تحت رعاية صاحبة السمو الملكي الأميرة لولوة الفيصل وحضور صاحبة السمو الملكي الأميرة نورة بنت تركي الفيصل، وفي أجواء احتفالية دافئة، أسدلَ مهرجان عفت السينمائي الدولي الستارَ على دورة أخرى مميزة وحافلة من دوراته. فخلالَ ثلاثة أيام متواصلة من الفعاليات والعروض والورش التي جمعت بين الطلاب والخبراء من كل أنحاء العالم، عاش الطلاب من كل الأطوار تجربةً استثنائيةً ومميزة، أشبه بصورة مصغرة عن المهرجانات الكبرى، تعرفوا فيها على التجارب الناجحة من بلدان متعددة، كما رسموا تصورًا واضحًا لطبيعة التحديات التي تنتظرهم كصناع أفلام مستقبليين، واطلعوا على مختلف السبل التي تمكنهم من بلوغ منصات التتويج العالمية والحصول على الدعم والتوزيع لأفلامهم. وقد امتدت العروض السينمائية الطلابية على مدار ثلاثة أيام، لتُختتم بحفل تكريم للأفلام الفائزة ولضيوف المهرجان الذين أسهم حضورهم الملهم في إضفاء طابعٍ استثنائيٍّ على هذه الدورة.
على امتداد أزيد من عقد، واصل المهرجان مسيرته المشرقة التي شهد فيها نموًا ملحوظًا، وحظي بزخم متزايد وإقبال عالمي بلغ ذروته في دورته الثالثة عشرة، والتي جاءت تحت شعار «حينها تحيا القصص». وقد كانت بداية هذه الدورة واعدة، لما حظي به المهرجان من إقبال عالمي كبير، تجلى في ارتفاع عدد الأفلام المشاركة مقارنة بالعام الماضي، حيث استقبل المهرجان 2783 فيلما من أكثر من 95 دولة، بينها 70 عملًا سعوديا، متجاوزًا عدد المشاركات في العام الماضي الذي بلغ 2217 فيلمًا، في مشهد يعكس الثقة والمكانة العالمية الكبيرة التي صار المهرجان يحوزها عامًا بعد آخر.
فعاليات طبعت ملامح الدورة الـ13
لقد نجح هذا المهرجان في بناء جسرٍ حيوي بين الطلاب والخبراء، من خلال جلسات وورش مهنية مميزة، أتاحت لهم الاحتكاك بمواهب وشخصيات عالمية، وسمَحت بانتقال التجربة والمعرفة في جوٍّ تفاعليٍّ ملهم، يثري الحس الإبداعي ويخلق تجربة استثنائية لتبادل الأفكار ومناقشة التحديات المستقبلية التي يواجهها صناع السينما الشباب، واستكشاف آفاق جديدة للتعبير الفني وسبل الدخول إلى سوق الإنتاج، والوصول إلى منصات التتويج العالمية.
وتميزت هذه الدورة بجلسات نقاشية ثرية مع ضيوف شرف استثنائيين من كل أنحاء العالم، وعلى رأسهم الممثل المصري أحمد حلمي، الذي قدم للشباب صورة ملهمة عن شغف الفنان، الذي يصبح شبيها بالبوصلة التي تقوده وتوجهه في الحياة. وقد شارك الجمهور تفاصيل حياته ومسيرته الفنية، من جدة وصولًا إلى القاهرة، بعد التحاقه بأكاديمية الفنون في مصر، التي استرجع فيها حلمه القديم.
وقد استضافَ المهرجان الفنان عبد المحسن النمر، والدكتور عصام بخاري من المملكة، ومديرة مهرجان أفلام التحريك أنيتا أوزوريك من بولندا، والمخرج العراقي محمد الدراجي، والمنتج فريد وانغ من هونغ كونغ، وأسهم هذا الحضور المتنوع لشخصيات من مختلف أنحاء العالم في إثراء النقاش. وقد تقاسم الضيوف مع الطلاب رؤاهم حول آفاق التطور والارتقاء في هذا المجال، وشاركوا قصصهم الملهمة وتجاربهم السينمائية المختلفة.
الأفلام والجوائز
لعل أبرز وأهم ما طبع هذا المهرجان هو العروض السينمائية المميزة التي أكدت قدرة هذا الجيل الصاعد على أن يكون طرفًا مهمًا في المعادلة، ولفتت الانتباه إلى مدى تمكن صناعها من الشباب من أدوات السرد السينمائي. وتنوعت العروض ما بين الأفلام الروائية وأفلام التحريك والأفلام الوثائقية، وتميزت بأصالة في الطرح وقوة في الأسلوب. وكان المهرجان فرصة لتسليط الضوء على إبداعات الجيل الجديد والمواهب الواعدة من صناع السينما الشباب، دعمًا لمسارهم الإبداعي والفني في مجال السينما.
وقد حظي فيلم الرسوم المتحركة «ليلة الشهب» لأديم العدوان بجائزتي أفضل فيلم رسوم متحركة سعودي وأفضل فيلم عن الثقافة السعودية. وتدور أحداث هذا الفيلم الذي كان من إنتاج جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن حول ليلى، الحِرفية المتخصصة في النسيج، التي تسعى إلى نيل التقدير على موهبتها. غير أن طموحها، حين يتجاوز حدوده، يضعها أمام عواقب قاسية تقودها إلى اكتشاف معنى مختلف للنجاح.
أما على صعيد الأفلام الوثائقية، فقد نال فيلم «أثرنا الخالد» لمخرجه عبدالله القرني، من جامعة الملك عبدالعزيز، جائزة أفضل فيلم وثائقي سعودي. وهو فيلم يوثق رحلة خدمة ضيوف المسجد الحرام، مسلطًا الضوء على روح التطوع والتفاني الإنساني الذي يبديه المتطوعون في رعاية ضيوف الرحمن. كما حصد فيلم «انبعاث» من إنتاج جامعة الملك فيصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي عن الثقافة السعودية، وقد لفت هذا الفيلم الأنظارَ بما انطوى عليه من جماليات على مستوى الصورة السينمائية.
وقد جاء على رأس الأفلام الروائية المتوجة فيلم «صرخة نملة» للمخرجة لجين سلام من جامعة عفت، الذي عكس تمكنًا كبيرًا من أدوات السرد السينمائي، وطرحًا ذكيًا على مستوى القصة، ونال جائزة أفضل فيلم روائي سعودي. ويستكشف هذا الفيلم قضايا الحرية والهوية الذاتية وتعقيدات الروابط العائلية في المجتمع السعودي المعاصر، بطريقة ميلودرامية آسرة. كما حصل «من تراب» لمخرجته دانا القدهي على جائزة أفضل فيلم روائي عن الثقافة السعودية.
النقد السينمائي وحضور «ميم» في المهرجان
شهدَ اليوم الختامي من المهرجان ندوةً حملت عنوان «ما حاجتنا للنقد السينمائي؟»، وكان ضيفاها مديرَي منصة «ميم السينمائية»، الرئيسة التنفيذية لشركة «ميم الإبداعية للفنون» مها سلطان، ورئيس تحرير المنصة قيس عبداللطيف، حيث تناولا من خلالها آفاق وأبعاد النقد السينمائي في الساحة السينمائية السعودية.
الندوة التي حضرها جمهور المهرجان وعددٌ من طلاب وأساتذة جامعة عفت، فتحت نقاشًا مهمًا حول النقد، انطلق من الأساس النظري للموضوع، إذ بدأ بسؤال تجريدي: «هل السينما السعودية اليوم بحاجة إلى النقد؟». ومن خلال قراءة متأملة للمشهد السينمائي الوليد، الذي يقترب من عبورِ عتبة عقده الأول من الزمن، عرض الضيفان تصورهما عن المشهد الذي يسير في اتجاهاتٍ متنوعة ومتعددة، ويحركه عددٌ من صناع السينما من أجيالٍ مختلفة، لكلٍ منه آماله وتطلعاته وأفكاره التي يريد أن يراها على أرض الواقع.
ومن قراءة الأسس النظرية، انتقلت الندوة إلى استحضار التجارب السينمائية العالمية التي كان للنقد دورٌ في تشكيلها ورسم خط تطورها. وقد انصبّ التركيز الأكبر على السينما الفرنسية، التي أنتج ثلةٌ من نقادها الموجةَ الفرنسية الجديدة، إذ خلعوا عن أنفسهم رداء النقد ودخلوا عالم الصناعة، حتى يجسدوا أفكارهم النظرية على الشاشة.
وقد كانت هذه المقاربة للتجارب العالمية الأساسَ الذي بُني عليه النقاش، حيث قادت إلى مقارنة مع المشهد السينمائي السعودي الراهن، ليخلص الضيفان إلى أن حاجة السينما في السعودية تتمثل في بناء معرفة سينمائية نظرية تتولد منها تصورات وأفكار واضحة للخطوط التي يمكن للحركة السينمائية المحلية السير عليها، بما يقود في النهاية إلى خلق هوية تُميّز هذه السينما وتُعرِّف بها عالميًا، وتساعد كل الصناع الشباب الذين يدخلون المجال على بناء طريق ممهد -على نحو تراكمي- يمكنهم السير عليه.
وفي ختام الجلسة، تبادل الضيفان الأفكارَ مع الحضور وأجابا عن التساؤلات التي أثارها عدد من الطلاب، الذين وجدوا في ذلك فرصةً لاستكشاف أبعاد العلاقة التي يمكن أن تربطهم بالنقد والنقاد السينمائيين، لا سيما أنهم هم الجيل القادم من الصنّاع.
اختتمت الدورة الـ13 من مهرجان «شوريل» بحفل ختام متميز، حيث تم تكريم ضيوف الشرف، الذين ألقوا كلمةً خاصة بمناسبة هذا التتويج، توجهوا فيها إلى الطلاب برسائل ملهمة. كما تم تكريم الأفلام الفائزة في المهرجان بجوائز مرموقة دعمًا لصناعها. وبذلك يرسخ المهرجان مكانته الكبيرة كمنصة أولى لدعم المواهب الصاعدة، وتهيئة الطلاب إلى خوض غمار المنافسة في المهرجانات العالمية، ليكون بذلك المحطةَ الأساسية الأولى في مسارهم السينمائي، في فضاء يلتقي فيه الشغف بالمعرفة، وتتحول فيه الأحلام إلى واقع معاش.


