النقد السينمائي راهنًا: هل يمكن ممارسة النقد من المسافة صفر؟

لا أكفّ عن التفكير في التحولات الهائلة التي طرأت على النقد السينمائي خلال العقد الأخير؛ فهي تحولات تجاوزت الشكلانية ومسّت جوهره، بفعل الهيمنة الرقمية الكاسحة وما يصحبها من معاثر للكتابة في فضاء سيبراني يبتلع ما لا يناسب قواعده، كثقب أسود تديره الخوارزميات، إلى جانب دمقرطة أفقدت الممارسة قبسًا من تمايزها وسلطتها. لم يعد النقد ممكنًا بصيغته التقليدية؛ فقد تغير على نحو جذري: تبدل نمط ممارسته، وانحسر دوره، وتقلصت -ولو ظاهريًا- مبررات وجوده، إلى حد يبدو معه أن شروط إمكانه نفسها آخذة في التلاشي.

ولكي يتسنى لنا التفكير في هذه التحولات الهيكلية، علينا أولاً أن نحدد ما هو النقد؛ أي أن نُعيّن هويته. فالنقد ليس تعليقًا لاحقًا على فيلم، ولا انطباعًا ذكيًا يُكتب بعد انتهاء العرض؛ تلك مجرد ردود فعل لا تقول الكثير عن ماهية النقد. إن النقد في جوهره فعل إبطاء مقصود، مقاومة واعية لسرعة الصورة، والعمل على إقامة حد فاصل بين الفكر وموضوعه؛ أي الوقوف بين الصورة ومعناها.

وهذا الوقوف مشروط بشيء حاسم على بساطته: المسافة. المسافة هي شرط إمكان الحكم النقدي؛ إذ تمنح الوعي مناعته وتحصنه إزاء فيضان الصورة، وتحول دون انغماسه الكامل في سيلانها الجارف. ذلك أن الصورة، حين تبلغ ذروتها في الكثافة والتدفق، تبتلعنا ولا تترك مجالاً للتفكير، إذ تدهس على الوعي وتقيده ضمن حدود الاستجابة الفورية. ومن هنا، يتجلى النقد بوصفه جهدًا حثيثًا لحماية هذه المسافة.

وليس هذا التصور ببدعة. فمنذ أرسطو، الذي فهم المسافة كشرط منتج للفهم؛ حيث تتيح للمحاكاة أن تتحول إلى معرفة تطهيرية1، مرورًا بكانط الذي جعل منها شرطًا لإمكان الحكم الجمالي؛ إذ لا يكون 3الحكم ممكنًا إلا حين يتحرر من التورط والانغماس2، وصولًا إلى أدورنو الذي رأى فيها جرحًا غير قابل للالتئام بين المفهوم وموضوعه؛ جرحًا يبقي التفكير متوترًا ومنفتحًا. 

ثم يأتي والتر بنيامين ليكشف عن منعرج خطير، إذ تبدأ ما يسميه "الهالة" في التآكل بفعل التقنيات الحديثة4، ولاسيما التصوير الفوتوغرافي والسينما. ويعرّف بنيامين "الهالة" بأنها تلك الفرادة التي تميز العمل الفني، المرتبطة بحضوره الأصيل في زمان ومكان محددين، وبما يرافق هذا الحضور من تجربة طقسية وعبق خاص. إنها وهج يتبدد مع قابلية الفن للاستنساخ. ليس تمثال (المنتحبة) The Pietàبنفس جلاله حين نراه فيصورة عابرة، إذ تختزله الصورة وتجرده من  هالته. هكذا يفقد العمل الفني ندرته التي تفرض التوقف والتأمل، ويتحول إلى وجبة سريعة، وبذلك تنحسر المسافة اللازمة للحكم النقدي. أو بتعبير راهن: يتحول العمل الفني من حضور إلى محتوى. 

قال بنيامين ذلك في مطلع القرن الماضي؛ أي منذ نحو مائة عام. ومذاك والتقنية ضالعة في التوسع والهيمنة؛ فلم تعد تكتفي باستنساخ العمل الفني فحسب، بل أصبحت بنية شاملة تؤطر التجربة الجمالية برمتها، كما تحدد شروط إدراكها وحدود تداولها عبر الخوارزميات. وها نحن على عتبة منعطف أخطر من ذاك الذي عاصره بنيامين: الذكاء الاصطناعي الذي يهدد القول النقدي بقدرته على توليد مراجعات ومقالات نقدية  متماسكة. 

غير أن بنيامين تنبه إلى نتيجة ثانية للاستنساخ التقني، لا تقل أهمية عن أفول الفرادة وخفوت الهالة، هي دمقرطة الفن. يتيح الاستنساخ التقني تداول الأعمال الفنية على نطاق أوسع، فيحررها من سجنها النخبوي ويعرضها أمام جمهور أكبر، بما يفضي إلى نتيجتين متلازمتين. أولاهما إمكانية ارتفاع الوعي النقدي لدى الجماهير وثانيتهما تعاظم احتمالية التأثير على الوعي الجمعي عبر الفن، وهي مسألة سنعود إليها لاحقًا. 

وليست هذه بحادثة فريدة تاريخيًا؛ إذ شهدت المعرفة تحولًا مشابهًا مع ظهور الطباعة. فقد قوضت الطباعة احتكار المعرفة الذي كان قائمًا قبلها، وأتاحت على نحو غير مسبوق انتشار الكتب بين أيدي الناس. كما خلقت نمطًا جديدًا من القراءة يقوم على إعادة القراءة والمراجعة والفحص. وفي هذا الأفق تحديدًا يمكن النظر إلى الشك الديكارتي بوصفه ثمرة تمخضت بشكل غير مباشر عن هذا النمط الجديد من القراءة، كتعبير فلسفي عن تحول عميق في تلقي المعرفة، يغدو معه الشك منهجًا قابلًا للتكرار والتطبيق. 

ومع انتشار الإنترنت في مطلع هذا القرن، حدثت دمقرطة للنقد السينمائي، وجدت في المدونات شكلها الأولي، ثم أخذت الأصوات تتنوع والطرائق تتعدد، فظهرت مسالك جديدة في النقد لم تكن ممكنة بدون الإنترنت، مثل ظاهرة الـ"video essay" التي ذاعت بفضل اليوتيوب. لم يعد المرء بحاجة إلى مؤهلات أكاديمية حتى يمارس النقد، يكفي أن يحب الأفلام ويجيد الكتابة. وبذلك فقد الناقد التقليدي، الذي كان يكتب في الجرائد أو يظهر في البرامج التليفزيونية، سلطته المتمثلة في الوساطة بين الفيلم والجمهور. لم تعد حفنة أصوات تملك القدرة على توجيه الذائقة أو دفع الجمهور إلى مشاهدة فيلم بعينه. أصبح أفق التلقي مستعصيًا على الضبط والتوجيه بالصيغة التقليدية.

استفادت السينما، بلا شك، من دمقرطة النقد، واستفاد كثيرون -من بينهم أنا- من المجال الذي أفسحه الإنترنت ليعلن أي كان عن رأيه. ولعل الفائدة الكبرى لهذه الدمقرطة تتمثل في العدد الكبير من الأفلام التي أعيد اكتشافها بعد أن واراها النسيان. بيد أن فوكو حذرنا من أن السلطة لا تموت، إنما تعيد اختراع نفسها بأشكال أكثر تلونًا. فلم يمض وقت طويل حتى نسجت الشبكة العنكبوتية خيوطها حولنا جميعًا، خاصة بعد أن تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي المشهد، وشرعت في توظيف الخوارزميات لاستثمار هذا الكم الهائل من البيانات التي بحوزتها. وهكذا تحولت تعددية الأصوات التي أتاحتها الدمقرطة إلى قاعدة بيانات ضخمة قابلة للفرز والترشيح، تتيح بطريقة أو بأخرى للاستوديوهات الكبيرة التحكم بنطاق الظهور ومدى الانتشار، وتوجيه الذائقة كيفما وحيثما تشاء.

وبالعودة إلى تحذير بنيامين، فإنه برغم الدمقرطة التي تتيحها التقنية بعرض الأعمال على نطاق أوسع، فهي قد توفر في الوقت نفسه شروطًا طيعة للتأثير في الوعي الجمعي. قال بنيامين ذلك في سياق مغاير، محذرًا من سيناريوهات السيطرة على الوعي الجمعي بواسطة السينما، مثل الذي حدث في ألمانيا النازية مثلًا. وما حالتنا الراهنة إلا وجه آخر أكثر مواربة وتوغلًا من ذلك التحذير. 

راهنًا، ومع تحول كل شيء إلى بيانات: ما نكتبه من نقد وانطباعات ومراجعات، وما نشاهده وما نفضله والمدة التي نمكثها، فإننا لا نجد أنفسنا أمام مجرد فيض لا ينضب من الصور والمعلومات،  لكن بالأحرى نواجه تدفقًا يعاد تفصيله باستمرار، وبشكل مؤتمت، على مقاسنا. أصبحنا نرزح تحت وطأة الخوارزميات التي تنحت وعينا بمطرقة السرعة، فلا تترك لنا مجالًا للتأمل والتمحيص. تبدو الخوارزميات كغول منفلت لا يمكن كبحه، يستخدمنا بقدر ما نستخدمه.

نغدو، وفقًا لما تقدم، كالثعبان الذي يأكل ذيله. نجد أنفسنا داخل منظومة تغذي نفسها بنفسها؛ تتحول معها اختياراتنا وتفضيلاتنا إلى معطيات يعاد توظيفها لتشكيل ذائقتنا، مما يفضي إلى انغلاق الأفق وتآكل المسافة. نجد أنفسنا داخل تدفق دائم لا يترك فسحة للانفصال، غارقين في الآن، فلا يعود هناك ثمة خارج نقف عنده لنتنفس. وهكذا تبتلع الخوارزمية كل مسافة ممكنة، وتضعنا أمام الأفلام عند "المسافة صفر". وإذا كانت المسافة هي شرط إمكان النقد، فهل يمكن ممارسة النقد من المسافة صفر؟

بالطبع لا يمكن ممارسة نقد بناء من "المسافة صفر"، إذ تتحول الآراء حينها إلى استجابات فورية تصوغها حرارة الفضاء السيبراني، حيث تتكاثر الأحكام التضخيمية بصيغة أفعال التفضيل، وتستفحل ظاهرة التلقي السلبي للأعمال الفنية. في هذا المناخ، ينسحق فعل التلقي الموضوعي البارد، الضروري للوصول إلى حكم نقدي متزن، تحت وطأة تدفق خوارزمي عنيف، لا يكتفي بتسريع الاستجابة وربط السرعة بالانتشار والوصول فحسب، بل ويعيد تدويرها بحيث تصبح كل الآراء أصداء لبعضها البعض. وهنا بالتحديد، تغدو الأحكام الطازجة شحيحة ونادرة، ويتجمد الأفق النقدي داخل فائض لا نهائي من الأقوال التي تردد نفس النغمة.

وعلى هذا المنوال، يُصار بالإنسان إلى تموضع وجودي جديد، يخنقه ويحجب عنه المعنى، هو: (أنا-داخل-الخوارزمية). لكن الإقرار بهذا المنعطف الوجودي لا ينبغي أن يقودنا إلى مانفيستو عدمي عن نهاية النقد. وإن فعلنا، فإننا نكشف بذلك عن قصور في فهم تاريخ النقد واستيعاب ماهيته الأعمق. 

ولنا في التحولات المفصلية التي شهدها تاريخ المعرفة أسوة حسنة؛ فهي تكشف حقيقة مفادها أن النقد لا يزول بتبدل الوسائط، وإنما يعيد تأسيس شروطه كلما تغيرت أنماط تلقي المعرفة. فقد تبلور التفكير النقدي حين انتقل اليونان من الشفاهة إلى الكتابة، بما أتاح تثبيت القول وتأطير قواعد منهجية لإخضاع الفن للفحص والتحليل، كما عند أرسطو. ومع ثورة الطباعة وانتشار المعرفة، نشأت ذات قارئة بإمكانها إعادة النظر والتشكيك، وهو ما يجد تعبيره المنهجي في الشك الديكارتي. ولعل أوضح مثال قد نستقي منه يتمثل في ظهور الصحافة اليومية، إذ استجاب النقاد بتطوير حساسية خاصة تجاه العابر واليومي، وجعلوا منه موضوعًا لتفحيصهم وتمحيصهم، كما نلمس عند بنيامين في كتابه (مشروع الأروقة5)، والذي يناقش فيه واجهات المحلات والإعلانات بوصفها مؤشرات على روح العصر. لم يهرب النقاد من سرعة الحداثة، بل التقطوها وتفطنوا إلى قدرة اليومي والعابر على كشف حقائق لا يمكن رصدها بدونه.

يتضح إذن أن الإفلات من براثن الخوارزمية لا يتحقق إلا بالاشتغال من داخلها، وذلك عبر تبصر ما تنتجه من تنميط للإدراك وأفق تلقٍ شبه موحد. فمهمة الناقد اليوم لا تقتصر على إبطاء الفيلم،  لكن يجب أن تمتد إلى إبطاء الخوارزمية نفسها. وبالطبع لا أعني تعطيلها تقنيًا، ولكن أعني كسر إيقاعها، ومنعها من إحكام الدائرة التي تعيد من خلالها تشكيل الأذواق وإغلاق الأفق النقدي.

ويبدأ ذلك بتقويض ما يمكن تسميته بـ«بنية التماثل الإدراكي»، وهي تلك الحالة التي يتم فيها قولبة طرائق الفهم ومعايير الحكم تحت قناع من تعددية الآراء والدمقرطة. وتتشكل هذه البنية عبر آليتين: أولاهما تسطيح الزمن إلى حاضر ممتد يفرغ النقد من مرجعية التاريخ واستشراف المستقبل، وثانيهما وضع المتلقي داخل غرفة صدى تعاد فيها الأقوال ذاتها بتنويعات طفيفة، بحيث يبدو على ظاهرها الاختلاف، بينما هي من نبع واحد. 

تتضاعف مسؤولية الناقد للحفاظ على المسافة التي تخول له سدادًا في الرأي ومتانة في الحكم؛ فهو كما يسعى إلى خلق مسافته خارج العمل الفني، يسعى أيضًا بوعي لأن يجد لنفسه مساحة خارج الخوارزمية، تتيح له الظهور بوجهة نظر تشكل، في كل مرة، تمردًا على ما تدفعه الخوارزمية إلى كتابته. وكيف السبيل إلى ذلك؟

يطبق النقاد ممارسات نقدية واعية، تستخدم الخوارزمية كما تستخدمهم. ومع كل فيلم كبير تصدح أصداؤه في جنبات هذا الفضاء الرقمي، لا ينبغي للناقد المسؤول أن يبدأ تمرده بتجاهل الكتابة عنه. على النقيض، ينبغي

له -إن توفر لديه ما يقوله- أن يستغل الخوارزمية، التي ستسهم في ذيوع مقاله في هذه اللحظة بالذات، وأن يكتب عن الفيلم. السؤال هنا: أي نوع من الكتابة؟ 

هي تلك الكتابة المستعصية على التصنيف، التي ترفض، في كل مرة، أن تُختزل فتتحول إلى رقم في قاعدة بيانات ضخمة. كتابة تكون منهجًا في كيفية قراءة العمل، عبر تساؤلات شاقة لا تقدم إجابات جاهزة، بل قد لا تقدم إجابات أصلًا في بعض الأحيان. كتابة تتسم بعدم الاستقرار الوظيفي، إذ لا تنتمي إلى جنس معرفي واحد؛ فلا هي مقالة رأي، ولا مجرد خلط للذاتي بالموضوعي، ولا هي نقد أكاديمي جامد، بل مزيج متوتر من كل ذلك.

يصبح شكل الكتابة النقدية سؤالًا عن إمكان مقاومة بنية التماثل الإدراكي من الداخل، وسعيًا إلى الإخلال بمنطق الخوارزمية الذي يحاول اختزال كل شيء. ويتسنى للناقد من خلال هذه الكتابة المتشعبة أن يطرح زوايا نظر لا تمثل صدى للأحكام السريعة التي تعيد الخوارزمية تنظيمها إلى وحدات قابلة للفهرسة والتكرار.

نقد يستند إلى التاريخ ويتطلع إلى المستقبل، ويسعى إلى تأطير الفيلم داخل سياق أوسع من اللحظة التي يكتب عنها وفيها، بما يتيح للناقد -قبل القارىء- استعادة المسافة التي تمكنه من رؤية الصورة الأكبر، في مقاومة واعية لمنطق الحاضر الممتد الذي تولده الخوارزمية. فالنقد لا يلزم أن يبدأ بفكرة مكتملة عما يريد قوله، وإنما يتلمس من خلال منهجية ما، مثل وضع العمل داخل سياقاته الأوسع، طريقه إلى حكم لم يكن يمتلكه منذ البداية. نقد يُعنى بحركة المعرفة وتشكل الرأي أكثر مما يعنى بالانتهاء إلى رأي بعينه. فالكتابة النقدية في جذرها فعل فهم، ولا أدري متى تحولت إلى فعل وصف.

قد تبدو هذه ممارسات بديهية، عدا أن غالبية النقد اليوم- خصوصًا عند مناقشة الأفلام الكبيرة- يتسم بوصف التجارب الحسية الخشنة التي تقدمها هذه الأفلام، ويقع في فخ التضخيم تحت تأثير مخاتلات مصفوفة الإدراك. وفي هذا السياق، تسخر الخوارزمية من النقد، حين تشيح بنظره عن جزء أصيل ونبيل من مهمته: إظهار الأفلام الصغيرة ودعم الصناع المبتدئين، حيث تغدو تلك المهمة بعيدة المنال تحت ضغط منطق الانتشار والظهور الذي يحكم الفضاء الرقمي. نجد عشرات المقالات عن فيلم ضخم الإنتاج مثل «كثيب» (Dune, 2021)، في مقابل غفلة شبه تامة عن أفلام مستقلة جيدة يدفع بها إلى هامش الكتابة النقدية.

كما ينبغي على النقد إعادة الاعتبار إلى السينما كونها تجربة زمنية، وليست مجرد وسيط بصري، إلى جانب مقاومة الابتذال الذي تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيق ليتربوكسد (Letterboxd)، حيث تُبجل رؤية (كل كادر لوحة)، وتُقدم على أنها معيار نهائي للجمال والحكم النقدي. ويستثمر بعض المخرجين هذا التصور لتسويق أعمالهم على أساس بصري خالص، يوهم الجمهور بأن تراكم اللقطات المشهدية يعني قيمة فنية أعلى، في حين أن الصورة لا تستنفد طاقتها ما دامت منفصلة عن النسيج الزمني والسردي. وربما ندفع بهذا المنحى النقدي إلى استشراف سينما مستقبلية يندمج فيها كل شيء: وجه الممثل وحركاته واللون والبيئة المحيطة، في وحدة إدراكية شاملة، وهو الأفق الذي سعى إليه بريسون وتاركوفسكي وأنطونيوني. وعليه، لا تصح معاملة الصورة كزخرف بصري مستقل؛ فهي عنصر عضوي داخل نسيج زمني وحسي، نسيج ترتفع قيمته الفنية كلما ازدادت الاعتمادية المتبادلة بين عناصره.

ولأن كل وعي جديد بحاجة إلى لغة طازجة تحتمله وتعبر عنه. وبما أننا أصبحنا داخل الخوارزمية ولم يعد ثمة مجال للتنصل من مخالبها، يجد النقد نفسه أمام سؤال اللغة. فالنقد في جوهره فعل لغوي بامتياز، والنقد السينمائي تحديدًا هو محاولة لإبطاء تدفق الصورة وتعليق الزمن داخل اللغة. 

ليس المطلوب الآن وسط كل هذه التحديات، وبخاصة مع تهديد الذكاء الاصطناعي لصلاحية القول النقدي، أن يشحذ النقد لغته برطانة تقصي القارىء وتتركه فريسة سائغة لعماهة التدفق الخوارزمي. المطلوب هو أن نتذوّت لغة الفضاء الرقمي، ونصهرها ضمن أدواتنا، ونرفعها إلى مستوى فني يستطيع أن يقول قولًا نقديًا متينًا. المطلوب هو العبور بهذه اللغة من تداولها اليومي إلى أفق أخلاقي وجمالي نطوره في نصوصنا. 

وإذ نضطلع بهذه المهمة، فنحرر المصطلحات التكنولوجية من هالتها القدرية والأبوكاليبتية، وننزلها إلى حيز اللغة التي تفكر وتسأل. عندها يغدو تذويت هذه المصطلحات أداة لاستعادة المسافة: يقرؤها متصفح الإنترنت وقد شحنت بدلالات بلاغية وفكرية تستوجب التوقف والتأمل، فنحدث بذلك بترًا صغيرًا في دورة الخوارزمية. 

وقد نستعير من ابن جني قوله: «الألفاظ أوعية المعاني، والعناية بالوعاء عناية بالمدعى عليه»6، ونطبقه في سياقنا. فالمعاني اليوم أصبحت تنتأ بحمولة رقمية ثقيلة، لم تعد اللغة التقليدية قادرة على احتمالها ومواكبتها. لذلك تصبح العناية بالمصطلحات التكنولوجية ولغة وسائل التواصل عناية بإمكان المعنى نفسه؛ فهي وعاؤه الأخير، إن خسرناه، خسرنا معه كل إمكانية للتواصل والتفكير المشترك. 

يبدو أن على النقد أن يعيد ابتكار نفسه، وإلا ذاب في هذا الضجيج الرقمي الفج. وربما لا تكمن المشكلة في فقدان المسافة بقدر ما تكمن في غياب الوعي بفقدانها لدى من يمارسون النقد.

ولعل السؤال الهاجس لكل من يمارس النقد: هل أكتب خارج الخوارزمية، أم أنها هي التي تتكلم من خلالي؟

الهوامش:

1.انظر كتاب (فن الشعر) لأرسطو، وتحديداً مفهومي: المحاكاة (mimesis)، والتطهير (catharsis).
2.انظر كتاب (نقد ملكة الحكم) لكانط، ومفهوم ال(disinterestedness).
3.انظر كتاب الديالكتيك السالب (Negative Dialectics)، ومفهوم الاستقطاب (monopolisiert). 
4.Walter Benjamin: The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction
5.The Arcades Project
6.كتاب الخصائص لابن جني.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى