هناك سؤال يخطر ببالي كلما عدت إلى مشاهدة مسلسل «الفصول الأربعة» للمرة التي لا أعرف عددها، وهو لماذا نعود إلى أعمال نعرف نهاياتها بالفعل، ونحفظ عناوين حلقاتها، ونستطيع أن نردد بعض حواراتها عن ظهر قلب، بينما تنتظرنا مئات الأعمال الجديدة التي لم نشاهدها بعد؟ وينتهي بي الأمر إلى إدراك أن الإجابة لا تكمن في القصة بقدر ما تكمن في البيت الذي تدور فيه الأحداث. بعد كتابتي لمقالة نقدية عن مسلسل «أهل الغرام»، وجدت نفسي أطرح مجددًا موضوع الذاكرة الجماعية لدى المشاهدين ونوستالجيا المسلسلات والدراما السورية في تلك الفترة التي أصفها بالأصلية، والسبب وراء تفرد الأعمال الدرامية التي حفرت طريقها في ذاكرتنا كمشاهدين.
لقد جاء بيت العائلة، بيت الجد "كريم" والجدة "نبيلة"، متجاوزًا كونه مجرد موقع تصوير تدور فيه الأحداث، ليغدو القلب النابض للمسلسل ككل. فقد كان المكانَ الذي تتقاطع فيه حكايات البنات وأزواجهن وأحفادهن، والمساحة التي يعود إليها الجميع مهما ابتعدوا أو اختلفوا. وحتى بعد مرور سنوات طويلة على عرض العمل، ما زلت أتذكر تفاصيل ذلك البيت أكثر من تفاصيل بعض أحداث الحلقات نفسها، وقد شاهدت بعض المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي يعودون لزيارة وتصوير البيت من الداخل، ليصبح بذلك معلمًا حيًا في أحد أحياء دمشق؛ منبسطًا وفاتحًا أبوابه للزوار.
وقد كنت، في أغلب مراجعاتي النقدية، أطرح موضوع الذاكرة الجماعية التي يتقاسمها المشاهدون، لما يحمله هذا الموضوع من أهمية كبيرة في سياق التلقي الفني، واختلافه من مسلسل إلى آخر. وربما لهذا السبب لا يبدو «الفصول الأربعة» مجرد مسلسل بالنسبة لجيل كامل من المشاهدين، وإنما ذاكرة جماعية حية، استطاعت المحافظة على اتقادها رغم مرور السنين وتعاقب الأجيال. فكل زاوية في بيوت الشخصيات، وكل قطعة أثاث، وكل شارع التقطته الكاميرا، وكل الأغاني واﻷعمال الفنية التي ذُكرت ضمن حوارات الشخصيات، أو ارتباط أغنية بمشهد معين، أو الاحتفاء بـ فنان أو شاعر أو مفكر ذُكر في أكثر من حلقة أو كان عنوانًا لها، جميعها تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من نوستالجيا جمعية خاصة بنا. ولذلك عندما نعيد مشاهدته فإننا نزور زمنًا كاملًا نشتاق إليه. وهنا يبرز سؤال آخر، هل بتنا نفتقد اليوم الدفء والحميمية في الأعمال الدرامية المعاصرة؟ أم أن هذه كانت موهبة خاصة امتلكها عدد قليل من المؤلفين والمخرجين الذين عرفوا كيف يحولون التفاصيل اليومية العادية إلى جزء من وجدان المشاهد؟
في «الفصول الأربعة»، قدمت ريم حنا ودلع الرحبي شخصيات شديدة الصدق والبساطة، شخصيات تحمل اختلافات فكرية وثقافية ونفسية وطبقية، وتطرح قضايا المجتمع السوري آنذاك دون شعارات أو خطابات مباشرة. فلم تكن الشخصيات مثالية، لكنها كانت حقيقية إلى درجة جعلنا نشعر أننا نعرفها شخصيًا. فشخصية "نجيب"، على سبيل المثال، هي تجسيد لشخصية الرجل المثقف والمتعلم، الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية وفكرية تكاد تختفي اليوم أو اختفت بالفعل، رجل متمسك بقيمه ومبادئه رغم تغير العالم من حوله. لم يُكتب بوصفه بطلًا استثنائيًا، وإنما ظهر في صورة إنسان عادي يحمل تناقضاته الخاصة، وهذا ما جعله مقنعًا وقريبًا من الناس، ويمكن القول أن هذه التفصيلة تعد إحدى أهم نقاط قوة العمل، فالشخصيات كُتبت لتكون صادقة وخالدة في ذاكرتنا، وهذا ما جعلنا نحبها رغم عيوبها، ولعل سبب تعلقنا بها كان العيوب نفسها التي حملتها.
يبقى بيت الجد "كريم" والجدة "نبيلة"، بالنسبة لي، البطلَ الحقيقي للمسلسل، فالبيت يمثل دمشق كما أحبها الناس، بيتًا مفتوحًا للجميع، مليئًا بالاختلافات والخلافات الصغيرة والضحكات والمصالحات. كان صمام الأمان الذي تعود إليه الشخصيات كلما تفرقت بهم السبل في الأوقات الصعبة، فكانت العائلة، في نهاية اليوم، تجتمع على طاولة واحدة، في أزمنة الفرح والحزن على حد سواء.
الجزء الذي لا أريد مشاهدته
لقد قدم المخرج الراحل حاتم علي ما اعتاد تقديمه دائمًا: عملًا يبدو بسيطًا على السطح، لكنه يزداد عمقًا كلما مر عليه الزمن. لم يكتفِ بجزء واحد، وإنما مضى أبعد من ذلك، ليمنح المشاهد الفرصة لمتابعة تطور الشخصيات وتغير ظروفها عبر جزأين، حتى أصبحت هذه العائلة جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
ربما لهذا السبب ظل سؤال الجزء الثالث حاضرًا لسنوات: لماذا لم يعد «الفصول الأربعة» إلى الشاشة بجزء آخر؟ لكن كلما فكرت في الأمر أكثر، وجدت نفسي أميل إلى فقدان الرغبة في رؤية جزء جديد، إذ أرغب في الاحتفاظ بالعمل في ذاكرتي كما هو، دون أي تغيير أو تشويه للذكرى القديمة. ولا يرجع ذلك إلى رحيل بعض نجوم العمل وصعوبة تخيل شخصياتهم في وجوه أخرى وأشكال أخرى، ولكن لأن سوريا نفسها لم تعد تلك التي عرفناها في ذلك المسلسل. لقد تغير المجتمع، وتبدلت أو اختفت الطبقات الاجتماعية التي شاهدناها عبر حلقاته، والأحداث السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد أعادت تشكيل حياة الناس بالكامل.
ولو حاول العمل، أو الجزء جديد منه، أن يكون صادقًا مع مجريات الواقع الحالي، فلن يستطيع الهرب من هذه التحولات. وسيجد نفسه مضطرًا لطرح أسئلة أكثر قسوة وتعقيدًا، والتعامل مع جروح أعمق بكثير من تلك التي عرفتها شخصيات المسلسل سابقًا. عندها لن يكون «الفصول الأربعة» الذي نعرفه، سنحصل على عمل مختلف تمامًا، يحمل أسماء الشخصيات نفسها ربما، لكنه سيعكس وجهًا آخر أكثر ظلمة وحزنًا من المجتمع. وربما لهذا السبب بالذات أميل إلى الاعتقاد أنه من الأفضل بقاء المسلسل كما هو، محفوظًا في ذاكرتنا، في الصورة التي أحببناها.
وفي حين أن بعض الأعمال لا تحتاج إلى تكملة في الكثير من الأحيان، أكتشف، مع مرور السنين، أن نوستالجيا هذا العمل لم تعد مرتبطة بالمسلسل نفسه بقدر ما أصبحت مرتبطة بنسخنا القديمة، وبأعمارنا آنذاك، وبالناس الذين كانوا يجلسون معنا أمام الشاشة، وبالأيام التي بدت أبسط مما هي عليه الآن، لذلك ربما لا يكمن سر خلود «الفصول الأربعة» في أنه حكى قصة عائلة سورية، وإنما في نجاحه في جعل كل واحد منا يرى أطياف عائلته الخاصة منعكسةً بين تلك الجدران.
ويبقى السؤال الذي يراودني كلما انتهت الحلقة الأخيرة: هل نحن حقًا نشتاق إلى ذلك البيت، أم أننا نشتاق إلى الأشخاص الذين كنّا عليهم عندما دخلناه للمرة الأولى كمشاهدين؟

.jpg)

