«وحدها تحت الضوء».. سندريلا الشاشة العربية التي حركت وجدان الجمهور العربي

June 2, 2026

بمناسبة مرور خمسةٍ وعشرين عامًا على غياب سعاد حسني، يستعيد معرض «وحدها تحت الضوء» حضورها بوصفها واحدة من أكثر الصور رسوخًا وتعقيدًا في الوجدان البصري العربي؛ صورةً ظلّت معلّقة بين الحقيقة والتخييل، وبين الحضور الإنساني والتحوّل إلى أيقونة. فـ «سندريلا الشاشة العربية» لم تكن مجرد نجمة سينمائية، وإنما حالة متحوّلة باستمرار، عصيّة على الاختزال داخل صورة واحدة أو معنى نهائي. في ملامحها، كان الجمال يجاور الانكسار، وكانت الخفة الظاهرة تخفي طبقاتٍ أكثر هشاشة وقلقًا، لتبدو دائمًا وكأنها تتحرّك داخل الضوء وضدّه في الوقت ذاته.

متجاوزةً موقعها كممثلة أو مطربة، شكّلت سعاد حسني مرآةً دقيقة للتغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر والعالم العربي عبر عقود متلاحقة. فمنذ بداياتها، قدّمت صورةً لأنوثة معاصرة ومتحررة نسبيًا، لكنها بقيت قريبةً من الوجدان الشعبي ومن تركيبته الثقافية. غير أن هذه الصورة لم تظلّ ثابتة؛ إذ أخذت تتعقّد تدريجيًا مع تطور تجربتها الفنية، خصوصًا عبر تعاوناتها المفصلية مع صلاح جاهين ويوسف شاهين، حيث تحوّلت أدوارها من تمثيل المرأة داخل المجتمع إلى مساءلة موقعها فيه، سياسيًا ونفسيًا ووجوديًا. ومن خلال هذا التحول، أصبحت شخصياتها السينمائية تتحرك عند تقاطع الحميمي والعام، كاشفةً التصدعات العميقة التي صاحبت تغيرات المجتمع المصري الحديث.

ضمن هذا السياق، تظهر ثلاثة أعمال سينمائية بوصفها محطاتٍ كاشفة لهذا المسار: «القاهرة ٣٠» للمخرج صلاح أبو سيف، والمقتبس عن رواية نجيب محفوظ، حيث تتجلى البنية الطبقية للمجتمع بكل تناقضاتها الأخلاقية والاجتماعية؛ ثم «الاختيار» للعبقري يوسف شاهين، الذي حوّل لحظة الانكسار السياسي إلى تجربة بصرية وإنسانية كثيفة؛ وأخيرًا «الكرنك» للمخرج علي بدرخان، المأخوذ أيضًا عن عالم محفوظ، والذي كشف الأثر النفسي للعنف والقمع وخيبات الوعي السياسي. وبين هذه الأعمال الثلاثة، يمكن قراءة المسار الذي عبرته صورة سعاد حسني: من تمثيل البنية الاجتماعية، إلى اليقظة السياسية، وصولًا إلى التصدعات الداخلية والهشاشة الإنسانية.

وقد انعكس هذا التحول بوضوح على حضورها الجسدي داخل الصورة السينمائية. ففي مراحلها الوسطى، لم يعد الجسد مجرد أداة للظهور، بل مساحة تتقاطع فيها الرغبة والسلطة والانكشاف. ومع تبدّل اللغة البصرية للسينما والتغيرات المجتمعية، أصبحت صورتها أكثر قابلية للتأويل والإسقاط، وأكثر انفتاحًا على الهشاشة. وفي أعمالها المتأخرة، قدّمت شخصيات مثقلة بالتعب النفسي والانطفاء التدريجي، كاشفةً جانبًا نادرًا من هشاشة النجومية ذاتها، ومن الثمن الفادح خلف الاستمرار تحت الضوء.

وراء هذا الحضور الطاغي، كان هناك دائمًا توتر داخلي أقل ظهورًا وأكثر عمقًا. يلتفت المعرض إلى هذا الجانب بوصفه جزءًا أساسيًا من تكوين صورتها؛ إلى الكلفة الخفية للبقاء الدائم تحت المراقبة، وإلى العزلة التي قد تنتج عن التحوّل إلى صورة عامة. وفي سنواتها الأخيرة، بدا هذا التوتر أكثر وضوحًا، خاصة بعد رحيل صلاح جاهين، أقرب شركائها فكريًا وإنسانيًا. ومن دون اختزال تجربتها في بعدها الشخصي، يظل هذا الغياب حاضرًا كأثر أعاد تشكيل علاقتها بنفسها وبصورتها العامة، وبذلك التوازن الهش بين البريق والانكسار.

في هذا السياق، تأتي تجربة الفنان د/محمد أبو النجا لتتعامل مع سعاد حسني لا كصورة تنتمي إلى الماضي، بل كحضور بصري ما يزال قادرًا على التحوّل وإنتاج معانٍ جديدة. لا ينشغل أبو النجا باستعادة صورتها بقدر ما ينشغل بتفكيكها وإعادة تركيبها، كاشفًا الطبقات المتعددة التي صنعت حضورها داخل الذاكرة الجمعية. ومن خلال الطباعة الحريرية، والرسم، ونقل الصور الفوتوغرافية على خامات شفافة من التول، يبني تكوينات بصرية تتداخل فيها الصور وتختفي ثم تعود للظهور، في حركة مستمرة بين الوضوح والمحو. هنا لا تصبح الشفافية مجرد عنصرٍ بصري، وإنما جزءًا من فكرة العمل نفسها؛ وسيلة للتعامل مع الهوية بوصفها حالة متغيرة، غير مكتملة، ومفتوحة على احتمالات متعددة.

في أعمال أبو النجا، لا تظهر سعاد حسني كصورة واحدة مكتملة، بل كحضور متعدّد الطبقات، يتوزّع عبر أدوارها السينمائية المختلفة. فهي لا تُستعاد كجسد بصري ثابت، بل كحالات متجاورة من الظهور: مرحة، قلقة، حميمة، واستعراضية، تتداخل داخل بنية الذاكرة كطبقات بصرية تتأرجح بين الوضوح والاختفاء، وبين الذاكرة والاستدعاء.  لا يسعى الفنان هنا إلى إعادة إنتاج صورتها بقدر ما يعيد بناء السياقات التي تشكّلت من خلالها تلك الصورة: كيف اعتاد الناس النظر إليها بصورتها المتغيرة باستمرار، وكيف عاشت داخل الوعي الجمعي، وكيف تستمر في التحوّل حتى اليوم.

ولعلّ أعمال أبو النجا على الورق تكشف الجانب الأكثر هشاشة وحميمية في المشروع. ففي هذه الأعمال، يفسح اختزال الوسيط المجالَ لنوع مختلف من التأمل؛ إذ يسمح غياب الطبقات بظهور الإيماءة والتعبير والصمت بقدر أكبر من الصفاء والمباشرة. هنا لا تُختزل الصورة أو تُبسّط، بل تُكثّف إلى حدّها الأكثر قربًا وإنسانية.

لا يسعى معرض «وحدها تحت الضوء» إلى توطين سعاد حسني داخل رواية نهائية أو صورة مغلقة، بل يفتح حضورها على إعادة اكتشاف مستمرة. فمن خلالها، ينشغل محمد أبو النجا بأسئلة أوسع تتعلق بالذاكرة، والرؤية، وكيفية تشكّل الأيقونات الثقافية واستمرارها. فالضوء هنا لا يكتفي بالكشف، وإنما يُنتج ويحوّل، وأحيانًا يربك ما يسلّط عليه حضوره. وما يتبقى في النهاية ليس تاريخًا مغلقًا، بل فضاءً مفتوحًا تواصل فيه صورتها إعادة تشكيل حضورها داخل الذاكرة الجمعية؛ بوصفه حضورًا عصيًّا على الاكتمال.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى