يعرض فيلم «لا خيار آخر» (No Other Choice) للمخرج بارك تشان-ووك كيف يمكن للظروف أن تنقلب رأسًا على عقب في لحظة واحدة. في المشهد الافتتاحي، نرى عاصفة هوجاء تخيّم فوق منزل العائلة، كأنها نذير مبكر بتحوّل قاسٍ سيطال حياة بطل الفيلم وعائلته إلى الأبد.
«يوه مان-سو» رجل في منتصف العمر، خبير في صناعة الورق منذ خمسةٍ وعشرين عامًا، يعيش مع زوجته «ميري» وابنيهما حياة تبدو مستقرة. هذه الحياة تُهدَّد فجأة مع صدور قرار فصله من العمل. يصوّر الفيلم عجز البطل، في سن يصعب عليه إيجاد وظيفة جديدة فيها، وما يتعرّض له من زعزعة نفسية وشعور بتهديد لمكانته الاجتماعية والاقتصادية، وما يترتّب على ذلك من تصدّع في البنية التي يقوم عليها البيت الذي يُعيله.
يتجاوز الفيلم الصورةَ المعتادة في النظر إلى البطالة على أنها فقدان الوظيفة، ليقدّمها بوصفها انكسارًا في علاقة الفرد بالعالم. فالعملُ ليس مجرد نشاط اقتصادي أو مصدرًا للدخل، فهو هنا بمثابة الصيغة التي تمنحُ الإنسان موقعه الاجتماعي ولغته التعريفية. ومع غيابها، يُترك الفرد بلا راتب، وبلا موقع، وبلا إطار ينتمي إليه.
هذه الفكرة ليست جديدة فلسفيًا، لكنها تُستعاد في الفيلم ببرود قاتل، يخلو من أي خطاب تفسيري أو نبرة احتجاجية، وهي تتقاطع مع رؤية كارل ماركس (Karl Marx) القائلة أن العمل في ظل الرأسمالية الحديثة، لم يعد تعبيرًا عن الذات، بل أضحى وسيلة اغتراب عنها. غير أن «لا خيار آخر» يذهب أبعد من ذلك خطوة، إذ إن العمل صار موردًا نادرًا، ولم يعد حتى مجالًا للاستغلال. ومع هذه الندرة، تتبدّل العلاقة بين البشر، ويتحول معها الزميل من شريك إلى احتمال للإقصاء.
تنافس وجودي
الصراع البشري لم يتوقف يومًا، وظلّ يغيّر موضوعه من زمنٍ إلى آخر. فما بدأ صراعًا على شروط البقاء المادي، تحوّل بمرور الزمن إلى صراع على المعنى والقيمة والموقع. وفي عالم اليوم، تتكثّف هذه الصراعات كلها في نقطة واحدة: الوظيفة؛ المورد الذي يُعاد عبره تعريف الإنسان لنفسه. فالوظيفة اليوم أكثر من مجرد وسيلة عيش، هي منبع القيمة التي يُقاس بها الإنسان الحديث، والشرط الذي يسمح له بأن يبقى متصالحًا مع نفسه بحكم قدرته على الإنتاج. ولهذا، فإن فقدانها يمس الدخل ويضرب الكرامة والثقة بالذات في جوهرهما، ويحوّل العلاقة مع الآخرين من تعايش إلى تنافس وجودي.
لذلك يصعب اختزال «لا خيار آخر» في كونه مجرد فيلم عن رجل فقد وظيفته، لأنه في جوهره فيلمٌ عن إنسان يحاول استعادة قيمته في نظر من حوله، ولو على حساب حياة غيره. وكما بدأ الإنسان تاريخه في صراع مع الطبيعة والبشر، يواصل في هذا الفيلم صراعه مع أخيه الإنسان، لكن داخل أشكال جديدة من الوحشية؛ التي لا تأتي دائمًا في هيئة فرد، وإنما في صورة منظومة، أو آلة، أو منطق بارد يقول ببساطة: لا خيار آخر.
ومن هذا الموقع تحديدًا يأتي المشهد الذي يتحدث فيه البطل إلى رئيس الشركة الأمريكي. فيتكلّم دفاعًا عن زملائه، ظنًا منه أنه لا يزال خارج دائرة الإقصاء، محاولًا أن يشرح بلغة ثقافية الفرقَ بين الفصل من العمل كإجراء إداري، و«قطع العنق» كعقوبة رمزية. ليأتي الرد الأمريكي: «لا خيار آخر»، الذي يُقال ببرود منطقي دون قسوة متعمدة. فالجملة هنا لا تبرّر العنف، ولكنها تُفرغه من أي بعد أخلاقي، إذ تُحوّل القرار إلى ضرورة مجردة تفرضها الآلة الاقتصادية.
هذه العبارة، التي تمرّ في البداية بصفتها تعليقًا إداريًا عابرًا، تتحوّل تدريجيًا إلى منطق كامل يحكم الفيلم. فبعدَها مباشرة، يتجاوزُ الفيلم الانفجار والاحتجاج، ويختار إدماج البطل في جلسة دعم جماعية للمطرودين من وظائفهم. ويعدُّ هذا الاختيار مفتاحًا لقراءة الفيلم، لما يتمتّع به من ثقلٍ دلاليٍّ على خلاف ما قد يوحي به من سردٍ عابرٍ. فالجلسة تُقدّم آليةَ احتواء ناعمة تُحوِّل الإقصاء من مسألة بنيوية إلى عبء شخصي، حيث يُدفع الفرد إلى إدارة خسارته ذاتيًا والتكيّف معها بوصفها قدرًا.
الوظيفة: دورٌ لا مهارة
من هنا، يصبح مفهوم «البحث عن عمل» مضلّلًا. فالبطل لا يبحث عن «أي وظيفة»، بدافع العناد أو الحنين، لكن لأن العمل أصبح بمثابة هوية تُعرّف صاحبها، لا مجرد مهارة قابلة للنقل. ولا ينطلق تمسّكه بصناعة الورق من شغف مهني بقدر ما ينطلق من وعي رمزي بذاته، وبكونه «رجل صناعة الورق»، إذ يستمد من هذا التعريف قيمته وموقعه في العالم.
غير أن هذا البُعد الرمزي لا يظل معلقًا في الفراغ، إذ يتكثّف لاحقًا في بُعدٍ مادي لا ينفصل عنه. فحين تتعرض هذه الهوية للتهديد، يصحبها كذلك الدور الذي ترتّب عليها داخل البيت؛ أي دور الداعم الذي يمنح الاستقرار بوصفه استمرارية لا سلطة. هنا لا تُمسّ الكرامة في معناها المجرد وحسب، إذ يختلّ التوازن بين المعنى والمادة معًا، حين يفقد المرء تعريفه لنفسه ويُطالَب في الوقت ذاته بأن يظلّ قادرًا على الإعالة، كأن أحد الأمرين يمكن أن يتحقّق دون الآخر.
لذا، يغدو القلقُ في الفيلم خوفًا من التحوّل إلى شخص لا يملك ما يقدّمه، وإلى ذاتٍ زائدة عن الحاجة، لا خوفًا من الفقر. وهو قلق يتجنّب الخطاب المباشر، ويتسلّل عوضًا عن ذلك إلى التفاصيل اليومية وإلى قبول تدريجي لشروط لم يكن البطل ليقبلها سابقًا. وهنا يعمل الإخراج على مستوى الإيقاع والمسافة؛ فالمشاهدُ تأتي أطول من المعتاد، والفراغات بين الشخصيات أكبر، وكأن الزمن نفسه قد أصبح أكثر ثقلًا.
تنعكس هذه الحالة بوضوح في مشاهد المقابلات الوظيفية التي تُصوَّر بإيقاع بطيء وإضاءة قاسية. فالضوءُ الساطع خلف الزجاج، والألم الجسدي الصامت، والأسئلة التي تُطرح بلا اكتراث حقيقي بالإجابات، كلّها تحوّل المقابلة إلى ما يشبه جلسة تحقيق. هنا، لا يُختبر الذكاء ولا تمتحن الخبرة، وإنما يسلط الضوء على القدرة على الاحتمال. وكأن الجسد نفسه يصبح موقع اختبار، مصورًا العمل على هيئة امتحانِ طاعةٍ وصمود.
الأخلاق حين تصبح إجراءً
ما يميّز «لا خيار آخر» هو أن الانهيار الأخلاقي لا يأتي بقفزة مفاجئة، ولا نتيجة مباشرة لليأس، لكن كحصيلة للاستمرار داخل منطق «لا خيار آخر»، إذ تجد كل خطوة تبريرًا عقلانيًا في لحظتها، ويبدو كل تجاوز قابلًا للفهم ضمن سياقه. ومع تراكم هذه الخطوات، يزداد تماسك النظام، الذي يواصل عمله بكفاءة أعلى، فيما يتآكل الفرد من الداخل.
هنا يستعيد الفيلم أطروحة حنّة أرندت عن تحوّل الشر إلى إجراء داخل وظيفة تُؤدَّى بلا مساءلة، أي كحصيلة وظيفية لمنطق يفرض الاستمرار بأي ثمن، مبتعدًا عن تقديمه كخلل أخلاقي صارخ.
الأفق التقني ونهاية المعنى
يحضر الذكاء الاصطناعي في الفيلم كأفق صامت يُفرّغ العمل من معناه، دون أن يغدو تهديدًا مباشرًا له. حيث الآلات تعمل بكفاءة، ولم تعد المعرفة ضمانًا، ويتم الإبقاء على الإنسان بقدر ما يظل قابلًا للإدراج داخل النظام. في هذا العالم، يُقاس المرء بمدى نفعه أكثر مما يُنتج. وهنا يتقاطع الفيلم مرة أخرى مع النقد الماركسي، إذ يتحوّل العمل من موقع الاغتراب ليصبح شرطًا عاريًا للبقاء.
في المشهد الأخير، نرى الوظيفة وقد اختزلت في ضغطة زر داخل مصنع صار يعمل آليًا، فيصل الفيلم معها إلى خاتمة منطقية، لا إلى ذروة بالمعنى التقني. نرى في البداية أن البطل كان قادرًا على الحديث عن صناعة الورق بوصفها حرفةً ذات تاريخ ومعنى. لكنه، في النهاية، لم يعد يصنع شيئًا، غير أنه احتفظَ بالبيت، والاستقرار الشكلي، وموقعه داخل العائلة. أي أن ما نجا هو الشكل، وما فُقد هو المعنى. وبهذا يتجاوز عنوان الفيلم توصيفَ حالة فردية معزولة إلى تشخيص بنية كاملة.
"لا خيار آخر" ليست جملة تبريرية، ولكنها منطق عمل يُقنع الأفراد بأنهم أحرار، ثم يضيّق خياراتهم إلى الحد الذي يجعل الانحراف نتيجة متوقعة، لا استثناءً. ولذا فإن السؤال الذي يتركه الفيلم معلقًا لا يكون أخلاقيًا بقدر ما هو وجودي: «حين يصبح العمل مجرد شرط للاستمرار، ماذا يتبقّى من الإنسان؟».



.jpg)
