يقف سيف أمام باب المسجد، مترددًا، عاجزًا عن أن يخطو خطوة واحدة إلى الداخل. خلفه عالمه المضطرب، وأمامه طقسٌ لا يمكنه دخوله. في هذه اللحظة المكثفة، يختصر فيلم «قبل الظهر» أزمته كاملة: جسد عالق، ووعي يتشكل تحت وطأة الخزي.
ومن هنا، تبدو التجربة الإخراجية اﻷولى للمخرج مروان الشافعي، والتي تحمل بداخلها آمالًا واعدة لصنّاعه، قريبةً مما يصفه الكاتب والباحث محمد ممدوح في كتابه (صعود السينما المستقلة في مصر) عند تعريفه للسينما المستقلة؛ إذ يصفها بأنها أفلامٌ ذاع صيتها باعتبارها أعمالًا تخترق المحظور وتقدم نمطًا مختلفًا عن السائد، لقيامها على واقع من الاصطدام والجرأة، بما يختلف في معظمه عن السينما التقليدية، ومحاولتها الدائمة للتمرد على التقاليد المهيمنة.
شارك الفيلم في عدد من المهرجانات، من بينها مهرجان ECU في فرنسا، وفاز فيه بجائزة أحمد خضر للتميز في السينما العربية، ويشارك كذلك في مهرجان الإسكندرية الدولي للفيلم القصير في دورته الحالية.
تدور فكرة الفيلم القصير حول المأزق الأخلاقي الذي يمر به سيف، الشاب في عمر المراهقة، الذي يعيش برفقة والدته ووالده المريض، عندما ينساق وراء لحظة لذة يعقبها ندم يحرمه من توديع والده الوداع الأخير. السيناريو الذي كتبه عبدالرحمن جابر ينتمي إلى نوع "شريحة من الحياة" (Slice of life)، وأفلام النضوج (Coming of Age)، لكن في ظلّ تكثيف الحدث، فإن ما يصوره الفيلم ليس إلا بداية لرحلة نضج يخوضها البطل، تبدأ بالتصادم مع الموروث الفكري القائم على القطبية الحادة وإغفال جانب الرحمة واليسر.
يستهلّ النص الافتتاحي التالي أحداثَ الفيلم: «تقتضي قدسية الموت طهارةً جسدية وروحية تامة، وبدونها يحرم المرء من طقوس غسل الميت والصلاة ووداعه الأخير، وبدونها تغدو اللمسة الأخيرة مستحيلة». كلمات مكتوبة باللغة الإنجليزية، يشدد المخرج بخط عريض على كلمتين: الطهارة واللمسة، وبذلك يخلق ارتباطًا شرطيًا يُؤسس للمشكلة الدرامية التي سيُبنى عليها الصراعان الداخلي والخارجي لبطل الفيلم.
يتأرجح المعنى بين دلالات العنوانين المختارين للفيلم، العنوان العربي «قبل الظهر» والعنوان باللغة الإنجليزية (I Owe You a Touch)، حيث يحمل كل منها معنًى خاصًا مرتبطًا بسياق الأحداث. يضع العنوانُ العربي إطارًا زمنيًا أمام البطل، الذي يتعين عليه أن يتطهّر خلاله قبل موعد صلاة الجنازة على والده، أما العنوان الإنجليزي فيعبر عن الثقل العاطفي والنفسي الذي يحمله الصراع.
ينطبق على السيناريو سمات الفيلم القصير؛ فبدَايته لا تُسهب في تقديم الشخصيات أو التأسيس للمشكلة الدرامية، وتمنح للشخصية فيه الأولوية على الحبكة. لكن هذا لا يعني تراجع أهمية الحبكة، وإنما من خلال وحدة الحدث تنتقل أهمية الموضوع من حيزه الخاص إلى الحيز العام؛ فهذه المشكلة قد تحدث لأي شخص قد يقع في نفس مأزق البطل.
يتمثّل الصراع الخارجي في محاولة البطل التطهر ورفع الحدث عن نفسه، يُعيقه في ذلك أنه لا يستطيع القيامَ بذلك في بيته أو حتى في بيت صديقه. ويرتبط هذا الصراع بوجه آخر أكثر تعقيدًا؛ أن شعوره بالخزي، يمنعه عن البوح حتى لصديقه، وهذا الخزي ناتجٌ عن مغالاة في الفكر تمتد من جيل لآخر دون تأمل أو مراجعة.
كان البطل يعيش في خيالات أحلام اليقظة منذ البداية، عالمٌ يهرب إليه المراهق العادي، فكيف بمراهق يعيش تحت وطأة مرض أحد الوالدين. ومثلما يفيق في بداية الأحداث على قرع الباب أثناء خيالاته حول جارته، يتكرر الأمر مع طرق والدته البابَ وهو غارق في لحظة النشوة، ليفيق منها على خبر موت والده. يغدو الموت هنا هو المحفز الحقيقي للأحداث، يُخرج البطل من عالم الخيالات إلى أرض الواقع التي ربما لو لم يُفاجأ بها هكذا لوجد مخرجًا ما من مأزقه.
يستعين المخرج بعدد من القرارات الإبداعية لبناء عالم البطل خارجيًا وداخليًا. ينتمي سيف إلى طبقة تعد أقل من المتوسطة، يتّضح ذلك جليًا في التفاصيل الدقيقة لتصميم الإنتاج؛ ورق الحائط المهترئ، والآيات القرآنية المعلقة، والآثار التي خلّفها الزمن في منزل العائلة. تفاصيل أولاها الشافعي ومديرة الإنتاج «ريوان محمد» عنايةً خاصة لخلق عالمٍ واقعي قابل للتصديق يلائم طابع الدراما الاجتماعية التي ينتمي إليها الفيلم.
أما التصوير والمكساج والمونتاج، فيقع عليهم العبء الأكبر في نقل الصراعين الداخلي والخارجي. تمتاز حركة كاميرا مدير التصوير «أدهم خالد» بديناميكية عالية تتفاوت بين الحركة والثبات، من حركة الكاميرا المتتبعة للبطل، التي تمنح تدفقًا للأحداث جاء ملائمًا للواقعية الاجتماعية التي ينحو نحوها الفيلم.
في المشهد الافتتاحي يستخدم المخرج ضبابية الصورة وحركة الكاميرا، وتشبُّع اللون في ملابس الجارة لنقل الحالة الحلمية التي يعيشها البطل. وفي مشهد انغماسه في شهوته يبرُز دور مكساج الصوت؛ إذ يرتدي البطل سماعات الأذن، بينما تطرق والدته على باب غرفته تستنجد به، وصوتها المكتوم تصاحبه حركة كاميرا دائرية تنتهي عند سريره، كرابط سببي يوضح للمشاهد لماذا لم يهرع لنجدتها.
مع وقوع سيف في ورطة ضرورة التطهر، يستغل المخرج دلالة الإطار داخل إطار للتعبير عن قلة حيلة البطل، ويجعلها موتيفًا متكررًا يتفاقم مع تصاعد أزمته. ففي مشهد المسجد، نرى سعي المخرج إلى تأطيره خارج الباب بينما يضع المشاهد داخل المساحة التي يعجز بطله عن دخولها، وينتقل تركيز بؤرة الكاميرا Rack focus بين طهارة المصلين وخجل البطل من دناسته. ويتكرر الأمر في مشهد إغماء والدته، وفي مشهد غسل والده حين يقف خارج الغرفة المضيئة وهو غارق في الظلام، في تباين بصري يحمل ثقلاً دلاليًا عن الطهارة والقداسة التي يعجز عن بلوغها.
وبما أن الفيلم يُعنى بمشكلة بطله، لابد من التوقف عند أداء الممثل «مروان عاشور» الذي يفرض عليه الدور اداءًا مقيدًا. لأن سيف يعيش من البداية على الحافة بين ما يشعر به كمراهق وبين الظروف التي يعيشها، وهذا يخلق فاصلاً حادًا بين المنطوق والمسكوت عنه. وحين يفيق من شهوته على صوت استجداء والدته ويعلم بموت والده، تحتضنه وهي ترتدي إسدال الصلاة، فيتخشّب جسده ويثبت في مكانه. تلتقط الكاميرا ردة فعله من خلفه قبل أن نرى وجهه، لكن إدراكَ المأزق الأخلاقي يبدأ لحظة دخوله غرفة والده الميت؛ إذ تتباطؤ خطواته، وتركز الكاميرا على ملابسه المدنسة وعلى يده، ثم تنتقل إلى وجهه الذي تعتريه ملامح العجز والحزن.
إن من أبلغ المشاهد في الأداء، مشهدُ وقوفه خارج المسجد، عاجزًا عن اجتياز عتبته للإعلان عن وفاة والده. ينكمش جسده على نفسه، وتنقل ملامحه الخجل من ذاته. ونظرًا لأن كفة الصراع النفسي في تلك اللحظات أثقلُ من كفة الصراع الخارجي، يلعب الصمت دورًا محوريًا في الأداء، لأن سيف يعجز عن البوح بضرورة طهارته في ذلك الوقت الحرج. وحتى مع انفراجة موقفه في النهاية، لا يزال يجلس متقوقعًا على نفسه أمام جسد والده المسجّى، بعدما أضاع فرصة اللمسة الأخيرة.
ومع النهاية المفتوحة، تتأكد طبيعة الفيلم القصير بإنه لحظةٌ مكثفةٌ لا تنغلق على معنى واحد، إنما تترك أثرها ممتدًا لما بعدها. هنا لا تنتهي رحلة سيف، بل تبدأ من هذه الخسارة تحديدًا؛ من لحظة عجزه عن لمس والده وتوديعه، ومن الثقل الذي سيحمله لاحقًا.
لا يقدّم «قبل الظهر» إجابات بقدر ما يضع بطله، ومن ثمة المشاهد، أمام تجربة تفرض إعادة النظر فيما يبدو بديهيًا، وفيما يمكن أن يتحول، دون مساءلة، إلى عبء قاسٍ. ومن خلال هذه الشريحة الحياتية المكثفة من حياة سيف، يفتح مروان الشافعي بابًا لأسئلة أوسع تتجاوز الفرد إلى ما هو أبعد منه، تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع بنية فكرية ممتدة. وبين لحظة عابرة وأثر لا يُمحى، يترك الفيلم بطله مع بداية وعي جديد، ويتركنا نحن أمام ما تبقى من تلك اللحظة.



