ العام. ومع ذلك، لا يتحوّل الفيلم إلى بيان نسوي صاخب أو مباشر؛ فالمخرجُ هونغ لا يحب الشعارات. وإنما يكتفي بترك الكاميرا تراقب بصمت، ويسمح لـ "فراغات الصمت" بين الأسئلة والأجوبة بالإفصاح عن الثقل الذي تشعر به البطلة، فنشعر في تلك اللحظات من الصمت بمدى قسوة الافتراضات التي يحملها كل سؤال يوجه إليها.

المرايا المنحرفة: غياب النسخة الأصلية

يظهر أسلوب هونغ المعتاد في التكرار هنا بأبهى صوره، حيث تشبه المقابلات الثلاث مرايا موضوعة بزوايا مختلفة قليلاً. فيبدو الانعكاس للوهلة الأولى هو نفسه، لكن الانحراف الطفيف في الزاوية يكشف في كل مرة طبقةً جديدة من الشخصية، أو ربما يكشف "ثقبًا" جديدًا في سرديتها.

ومع كل انعكاس، نبتعد خطوة إضافية عن فكرة وجود "نسخة أصلية" أو حقيقة ثابتة للذات. يوحي لنا الفيلم بأننا، كبشر، قد لا نملك جوهرًا ثابتًا، وإنما نحن عبارة عن سلسلة من "الأداءات" المتجاورة التي تتغير بتغير الجمهور والسياق. يذكرنا هذا الطرح بسينما إريك رومر، لكن بلمسة كورية أكثر تقشفًا وحزنًا.

لا يمنحنا «يوم عودته» خاتمةً حاسمةً تريح أعصابنا. فنحن لا نعرف في نهاية الفيلم إن كانت الممثلة قد استعادت ثقتها بنفسها، ولا إن كانت قد توصّلت أخيرًا إلى الصيغة النهائية "الصادقة" لقصتها. النهاية مفتوحة، لكنها ليست غامضة بمعنى التعقيد، وإنما بمعنى "الاستمرار".

الحياة، كما يوحي الفيلم، لا يمكن اختصارها في مقابلة مهما كانت طويلة، ولا يمكن استعادتها بالكامل في تمرين تمثيلي مهما كان دقيقًا. ما يميز هذا العمل ليس ما يحدث فيه، وإنما ذلك "الإحساس المتبقي" في روح المشاهد بعد تتر النهاية: شعور بأن الكلمات التي نقولها عن أنفسنا ليست محايدة أبدًا، وأننا في كل مرة نعيد فيها سرد حكايتنا، نغيّر ملامحها قليلاً حتى نفقد أثر الحكاية الأولى.

يظل الفيلم بهذا المعنى وفيًا لخط هونغ سانغ-سو السينمائي؛ بساطةٌ متناهية في الشكل، وتعقيدٌ مذهل في الدلالة. فهو لا يسعى إلى إبهار بصري، وإنما يعتمد على تكرارٍ بسيط يكشف ببطء هشاشة المفاهيم التي نعدّها بديهية في حياتنا اليومية: الذاكرة والاعتراف والحقيقة. وفي عالم تتكاثر فيه اللقاءات والتصريحات والصور المنقحة على وسائل التواصل، يبدو الفيلم كأنه يطرح سؤالًا مزعجًا: "ماذا يتبقى من الذات حين تصبح حياتها مجرد سلسلة من النسخ المعدة للنشر؟". ربما لا يملكُ الفيلم الجوابَ، لكنه ينجح ببراعة في جعل هذا السؤال يسكننا طويلاً.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى