المشاهدة المتقطعة في السينما.. فرصة لتحرير الخيال

June 16, 2026

أوقفت المشاهدة ربما ثلاث أو أربع مرات أثناء مشاهدتي فيلم «شجرة الحياة» ( The tree of life) إنتاج 2011 للمخرج تيرانس ماليك (Terrence Malick)، مرة لأقوم بشحن هاتفي بالطاقة، ومرة لأنني كنت أدوّن بعض الملاحظات، وفي المرة الأخيرة اضطررت للتوقف عن المشاهدة لأعود لمتابعته في اليوم التالي.

فيما بعد أدركت أن المشكلة لم تكن في الفيلم، بل في ظروف المشاهدة نفسها، لم تعد مشاهدة الفيلم حدثًا معزولًا عن العالم الخارجي كما في صالات السينما، فعندما تمسك الشاشة الصغيرة بين يديك تشعر أنك تحتوي الفيلم، بعكس الشاشة العملاقة في صالتها المهيبة المظلمة التي تحتويك انت. صار الهاتف أو اللابتوب جزءًا من كادر أوسع، والإشعارات الإعلانية باتت جزءًا من المونتاج، والتوقف المؤقت أصبح جزءًا من خيارك الحرّ بالتوقف أو الاستمرار، بما يشبه وهم السيطرة الذي يمنحنا إياه جهاز التحكم بالتلفزيون. 

وهكذا لاحظت أن المشاهدة المتقطعة للأفلام لم تعد خللًا طارئًا في التّلقي، أصبحت تجربة محددة بشروط خارجة عن إرادة المشاهد، تعطي شكلًا جديدًا من التّلقي يُعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والصورة والذاكرة.

لسنا بصدد مقارنة تجربة مشاهدة السينما في الماضي بتجربة اليوم، لأن الأمر بات واضحًا بعد توفر الشاشات الكبيرة والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، حيث تَراجع إقبال الجمهور على السينما، وتحديدًا في سوريا، لأسبابٍ كثيرة أهمها ندرة صالات العرض.

يكاد الهاتف الذكي أن يكون شاشةَ العرض الوحيدة التي تمكّنك من حضور فيلم في سوريا، وجاء انقطاع التيار الكهربائي، وبطء الإنترنت ليقولا لك أن هاتفك بات نافذتك الوحيدة المفتوحة على السينما. 

كانت تجربة الحضور سهلة التوصيف، تجلس في عتمة صالة السينما، تتابع الفيلم وتخرج حاملًا انطباعات ومشاعر عنه، الفيلم يبدأ وينتهي دون انقطاع، مدّته لا يمكن أن تتغيّر طالما لم تتحرك من الصّالة، مما يسمح للمدّة الزمنية بأن تُعاش بوصفها تجربة حسيّة متكاملة داخل اللقطة نفسها. هذا التصور للزمن يرتبط بما تحدّث عنه جيل دولوز (Gilles Deleuze) في كتابه "الصورة- الزمن" (Cinéma 2: L'image-temps)، حين اعتبر أن السينما الحديثة لم تعتمد على تتابع الأحداث فحسب، بل على جعل الزمن محسوسًا ومُعاشًا داخل الصورة. وظهر هذا التّحول الكبير بوضوح بعد الحرب العالمية الثانية مع الواقعية الإيطالية والموجة الفرنسية الجديدة، حيث بدأت الصورة تتحرر من منطق الحركة التقليدي الذي تناوله دولوز سابقًا في كتابه "الصورة- الحركة" (Cinéma 1: L'image-mouvement) 

المشاهدة المتقطعة لا يمكن اعتبارها عيبًا في ظروف المشاهدة، وإنما يمكن النظر إليها بكونها تجربةً تفتح المجال أمام تأويلات مختلفة حول فكرة التلّقي. يناقش هذا المقال عدّة أسئلة أهمها: كيف اختلف مفهوم الزمن بين زمن الفيلم وزمن المشاهدة؟ والذي يحتّم بالضرورة طرح أسئلة لاحقة؛ ما الذي اختلف مع اختلاف الزمن؟ هل هو الشعور، أم الذاكرة، أم الإدراك؟ 

يقول دولوز: «تتمثل قيمة الصورة في الأفكار المتولّدة عنها»1، فكيف يمكن مقاربة هذه المقولة مع تجربة المشاهدة المتقطعة؟

عند انقطاع المشاهدة، ستَثبُتُ الصورة الأخيرة قبل الانقطاع، تاركةً شعورًا ناقصًا ومشهدًا غير مكتمل، ليأتي دور الوعي في توليد الفكرة الناقصة، الأمر الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1927، هنري برغسون (Henri Bergson) وذكره دولوز في المجلد الثاني من كتابه "الصورة-الزمن": «إننا لا نرى الشيء أو الصورة كاملة، بل ندرك منها دائمًا أقل من ذلك، فما ندركه هو ما يهمنا إدراكه أو ما لنا مصلحة في إدراكه بفعل مصالحنا الاقتصادية ومعتقداتنا الإيديولوجية أو حاجاتنا السيكولوجية» 2 .

إذن، حتى ما نراه كاملًا هو ناقصٌ بالفعل، ولكن لديك هنا الوقت الكافي لفلترة مصلحتك من المشاهدة، بما أن تجربة التلّقي قد توقفت. 

عندما تتوقف المشاهدة لسبب ما، مثل انقطاع التيار الكهربائي فهنا المصلحة التي ستتفعّل هي مصلحة اقتصادية، فأنت بحاجة إلى إعادة التيار، ولكن ترافقها حاجة نفسية في متابعة الفيلم إن كنت قد أحببته، أو فرصة لإنهاء التجربة إن لم يعجبك. 

ونظرًا لأن السينما فنٌ زمني يُنشئ امتدادًا خاصًا للعلاقات البصرية بين المُشاهد وما يُشاهده، فإنه بإمكانه جعل الزمن والفكر محسوسيَن ومرئيَين وصوتيَين، ففي فيلم «حصان تورينو» (The Turin horse) إنتاج 2011 للمخرج المجري بيلا تار (Béla Tarr)، يُمكنك أن ترى الزمن من خلال لقطات طويلة جدًا، حين يحاول الحصان تجاوز العاصفة وهو يجر العربة، ويُمكنك سماعه (أي الزمن) من خلال صوت العاصفة المصاحب للفيلم من البداية وحتى النهاية، وبالطبع ستشعر به من خلال الأفعال الدرامية المتكررة، والإيقاع البطيء الخالي من الأحداث.

كيف ستبدو إذن التجربة المتقطعة في أفلام بيلا تار؟ بالطبع، ستكون أكثر تأمّلية لمن يريد البحث عن معنى، وأقل فاعلية وتأثيرًا للأشخاص الذين لا تجذبهم السينما البطيئة، فالأمر لا ينطبق على سينما بيلا تار فحسب، فقد سبقه إلى ذلك فيلليني (Federico Fellini) وغودار (Jean-Luc Godard) وأخيرًا تاركوفسكي (Andrei Tarkovsky) الذي حدد مهمة الفيلم بترسيم الزمن وعرض تدفقَاته اللامتناهية، ويمكن الاستناد إلى نقد الفيلسوف هنري برغسون ورفضه لآلة السينما بوصفها آلة تقطع تدفق الزمن، حيث الزمن الحقيقي متدفق ومستمر ولا يمكن تثبيته في صور متتالية لإيهامنا باستمراريته.  

إن التجربة المتقطعة، بغض النظر عن الفيلم، سوف تخلق فجوات تزيد من مدته الزمنية، وهذا ما يُفعّل الذاكرة لدى المتلقي والتي ستكون حاملة لمواقف ومشاعر وانطباعات مختلطة لا تخص الفيلم وحده، وستختبر ذاكرتك بما تبقى منه قبل انقطاع المشاهدة، والتي ستختلط بين التهيؤات والخيال لأنه ليس بوسعك استذكار كل شيء وخاصة مع امتداد فترة الانقطاع، حيث يمكن القول إن الفيلم يشبه الإنسان، إذ يتشكل ضمن ذاكرة تحمل الماضي والحاضر والمستقبل، فهو ذاكرةُ صُنّاعه في المرتبة الأولى، ليغدو فيما بعد ذاكرة متلقيه.

«إن استمرار التغيير وبقاء الماضي في الحاضر والديمومة الفعلية، هي الصفات المشتركة بين الكائن والنفس الواعية»3 هذا ما شرحه برغسون في كتابه «التطور المبدع» (L'Évolution créatrice)، ففي التجربة المتقطعة، الزمن لم يعد متصلًا، والمتلقي لا يعيش الفيلم كحاضرٍ متدفقٍ، وإنما كأجزاء مبعثرة يحتاج العقل إلى ربطها ببعضها البعض، وهنا تتدخل الذاكرة لتصنع وهم الاستمرارية، فتغدو أداة لترميم الزمن المُمَزّق وربط اللحظات المتباعدة داخل وعي الشخصية والمتفرج معًا، وهنا يصبح المتفرج شريكًا في صناعة الزمن.

لا يقدم الفيلم زمنًا متكاملًا بل بقايا زمنية، فتقوم ذاكرة المُشاهد وخبرته الذاتية بإعادة تركيب هذا الزمن، وهنا يصبح الإدراك السينمائي نفسه فعل تذّكرٍ مستمر، ففي فيلم «طعم الكرز» (Taste of Cherry) إنتاج 1997 للمخرج عباس كيارستامي (Abbas Kiarostami) لا يعرض المخرج حياةَ البطل كاملة أو دوافعه النفسية بشكل مباشر، لكنه يترك فجواتٍ سردية واسعة تجعل المشاهد مضطرًا لملئها بذاكرته وتأويله الخاص، وتكرار الرحلة داخل السيارة والطرقات والأصوات يمنح الفيلم إحساسًا دائريًا بالزمن، لذلك ستحرّض المشاهدة المتقطعة لهذا الفيلم الذاكرةَ على استكمال ما يغيب عن الصورة وربط الشظايا الزمنية ببعضها، وبهذا لا يعود الزمن في الفيلم خطيًا ومكتملًا، وإنما تجربة داخلية متشظية تُعاش عبر الحضور والغياب معًا.

في هذا النوع من المشاهدة، يحدث كسرٌ لحلقة التفاعل التقليدية التي تقوم عادة على التعاطف المباشر والتطابق بين المتلقي والبطل، إذ لا يعود المشاهد قادرًا على التماهي الكامل مع الشخصية أو فهمها بوصفها ذاتًا شفافة ومكتملة، ويبقى بدلًا من ذلك على مسافة منها، وفي حالةٍ مستمرة من الاقتراب والابتعاد، محاولًا فهم دوافعها دون أن يمتلك مفاتيحها كاملة. 

ومن خلال هذه المسافة تتفكك العلاقة الاندماجية بين المتلقي والشخصية، فتُقدم الشخصية كبنية ناقصة ومفتوحة على تأويلات متعددة، لا كهوية مستقرة وواضحة، لذلك لا يستهلك المتلقي الحكاية بسلاسة، وإنما يتحول إلى شريك في بنائها، فيعيد ترميم الفجوات وتأويل السلوكيات وربط الشظايا النفسية للشخصية.

«الوعي الذي لا يحفظ شيئًا من ماضيه، والذي ينسى ذاته باستمرار يُتلف ثم يُولد في كل لحظة... كل وعي هو ذاكرة، هو احتفاظ وتراكم الماضي في الحاضر، لكن كل وعي هو استباق للمستقبل».4

في المشاهدة المتقطعة، تُبنى العلاقة مع الفيلم على النقص البصري والسردي المقصود، فالفراغات، والحذف، والصمت، والانقطاعات الزمنية، تدفع المتلقي إلى المشاركة الفعلية في إنتاج المعنى، فيبدأ العقل تلقائيًا في البحث عمّا لا يُرى داخل الصورة بقدر بحثه عمّا يظهر فيها، لذلك يصبح الإدراك هنا عملية مزدوجة، يمثل جوهرها استعادة لما غاب من جهة، والقبول بما لا يمكن كشفه بالكامل من جهة أخرى، ومن خلال هذا التوتر بين الامتلاء والفراغ، تتحول المشاهدة إلى تجربة تأويلية تجعل المتلقي واعيًا لنفسه بفعل الرؤية، لا مستغرقًا داخل الحكاية فقط.

هذا ما يمكن ربطه بفكرة الوعي بوصفه تدفقًا مستمرًا للذاكرة والزمن، حيث إنه لا يحتفظ بالماضي كشيء منفصل، بل يُراكمه داخل الحاضر ليصنع إمكانية المستقبل، وبذلك يعيش المتلقي عملية إدراك متحركة يعيد فيها وصل الأجزاء المتناثرة والزمنيات المتقطعة عبر ذاكرته الخاصة، بعيدًا عن المشاهدة التقليدية التي تبدو كسلسلة مكتملة من الصور المتعاقبة، فيتحوّل المعنى إلى شيء يُبنى تدريجيًا داخل الوعي، أي لا يُعطى بصورة جاهزة ونهائية.

ربما لا يمكن اختصار أهمية السينما في خلق تجربة مشاهدة مثالية ومتكاملة، إذ أنها تكمن في المتعة التي نبحث عنها حتى في أكثر ظروف التلقي هشاشة. ولا يمكننا ربط المتعة بالانغماس الكامل والمشاهدة المتواصلة، فهي تولد من فعل التوقف نفسه، من الانتظار، ومن الرغبة في العودة إلى الفيلم بعد انقطاعه. ولعلّ أجمل ما في السينما أنها تستمر داخلنا حتى بعد توقف الصورة.

الهوامش:

1.مؤلف جماعي، حوار الفلسفة والسينما، ص120، ت. عزالدين الخطابي، منشورات عالم التربية، 2006.
2.Deleuze(Gilles), Cinema2, Image-temps, p32, Edition de minuit, 1985
3.هنري برغسون، التطور المبدع، ص25، ت. جميل صليبا، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1981.
4.هنري برغسون، الطاقة الروحية، ص8، ص9، ت. علي مقلّد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1991.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى