هل تفسد الصوابية السياسية أوديسة نولان؟

تحوّلَ مفهوم "الصوابية السياسية"، في العقود الأخيرة، من كونه مصطلحًا نقديًا واجتماعيًا إلى ظاهرة تحليلية مركزيّة في الدراسات الثقافيّة واللّغوية، بوصفه أولًا انعكاسًا لسلوكيات لغوية وأدبيّة، ولكونه، وهذا هو الأهم، يكرس آلية خطابيّة تؤثر في إنتاج المعنى وقواعد التّلقي داخل مختلف الفضاءات الاجتماعيّة والثقافيّة. فقد أظهرت الدراسات في تحليل الخطاب أن الصوابية السياسية تجاوزت معالجة ما يقال وما يُمنع قوله لتعمل ضمن إطارٍ أكثر اتساعًا يتقاطع مع القواعد الاجتماعية والالتزامات الثقافيّة التي تحدد معايير الكلام المقبول في لحظة وبيئة معينتين. وعند الانتقال بهذا المفهوم إلى الحقل الفني، ولا سيما السينما، الفن الجماهيريّ الأول الذي يُنتج في سياق اقتصادي وسياسي معقّد، تتّسع دلالة الصراع بين ما يُعد مقبولًا من التأويلات وما يُجرّم من منظور اجتماعي وثقافي قبل المنظور الجماليّ، وهو ما يُعتقد أنه المنظور الأحق بالاهتمام والنقد.

لم يَعُد الفيلم إذن في السياق السينمائي المعاصر يُناقش على اعتبار ما يقدمه من بينة سرديّة مستقلة، ولكن يُنظر إليه كجهازٍ لإعادة إنتاج الأنساق القيمية والمعايير الأخلاقيّة، حيث تُحمّل الأعمال بأعباء أخلاقيّة وهوياتيّة تتجاوز حدود الشكل الفني، التي تنسب إليها عبر التداول الاجتماعي والنقدي. ويؤدي هذا التحول إلى إثارة توترات حادّة بين مطالب التمثيل المتنوع والعدالة الاجتماعية من جهة، وبين حرية الإبداع والحق في الرؤية الفنيّة من جهة أخرى، وهو ما يجعل من الصوابية السياسيّة في السينما حقلًا دائم التوتر ذا تأثيرات متعددة على مستوى الإنتاج، والاستقبال، والتقييم.

تفاقم هذا التوثّر مع الأزمات الأخلاقيّة التي هزت الصناعة السينمائية في العقد الأخير، وعلى رأسها القضايا المرتبطة باعتداءات جنسية وسوء استعمال السلطة، والتي كان أبرزها ملف هارفي واينستين (Harvey Weinstein). وقد دفعت هذه الصدمات هوليوود ومؤسسات سينمائيّة أخرى إلى تبنّي خطاب تصحيحي يسعى إلى محاولة نسيان الماضي وقلب الصفحة، وذلك عبر إعادة الاعتبار لقيم الشمول والتنوع وتمثيل الفئات المهمّشة. غير أن هذا المسعى، على الرغم من مشروعيته الظاهرة، أثار في المقابل انتقادات حادّة تتعلق بتحول الصوابية السياسيّة إلى معيار أخلاقي ملزِم، يُخضِع الإبداع لمنطق المطابقة، ويُنتج سرديات حذرة ومبسّطة تخشى المخاطرة الجماليّة. وبهذا المعنى تتجاوز الصوابية السياسية نطاقها كرقابة مباشرة تمنع التعبير لتصبح نظام قراءة غير معلن يحدد مسبقًا ما يعدّ مقبولاً من التأويلات وما ينبغي استبعاده، أي سلطة مرجعية تلقي بظلالها على حرية الإبداع.

وقد أدّى ذلك إلى انتقال النقد من التحليل الجمالي إلى ما يمكن وصفه بـ"المحاسبة الرمزية"، حيث تحاكم الأفلام على أساس نواياها الأخلاقية المفترضة والرسائل المنسوبة إليها، وأحيانًا على حساب تعقيدها الدرامي أو قدرتها على إثارة الالتباس والتناقض. ويعيد هذا المنطق تشكيل علاقة الجمهور بالسينما، إذ يصبح التلقي مشروطًا بمختلف الاشتباهات المسبقة، وتتحول الأعمال الفنيّة إلى ساحات صراع بين قراءات متعارضة للتمثيل والهوية.

عادت هذه الإشكاليّة إلى الظهور مؤخّرًا  بعد ما أثارته إشاعة مفادها أنّ ممثلة ذات بشرة سمراء ستؤدي دور هيلين طروادة في فيلم الأوديسة القادم للمخرج كريستوفر نولان (Christopher Nolan). فعلى الرغم من غياب أي تأكيد رسمي، كان تداول اسم  لوبيتا نيونغو (Lupita Nyong'o)، الحائزة على جائزة الأوسكار، كافيًا لإطلاق موجة حادة من ردود الأفعال، تجاوزت مفاهيم النقد السينمائي لتدخل في سجال هوياتي، شمل تعليقات عنصريّة صريحة واتهامات بخيانة النص الأصلي لهوميروس (Homer) وفقدان النزاهة الفنيّة. وقد تضخم الجدل مع تدخل شخصيّات عامة مؤثّرة على وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها إيلون ماسك (Elon Musk)، الذي غرد قائلا: «كريس نولان فقد نزاهته»، معتبرًا هذا الاحتمال دليلًا على تخلّي الفن عن معاييره، ما نقل النقاش من مستوى فني إلى معركة ثقافيّة أوسع حول الهوية والسلطة الرمزية.

يرتكز خطاب الرافضين لهذا الاحتمال على حجج تتعلق بالوفاء للنصوص الكلاسيكية والدّقة التاريخيّة، مستحضرين في هذه الحالة، أوصاف هوميروس لهيلين في الإلياذة، حيث تنعت بـذات الشعر الذهبي (xanthós). غير أن هذا الوصف، في سياقه الأصلي، لا يؤدي وظيفةَ توصيفٍ إثنيٍّ بالمعنى الحديث، بقدر ما يُقرأ  كعلامة رمزية تبرز جمالاً اسثنائيًّا ذا طابع شبه إلهي، ينسجم مع مكانة هيلين بوصفها ابنة زيوس وشخصيّة تتجاوز البشر العاديين. إن تحويل هذه الصفات المجازية إلى معايير عرقية صارمة في النقاش المعاصر ينطوي على إسقاط أنثروبولوجي حديث على نص ملحمي يهدف إلى بناء نظام رمزي للجمال والفتنة والسلطة السرديّة أكثر من كونه توثيقًا للواقع. ومن ثمّ، فإن الاحتجاج بالوفاء للنص يخفي في كثير من الأحيان قراءة حرفيّة تختزل الأسطورة وتُنكر قابليتها التاريخيّة الدائمة لإعادة التأويل.

ولا تعد هذه الحالة، التي ما تزال مجرد بالونة اختبار لقراءة ردة فعل الجمهور قبل الإقدام عليها، حالةً معزولةً، وإنما تندرج ضمن سلسلة من القضايا المشابهة في السينما المعاصرة. فقد أثار اختيار ممثلة سمراء لدور "أرييل" في فيلم «الحورية الصغيرة» (The Little Mermaid, 2024) موجة اعتراضات بحّجة تشويه الذاكرة الطفوليّة، رغم الطابع الخيالي للعمل، كما واجه مسلسل «بريدجيرتون» (Bridgerton) انتقادات بسبب اعتماده تمثيلاً عرقيًّا متنوّعًا في سياق تاريخي أوروبي، اعتبره البعض إسقاطًا معاصرًا على الماضي، ورآه آخرون استراتيجيّة لإعادة توزيع الرؤية داخل سرديّات تقليديّة. وتكشف هذه الأمثلة أن التمثيل الخاضع لمعايير الصوابية السياسية غالبًا ما يواجه بمقاومة تتجاوز التحليل الفنيّ، لتلامس خوفًا أصيلا من إعادة توزيع السلطة الرمزية داخل الخيال الجمعي.

في المقابل، نقف على حالات أخرى تكشف انتقائية واضحة في تطبيق هذه المعايير داخل الحقل السينمائي، وهو ما يتجلى في الجدل حول المخرج رومان بولانسكي (Roman Polanski)، خاصة بعد فوزه بجائزة أفضل إخراج عن فيلمه «أنا أتهم» (J’accuse) في حفل سيزار لعام 2020. فقد أثار هذا التتويج احتجاجات واسعة وانسحاب عدد من الحاضرين، معتبرين أن تكريم بولانسكي يمثل تطبيعًا مع العنف الجنسي وتجاهلاً لضحاياه. غير أن اللافت في هذه القضية أن الجدل انقسم بين من يدافع عن الفصل بين العمل الفني وسيرة صاحبه، ومن يرى أن هذا الفصل يصبح غير ممكن أخلاقيًّا في حالات معيّنة. وتكشف هذه المفارقة أن الصوابية السياسية أحيانا لا تطبّق كمبدأ ثابت متى استخدمت كآلية تفاوض تخضع لتوازنات القوة ورأس المال الرمزي، حيث يستفيد بعض المبدعين من مكانتهم القوية داخل هذه الصناعة لتخفيف وطأة الإدانة، في حين تُحمّل أعمال أخرى أعباءً أخلاقيّة مضاعفة.

في الحقيقة، وفي السينما كما الأدب والمسرح، تبدو الصوابية السياسية ممارسةً تعويضيّة أكثر منها ممارسة نقديّة حقيقيّة، إذ تميل الصناعة إلى إصلاح الماضي عبر تعديل الكلاسيكيّات أو إعادة إنتاجها بما يتوافق ومعايير أخلاقيّة معاصرة، بدل مواجهة الشروط التاريخيّة التي أنتجت تلك الأعمال أصلاً. ذلك أن تغيير هويات الشخصيات، أو حذف عناصر إشكالية في الكلاسيكيات، أو تقديمها في نسخ "منقحة"، لا يؤدي إلى تفكيك علاقات الهيمنة التي كرستها، ولكنه يكتفي بمنحها شرعيّة لاحقة. وكأن المشكلة في الأصل كانت شكلية ولا تصب في بنية العمل وسياقه. وهكذا، تتحول السينما إلى آلة محو تطمس العنف الكامن في الماضي عوض توثيقه من أجل مساءلة نقدية حقيقية.

وعوض التماس هذا الحل التجميلي، فالأصلح خلقُ سرديات جديدة، وأفلام تُكتب من داخل التجارب المعاصرة، ومن أصوات كانت مهمّشة تاريخيًّا، نقرأ من خلالها الماضي نقديًّا ونفهم كيف اشتغل ونتركه شاهدًا على زمنه. وهكذا ننتج سينما جديدة تزعزع المركز، وتدمج التنوع والعدالة الاجتماعية في صميمها دون الوقوع في الدوغمائية أو الانتقائية، بما يحفظ للسينما قدرتها النقدية والإنسانية.

نُشرت هذه المقالة بدعم من من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى