«عزيزي يوسف، الإنسان يحصد ما يزرع هذه حقيقة، لكنها ناقصة، الحقيقة الكاملة أننا نحصد ما نزرع وما يزرعه الآخرون من حولنا، الخطيئة مثلاً، ربما تكون خطيئتك وحدك، لكن نتائجها سترتد عليك، وعلى أهلك، وعلى آخرين لم يشاركوا في ارتكابها».
يظهر هذا المونولوج بصوت الممثل بسام كوسا في إحدى حلقات مسلسل «البطل» كتابة رامي كوسا وإخراج الليث حجو، والذي عُرض في رمضان 2024 وحقق نجاحًا جماهيريًا لافتًا. وقد لفت الانتباه حينها أن أكثر ما يُتداول من العمل عبر منصات التواصل الاجتماعي هو تلك المقاطع التي يتراجع فيها الحدث المباشر قليلًا إلى الخلف، ويتقدّم صوت تأملي ذو نزعة حكمية، تاركًا أثره ممتدًا خارج حدود المشهد. هذه الملاحظة تفتح بابًا أوسع من حدود مسلسل بعينه، لأنها تمس سمةً راسخةً في الدراما السورية منذ مطلع الألفية، وهي عنايتها الخاصة "بالصوت الداخلي" أو بذلك الكلام الذي لا يوجَّه إلى أحد داخل المشهد، لكنه يصل إلى الجميع خارجه.
ماهية الصوت الداخلي و أنماطه
تشكلت ظاهرة الصوت الداخلي في الدراما السورية المعاصرة، كأحد أكثر الأساليب السردية قدرةً على إعادة تنظيم العلاقة بين الحدث والزمن والذات. اتحدت هذه العوامل الثلاثية في نسيجٍ جماليٍ ارتبط بطبيعة الدراما الاجتماعية السورية التي سعت في أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى تعميق البعد التأملي في قصصها ويومياتها عن طريق توظيف اللغة العربية الفصحى، سواء في تتر المسلسلات مثل «أهل الغرام»، «وشاء الهوى»، «ليس سرابًا»، و«الندم»، أو عن طريق الحوار وتحويل التجربة الفردية إلى خطاب معرفي يطال الأسئلة الوجودية والوجدانية في آن واحد، ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية "مرام" التي أدتها صبا مبارك في «الشمس تشرق من جديد» (2005)، كتابة أمل حنا وإخراج هيثم حقي.
كان الصوت الداخلي، في هذه الأعمال، يعمل كحوارٍ موازٍ يتسلّل إلى وعي المتلقي عبر الإيقاع اللغوي والنبرة الشعرية للنص. تمرّ هذه الخواطر عبر حنجرة الممثل السوري، فتخرجُ العبارات مشبعةً بإيقاعِ النفسِ واتساع مخارج الحروف، مكتسبًة ثقلها من ضبط النبرة، ومن التوازن الدقيق بين المد والتوقف. ويصبح للصوت وحده نجومية مكرسة. من هنا يمكن قراءة تنوّع أنماط الصوت في ثلاثة اتجاهات رئيسية، يتبدّى كل منها في عمل محدّد، وتتكشّف الفوارق الدقيقة بين حضور الذات المتكلّمة بوصفها شخصية داخل العالم الدرامي، وبين حضور أثرها صوتيًا، أو على شكل ضمير سردي يعلو فوق الشخصيات.
يمكن تمييز عدة أنماط لهذا الصوت في الدراما السورية، ولكل نمط منطقه الجمالي، وإيقاعه الوجداني، وطريقته في بناء العلاقة بين المتلقي والشخصية و الزمن.
غموض الرسائل في «الفصول الأربعة» (2001)
يأتي الصوت الرسائلي في مقدمة هذه الأنماط، بما يحمله من رهافة وفتنة وقدرة على الخلود طويلاً في الذاكرة الدرامية السورية. يتجسد هذا النمط بوضوح في حلقة "قارئة الفنجان" من المسلسل الجماهيري والمحبب «الفصول الأربعة». نرى في هذه الحلقة شخصية المحامي عادل، ويقوم بدوره الممثل جمال سليمان، الرجل الأرمل الذي يعيش حياةً هادئة مع ابنته الوحيدة، قبل أن يجد نفسه أمام ملفٍ من الرسائل المكتوبة بخط امرأة مجهولة، ليتبين لاحقا أنها كانت زميلة له في الدراسة، قبل عشرين عامًا.
تقوم الحلقة في جوهرها على هذه الرسائل، وما تثيره من فضول وجاذبية. فالمرأة الغائبة بجسدها، الحاضرة بكامل ثقلها الوجداني عبر اللغة وحدها، يُرافقها المتلقي في رجفتها، وإيقاع عباراتها، واعترافاتها، والطريقة التي تصوغ بها مشاعر الوله والخسارة والحنين والانتظار. لقد تحول صوتها من مشهد إلى الآخر إلى كيان كامل، في حين حُجِب حضورها الجسدي وهويتها الشكلية. فالكلمة في هذه الرسائل كانت كافية لتأسيس الشخصية، وإضافة لغزٍ وتشويقٍ إلى حياة رجل روتيني يقرأ بأوقات مستقطعة من يومياته، فيتسلل أثرها تدريجيًا إلى داخله.
كل رسالة تُفتح في "قارئة الفنجان" كان مضمونها ينتمي إلى حدث مكتمل في الماضي، لكنه لم يخمد وجدانيًا. فكان سر نجاح الحلقة واستمرارية نسبة مشاهدتها العالية على منصة اليوتيوب، تكمن في فعل "التلقي"، إذ كان أداء تلقي "عادل" في العديد من المشاهد حدثًا دراميًا بحد ذاته، لقد غاص تدريجيًا في تجربة امرأة مجهولة، ترجمت بدموعها حبها وحيرتها ووحدتها بعيدًا عنه، ثم أورثته ذلك كله عبر الكتابة.
استطاعت الكاتبة "دلع الرحبي" بجزالة لغتها، أن تجعلنا نتجاوز هوية الصوت ولا ننشغل به كي تبني مناخًا حميمًا بين الصوت والتلقي، فحين تصوغ المرأة المجهولة ألمها وحبها تجاه عادل من طرف واحد: «عشت حبك وأنا مقيّدة إلى أصفادك في وعيي ولاوعيي» ثم تردف: «دفعت ضريبة لاوعيي بجدارة»، إشارة إلى الثمن الذي دفعته بطلاق زوجها منها، لمجرد ترديدها لاسم عادل مرارًا على شفتيها في غرفة الانعاش. ويتصاعد صوتها الحزين في ختام رسالتها أنها: «ولدت ألف مرة» كي يبقى حبها حيًّا «في كل حياة وفي كل موت»، وهي استعارة توسّع التجربة الفردية إلى أفق وجودي يتجاوز الشخصيتين معًا.
بلغت الرسائل ذروتها في اعترافها بأن أيامها معدودة، ففي اللحظة التي يمسك فيها عادل الورقة ويقرأ، قد تكون على حد تعبيرها في الرسالة الأخيرة، قد أصبحت: «مجرد اسم… مجرد ظل بعيد».
يتبين بعد ذلك أن نبوءة العرافة أو قارئة الفنجان قد تحققت، وأن مصيرها مثل مصير زوجة عادل: الموت!
اكتفت المحاكاة البصرية لهذه الرسائل بومضات تخيلية عابرة لتعزيز تجربة الإصغاء. إذ ينصرف الانتباه إلى ما تراكم في روح لم تجد طريقها إلا عبر الكلمات، ولأن الحياة لا تمنح الجميع فرصة البوح في الوقت المناسب - ربما كان هذا أيضا أحد أهداف الحلقة - فكان من الضروري أن يصبح الأسلوب بالغ العمق والتأثير في هذا النمط من الكتابة العذبة والرقيقة.
استثمار اللغة في الصوت
مع تراكم التجربة، صار صُناع الدراما السورية أكثر وعيًا وإنصاتًا لذائقة المشاهد العربي، وأكثر دراية بما يرسخ فيها عبر سنوات طويلة من التلقي، إذ تشكلت علاقة خاصة بين المشاهد العربي والخليجي على وجه الخصوص، حول الصدى الذي تتركه اللغة العربية الفصحى في السمع. هذه الألفة، تبلورت عبر حضورها المتوالي منذ موجة الفانتازيا التاريخية في منتصف التسعينات، مرورا بـ «ثلاثية الأندلس». فقد أعاد صناع الدراما الاجتماعية السورية تقديم اللغة بصيغة حميمية أقرب إلى الخطابة، وأكثر التصاقًا بالتجربة الفردية، فاستثمروا سحر وجمال الفصحى في شخصية الكاتب/ة، لما تتركه من أثر عاطفي يقلل قسوة الأحداث وعبثيتها. في المقابل توالت أعمال معاصرة تفكك النسيج الاجتماعي في الشام، لا يكاد يخلو عالمها من شخصية الكاتب المثقف الممسك بميزان الحكمة والاستغناء. وغالبًا ما نرى هذه الشخصية مصبوغةً نوعًا ما بشاعرية الأدب ورهافة الفعل. ورغم عدم استثمار الصوت الداخلي في أغلب تلك الشخصيات، إلا أن وجودها كان يمثل أرضية أدبية للعمل بطريقة ما، مثل شخصية ”عبلة” في «ذكريات الزمن القادم»، “جلال” في «ليس سراباً»، الشاعرة سماهر في «الولادة من الخاصرة»، حياة في «ذاكرة الجسد»، نورس في «العراب» وغيرهم.
في المقابل، تطورت هذه الشخصية لاحقًا لما هو أبعد من التعريف بالمهنة وأخلاقياتها البالغة في الطهرانية، نحو تطعيم صوتها الداخلي أثناء الكتابة كي تكون امتدادًا طبيعيًا لمهنتها، وتصبح لغةُ الشخصية هي الأداة الأساسية لفهم ذاتها وتاريخها. وهي مساحة تجريدية تستعيد فيها ماضيها أو تتأمل خساراتها، والفاصل الجمالي بين الواقع المحكي والتأمل الذهني.
يأخذ المونولوج الصوتي هنا طابعًا تحليليًا أدبيًا، أقرب إلى كتابة مذكرات داخلية. وتبدو بلاغة الفصحى، في حالته هذه، متسقة مع موقعه الثقافي، فيتجاوزُ التعبير من خلالها الحيزَ الدرامي الضيق إلى أفق إنساني أوسع.
في السطور التالية، نستعرض أبرز الشخصيات التي كرست صورة الكاتب ونالت شعبية من خلال المونولوج الداخلي.
«الغفران» (2011)
"نصيبك في حياتك من حبيب. نصيبك في خيالك من منام"
إنه حسن سامي يوسف، المؤلف الذي جعل من فعل الكتابة قدرًا دراميًا لشخصياته، وأودعها في اللغة ثم أعاد تأسيس الصوت الداخلي على هيئة كتابة متقطعة. قدم المؤلف والروائي الذي رحل عن عالمنا عام 2024 أعمالاً اجتماعيةً جريئة، وكان من أوائل من سلط الضوء على الطبقة العشوائية شديدة الفقر في مطلع الألفية، مثل «أيامنا الحلوة» (2003) و«الانتظار» (2006)، إلا أنه، لاحقًا، قدم عملين خالدين في المذهب الشعري الدرامي، إن صح القول، وهما «الغفران» (2011)، «الندم» (2016).
يمرّ البيت أعلاه للشاعر المتنبي في تتر المسلسل، بصوت شخصية البطل "أمجد"، ممتزجًا بالمقطوعة الموسيقية، فيضعنا منذ البداية في مقياسٍ لعلاقةِ حب تتحرك ضمن دائرة متوترة، وتمهد للإحساس العام بالخذلان. لقد ظهر مسلسل «الغفران» في عرضه الأول كقصيدة هاربة من ديوان شعري، وتزامن هذا الهروب العذب مع نهاية منحى القصص الاجتماعية المعنية بهموم الحياة الذاتية، قبل أن تطغى بعد ذلك قضية الحرب وآثارها على اهتمام الأعمال السورية.
عند استحضار تجربة حسن سامي يوسف، نجد أنه قد وضع في هذا النص شذرات من سيرته الذاتية وقصة حبه الأليمة من خلال شخصية "أمجد"، المدقق اللغوي الذي قدم دوره الممثل باسل خياط، بدا المسلسل وكأنه أدب رسائل تلفزيوني. رسائل أمجد إلى عزة هي صورة حب مقدس من طرف واحد، رسائل لم تنقطع منذ المراهقة والصبا وحتى بعد الاقتران بها، رسائل موجهة لها فقط من هذا المحب المتيم. وهنا لابد من الوقوف عند صوت باسل خياط، صاحب النبرة المنخفضة، المشدودة، والتي تسمها مسحة رخامة وحنو في الوقت ذاته. ولباسل خبرة احترافية في صوت الراوي، إذ نسمع النبرة ذاتها في تجربة وثائقية عام (2008) عن حياة الممثلة المعتزلة "إغراء" (2008)، وقد ساهم صوته الرصين، والبطء المحسوب حينها في ضبط الإيقاع التأملي، مقابل إيقاع الإغراء الانفعالي أثناء سرد سيرتها الفنية.
وبالعودة إلى توظيف صوت أمجد الداخلي في «الغفران»، فقد تعامل المخرج حاتم علي بصريًا مع فيض الأحاسيس المتكسرة بكادر شديد الاقتصاد: جسدٌ منحنِ على الورق، إضاءة خافتة، حركة كتابة مستمرة، انفصال عن المحيط، حيث تكتفي الصورة بمرافقة الفعل نفسه، تاركةً العبء الكامل على الصوت. يستمر أمجد في الكتابة، ويبقى صوته منخفضًا، محافظًا على نبرته الهادئة، رغم جرحه الغائر وعدم غفرانه، يسير صوته المستقر بمحاذاة الحدث للحفاظ على طبقة الصدى في الخلفية، فيقول في إحدى رسائله:
«لست أدري إن كان في مقدورك أن تفهميني على نحو صائب، ولست أدري إن كان بمقدوري أن أبدو واضحًا كذلك، فالحكاية كثيرة التشويش من بدايتها، ثمة أغنية لفيروز تقول كلماتها: حَبْسي انت وحريتي انت، وانت اللي بكرهه واللي بحبه إنت، هل تلخص هذه الكلمات القليلة ما أريد قوله في رسالةٍ دامت عشر سنوات!».
«الندم» (2016)
في المرة الثانية، قدم حسن سامي يوسف تجربة غنية لشخصية الكاتب، وكانت هذه المرة بالتعاون مع المخرج الليث حجو، إذ تقاطعت فيها صورتا الحب والحرب بين المتن والهامش عبر مسلسل «الندم».
"عروة"، الشخصية الرئيسية، كاتبٌ تلفزيونيٌّ يقوم بدوره محمود نصر، تشهد حياته منعطفًا مختلفًا منذ ليلة سقوط بغداد وصولًا إلى الأحداث اللاحقة في بلده. وما يلفت الانتباه هو الانعطافات الزمنية التي تعطي اللقطةَ الاسترجاعية صفةَ الضرورة، حيث تصور اللحظات الحاضرة لدى عروة بالأبيض والأسود، في حين يستعيد علاقاته وبيت عائلته وزواجه ومصائر من أحبهم بالألوان الزاهية.
يعيش "عروة" العالم من خلال الكتابة، ومن خلال وعيٍّ لغويٍّ شديد الحضور. وهذا ما يجعل صوته الداخلي جزءًا أصيلًا من بنية الشخصية، فلا مسافة مفتعلة هنا، فهو يفكر كما يحيا.
جاء التوظيف اللوني المتباين بين الآني والسابق لتقديم مونولوج صوتي مليء بالشجون والحسرات، حيث يقول "عروة " الزاهد في بوحه الداخلي: «من أنتِ يا هناء؟ سألتها يومًا. فقالت: أنا حمامة الأيك. أنتِ ذبحة القلب ياهناء، وجع الروح، وغصة العمر».
لقد كسر مؤلفُ العمل هنا صورةَ الكاتب الضحية "أمجد سابقا" بالشعور المُعلن بالذنب في حق نفسه وحق زوجته الراحلة التي توفت بمرض القلب، وفعل خيانته لها. يتخفف "عروة" من جموح الرومانسية إلى الحزن النبيل، دون التقديس المبالغ فيه لمعاني الحب أو الرغبة، فلا قداسة في زمن الحرب، زمن الجوع والسلاح والفقر، فيقول في مونولوج آخر، بينما تتمركز الصورة بشكل بانورامي على حال البلاد: «ماذا فعلنا لنحصد كل هذا الخراب؟»، يشمل سؤاله الخراب الروحي أيضًا، وهنا، لا يملك سوى اللغة التي غلفتها وحدته بطبقات سميكة، طبقات من..الندم.
«قلم حمرة» (2013)
إن شخصية "ورد" التي صاغتها الكاتبة يم مشهدي، ما هي إلا امتداد لشخصيات عملها السابق «تخت شرقي»، إذ تقوم أغلب الشخصيات على تفاوت طبقي وتعليمي، بتفسيرِ وتعليل كل ما يمكن أن يمر من معاني وقيم وأفكار وأعراف اجتماعية بلغة متشابهة، ونبرة اعتراضية.
هذه المرة، لا تنتمي الكاتبة "ورد" والتي أدّت دورها الممثلة سلافة معمار، إلى عالم الشعر والأدب والرواية، فهي أيضا كاتبة مسلسلات درامية، تصنع شخوصها وقصصها في حيز السيناريو والحوار، وتقع في مناكفات مستمرة مع الوسط الثقافي والفني وشركات الإنتاج. تركيبة ورد المتمردة تمهد لشخصية درامية تسرد مونولوجها الداخلي باللغة المحكية المبسطة رغم حشوها الفلسفي، إذ تخرج لغتها من قلب الموقف النفسي. فتحاول تفكيك ما يحدث لها منذ اللحظة اﻵنية، وهي ما تزال تتخبط فيها. إن ورد هنا لا تكتب رسائل عاطفية، ولا تستعيد حبًا أفلاطونيًا من أرشيف الذاكرة، هي ببساطة شخصيةٌ ثائرةٌ، تعيش مطحنةَ التحليل وتفسير كل شيء مع مطلع نهارها: تفسر الخوف والحب والحقيقة والزواج والخيبة والوقت، وهي على عكس الأنماط السابقة لشخصية الكاتب، تبدو فجة، وتمارس الكثير من الرعونة والفظاظة والتكبر.
تدخل "ورد" في أزمة منتصف العمر، وتبدأ بطرح التساؤلات حول ما ترغب به حقًا، رافضةً، علنًا، كل ما هو غير متسق مع شخصيتها الحالية. وهذا ما منح مونولوجَاتها نبرةً جريئةً، ومليئة بعبارتي «أحيانا» و«بيقولولك». ولهذا السبب أيضًا، انتشرت اقتباساتها على نحو كبير في منصات التواصل الاجتماعي.
على المستوى البصري، وظف المخرج حاتم علي اعترافات "ورد"، وتحليلاتها الخارجة عن المألوف، في مشاهد خارجة عن المألوف أيضًا. فعندما تبدأ مونولوجها اليومي باللغة المحكية، تتوجه عدسة الكاميرا نحوها بصورة مقربة جدًا، بينما يكون العالم من ورائها ضبابي الملامح. كما يتزامن أحيانا صوتها مع صورة افتراضية يتداخل فيها التحريك والفانتازيا، فنراها تسيرُ في الطريق، ثم يتحول هذا الطريق لاحقًا إلى رسومات رقمية مُشكلة من غيوم وعصافير وشمس وهضاب، وفي مشهد فضفضة أخرى، تهرب من الديناصورات تارة، وتارة تكون عازفة كمان أو راقصة شرقية.
«مسافة أمان» (2019)
أما النمط الثالث، فهو الأكثر اقترابًا من التأطير الفلسفي العام أو الحكمة السردية الختامية، وهو ما سنجده في مسلسل «مسافة أمان»، من كتابة إيمان سعيد. ومجددا مع المخرج الليث حجو، الذي أصبح يألف جيدًا التعاطي مع توظيف الصوت الغائب، لكن هذه المرة بحلة جديدة. إذ يحضر هنا الصوت الغائب أو الخارج عن دائرة الشخصيات. تؤدي الممثلة شكران مرتجى مجموعة مونولوجات تعمل ضمن سرد بضمير (الغائب الكُلي)، حيث يعبُرُ المشهد مارًا على الشخصيات جميعها، وتبقى الأفعال في أداء صامت. تسند وظيفة المعنى إلى تعليق صوت شكران ذاته، وهو ما يمنح الحدث بعدًا تأمليًا عامًّا بنبرة استرخائية هادئة.
تأتي العبارات هنا باللهجة المحلية كذلك، وتجيء محمّلة بخلاصة عن الزمن والقدر والخديعة واللقاء والخسارة، فيشعر المتلقي أنه أمام حكمة مؤطرة. تقول شكران عبر صوتها في أحد المشاهد عن الوحدة: «في ناس الوقت يمرق عليهم خفيف وهين، وفي ناس بيمرق عليهم قاسي ومر، مثل طعم المعدن بالحلق وهاي اللحظة القاسية تمتد وتصير حياة كاملة».
هذا اللون من الصوت المليء بالتشبيهات له فاعلية واضحة في الثقافة الدرامية السورية، لاسيما أن تراث المجتمع يتمتع بحساسية خاصة تجاه العبارة الحكيمة المحكية، أو بمعنى من المعاني، تجاه الجملة التي تبدو بسيطةً في ظاهرها لكنها مرمّزة ومليئة بالإسقاطات.
وقد سبق أن قدمت الدراما نمطًا شبيهًا بذلك رغم اختلاف النبرة والأسلوب، في فترتي السبعينيات والثمانينيات من خلال صوت الشاعر الراحل حسين بن حمزة. وذلك في مداخلات صوتية من خلال إلقاء الشعر العامي أثناء المشاهد التمثيلية، مثل «حارة القصر» (1970) و«الهجرة إلى الوطن» (1980)، ومع ذلك، فإن نجاح هذا النمط مشروط بالدقة الشديدة. حيث تنبع العبارة من المسار الشعوري الفعلي للحكاية، وتأتي كأنها عملية نُضج لما راكمه العمل من أسئلة، فتغدو جزءًا من معماره الداخلي. أما حين تنفصل عن هذا السياق، وتتحول إلى خلاصة جاهزة لأجل استمراريتها في نهاية كل حلقة، فإنها تفقد حرارتها وتصبح عبئًا على النص والأحداث.
ما بعد ذلك كله: الصوت الأخير للحكاية
يخطر لي، على مستوى قراءة شخصية، أن هذا الحضور المكثف للكاتب ولغته داخل الأعمال، يشي بما هو أبعد من الوظيفة الدرامية أو الرغبة الجماهيرية، إذ أراه أثرًا لصوت رواية مغمورة، أو مؤجلة، أو سيرة ذاتية وجدت طريقها أخيرًا عبر هذه الشخصيات.
إذا ما تأملنا اجتماع الأنماط كلها، يتضح أن الصوت الداخلي فيها كان مجالًا حيًا للتجريب، لإظهار الحاجة الداخلية قبل أن تكون أداة للسرد، كالصوت الجدلي وهو يعلو في الحاضر المضطرب للشخصية، وصوت الخلاصة الفلسفية لرحلة سردية، والصوت الهائم في الشرود الذهني بأداء مستقل. يرسم هذا التعدد معبرًا، أو ممرًا فسيحًا، لإظهار رغبة جمالية عميقة، من خلال مهارة أسلوبية تبرع في سبر أغوار ما ظلّ عالقًا في ذهن المؤلفين، من خلال فصاحة النطق -وهو شرط شديد الأهمية- وعذوبة الأداء. وهذه المغريات تتيح للكاتب/ة ما لم يكن ممكنًا إتاحته، نظرا لظروفهم، في شكل رواية أو قصص قصيرة صادرة عن دور نشر.
وفي المحصلة، فإن الدراما السورية قد تعاملت مع الصوت الداخلي باعتباره مجالًا للبوح الإنساني، وأداةً لالتقاط التشققات الدقيقة في النفس، ووسيلة لتحويل التجربة الفردية إلى سؤال عام. من هنا يمكن تفسير السر في قدرة هذه المقاطع الصوتية على البقاء في الذاكرة الجمعية، وعلى الانتشار المتكرر لها عبر حالات الواتساب ووسائل التواصل. ولهذا فإن دراسة هذا النمط في الدراما السورية يحتاج فعلًا إلى مقاربة جمالية فلسفية، كونها تنم عن رهافة نادرة في التلفزيون العربي عمومًا، وهي واحدة من العلامات التي أعطت للدراما السورية ذلك الإشعاع الخاص.
لكن، بعد كل هذا التحول الذي أصاب خريطة الدراما السورية في السنوات الأخيرة، من ظهور للدراما الهجينة والمعربة، وأنماط أخرى صرفة، والانتقال من دفء المنازل إلى قسوة الشارع، ومن العلاقات التي تُبنى على الألفة إلى واقعٍ تتنازعه الفوضى والنجاة من فساد مجرمي الحرب، وأهوال التهجير والنزوح، ومن اللغة المباشرة المنفرة التي لا تلتفت كثيرًا إلى التهذيب.
فإنني أقف متسائلة عن ذلك الصوت الذي كان ينساب عذبا بالفصحى، ويمنح الشخصيات مساحة للتأمل، ويحوّل التجربة إلى سرديات قابلة للخلود: هل يجد مكانه الآن في هذا العالم الأكثر صخبًا وخشونة؟ وهل توحّشت الدراما السورية إلى حدّ لم يعد فيه مجال لذلك الصوت، أم أن الحاجة إليه صارت أكثر إلحاحًا، كمعزوفة مهدئة وسط كل هذا الضجيج؟


