«اختفاءات سعاد»: الخيال أجمل من الحقيقة

يوم ماتت سعاد حسني تلقيت مكالمةً من صديق، يطلب مني الكتابة عنها. استغربت طلبه رغم كوني من الأقلام التي كانت تكتب عن السينما وقتها. لكني اعتذرت كمن يدفع عن نفسه تهمة: لم أشاهد إلا لقطاتٍ من أفلامها. قال الصديق أن وفاتها أو انتحارها أحزنه وشلّ قدرته على الكتابة.

كانت سعاد حسني جارتنا في الغربة، فلندن وطننا الثاني، وكنا نسمع أنها تسكن هناك في تلك العمارة التي يشير بعضهم إلى شرفتها حين يمر بسيارته المسرعة. يقولون  أنها  تمشي ذاهلة وترتدي القبعات والنظارات وتحجب وجهها عن المارة. كما يقولون أنها سمنت وأتلفت ذلك القوام المياس الذي كانت تحمله، وأنها صارت مكتئبة مثل كل المشاهير، ومثل كل الجميلات والموهوبات في كل الأزمان. قبل موتها بأشهر قليلة، ذهبت سعاد متخفيةً إلى مسرحية أخرجتها المخرجة العراقية "روناك شوقي"، ودخلت الكواليس كي تشد على يدها. قالت روناك أنها صعقت بوجود سعاد، وصعقت من تواضعها، ومن تلك الإشراقة المذعورة في عينيها. كانت لا تريد أن يعرفها الناس، قالت لها «سنتعاون»، ولكنها غادرت المسرح ولم تترك أثرًا يدل عليها. ربما كانت في صحوة من ذهول، لمسةُ حنانٍ وتوقٍ لذكرى غابرة تعبق في جوانحها. تقول روناك: حضرت هنا سعاد حسني ثم غادرت. شهقنا وقتها ولكننا لم نعرف لماذا لم نحبها يوم كانت جميلةً وآسرة. يوم أضعناها مثل كل الأشياء الحميمية التي هرولنا كل هذا العمر الطويل، كي نعرف قيمتها. إن الوقت يسرقنا، وسعاد حسني تذكّرنا به، وهي تمر على البحر بثوبها الذي يحملها مثل نورس يوشك على الطيران.

عاودني سؤال الصديق هذه الأيام بعد أن شاهدت فيلمًا عنها للمخرجة اللبنانية رانيا اسطيفان: لمَ لمْ أكتب يوم سقطت سعاد حسني من شرفتها؟ وهل حقًا كان جهلي بأفلامها سببًا؟ طارت سعاد حسني ثم شهقت، أغمضت عينيها ثم انحنت على تلك الهاوية كما في لقطة سريعة. مرت على المرايا وهي تتأمل الواجهات في "الويست إند". تتلامظ أضواء المسارح على وجهها، وتنسى وتتذكر أنها كانت تزيح عن ملامحها تعبًا خفيًا، في غرفة جانبية، ثم تركض إلى البلاتوه ضاحكةً، كي تملأ برقصها وصوتها المبحوح نقصانَ الطبيعة، عطَشَ الشباب إلى الحب، وقحط اللهفة وفزعها من امرأة مستحيلة. كان على مخرجة الفيلم وهي تصوّر اختفاءاتها، أن تستفتي الشوارعَ العربية عن السندريلا التي بحثت عن قدمها الذهبية في ليل لندن الكالح. وبين أقدامها نثيث ثلجٍ وصمت، وهي تترنح متعبةً في عودتها الأخيرة.

اليوم أستطيع الإجابة، فحين ماتت سعاد حسني عرفت كم مضى بنا الزمن طويلًا، وكم عشنا فداحة أن تكون بيننا ممثلة رقيقة مثلها، نحن الذين أحببنا السينما وخلناها مهمة صعبة. ومثل من يؤمن أن لا حق له بإضاعة الوقت كي يرى سعاد حسني وهي ترقص وتتغنج وتضحك، كنا نرقُبها على مبعدةٍ، مترفعين أن نكون مرحين مثلها خفيفين مثل ظلٍّ وضوء. وتلك هي الأقفاص الرصاصية التي وضعنا أنفسنا فيها ثم بدأنا العويل.

تقول سعاد في لقطات متكررة من الفيلم: «الخيال أجمل من الحقيقية». كانت هناك حيث ذبذبات هذا الماضي الذي عشناه، رحل مثل رحيل ابتسامتها الحيية الماكرة، مثل رنات جسدها وصوتها المبحوح الهامس.

سعاد الآن تملأ الشاشة، كائنٌ أثيريٌّ علينا تصديق وجوده كي نستمتع بالعجائبي، كما لو كان يومًا صديقًا نجهله. بتنورتها القصيرة وقصة شعرها التي قلّدناها ونحن نتنكّر لوجودها بيننا، تغني للدنيا ويملأ البنفسج راحتها.

كانت سعاد حسني تلوّح لنا، ونحن نشيح عنها ونقول لها الوقت أدركنا. نتشاوف عليها، ونتغامز جهلنا بها.

هي اليوم بطلة قصتنا، فللحياة شهادة على ما مضى. دنيا تشبه السينما، يكفي أن نحرك أزرارها كي ترينا المساء العليل وهو يمضي بهذه البطولة إلى الموت. ثمالة الابتسامة التي ما بخلت بها على الرجال الجائعين إلى المحبة، الرجال القساة مثل قسوة زمنهم. كانت سخية مع الحب، وكان شحيحا معها. هكذا ظهرت في الأفلام وعلى خرائب الحياة التي انتهت إليها. لم تجد نفسها في خلوة الموت التي سبقت رحيلها، سوى امرأة وحيدة. غادرت الملايين التي عشقتها إلى الكواليس، بانتظار الفصل الأخير، اللقطة التي انتظرها المغرمون على أحر من الجمر. لم يبق منها سوى الجملة التي ترددها طوال الفيلم: «الخيال أكثر صدقا من الحقيقة».

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى