بين المقدس والمدنس: السينما كشهادة في حياة بازوليني

April 21, 2026

في الأسبوع الأخير من أكتوبر عام 1975، تجوّل بيير باولو بازوليني في ستوكهولم كرجل يعيش بالفعل أطوارَ ما بعد الموت. كان في العاصمة السويدية للترويج لديوان شعره، وأحدث أفلامه السينمائية وأكثرها إثارة للجدل، «سالو، أو 120 يومًا في سدوم» (Salo, or the 120 days of Sodom). بدا بالنسبة للصحفيين المحليين وكأن ثمة تناقضًا صارخًا يحيط به؛ مخرج سينمائي مشهور عالميًا لا يشبه الشخصيات الثقافية المرموقة في شيء، بل هو أشبه بأولئك الذين يمشون على حبل السيرك: رجل متين، ونحيف، يفتقر إلى "لطافة منتصف العمر" التي تميز أقرانه، في صورة أقرب إلى صخرة بلا إيماءات، وعيناه مثل كريات زجاجية سوداء خلف عدسات ملونة.

تحدث أثناء وجوده هناك بشوق عميق وشاعري عن "قوارب ستوكهولم البيضاء"، لكن عقله كان يركز في واقع أكثر قتامة. أخبر المذيعين أنه يريد الهرب من إيطاليا إلى المغرب، مدفوعًا بقناعة أن وطنه يمر بـ"إبادة ثقافية". لقد أصبح رجلاً ذو سلطة هائلة دون منصب، وشاعرًا أمسى اسمه مرادفًا للفضيحة، وناقدًا يؤمن بأن "لغة الواقع" هي اللغة الوحيدة المتبقية التي لا يمكن أن تفسدها بسهولة موجة الاستهلاك المتزايدة. غادر ستوكهولم متجهًا إلى روما في الأول من نوفمبر، ووصلَ في الوقت المناسب للمنحى النهائي والعنيف من حياته.

من فريولي إلى روما: صنع شاعر ومفكر

ولد بازوليني في بولونيا، ونشأ في ريف فريولي تحت وطأة حكم الفاشية، وأتقن اللهجة المحلية واللاتينية بدقة عالم، ليتجلى في النهاية كشاعر موهوب. سعت أعماله المبكرة، مثل «قصائد إلى كاسارسا» (Poesie a Casarsa, 1942)، إلى استعادة "نقاء" عالم ما قبل الصناعة، مستخدمًا لغات الأقليات كأداة جذرية للمقاومة السياسية والثقافية. بحلول أواخر الأربعينيات كان قد نشر عدة مجموعات شعرية لاقت تقديرًا نقديًا واسعًا، وفي نفس الوقت بدأ في كتابة رواياته الأولى، ومن بينها العمل الذي سيصدر لاحقًا بعنوان «أولاد الحياة» (Ragazzi di vita).  وقد حظيت هذه الرواية بإشادة كبيرة من النقاد، لكنها أثارت أيضًا جدلًا واسعًا بسبب تصويرها الصريح والواقعي لحياة الشوارع في روما، الأمر الذي أدى إلى أول محاكمة له بتهمة الفحش من بين سلسلة محاكمات واجهها لاحقًا.

هرب بازوليني عام 1950 من صدمة طرده من الحزب الشيوعي في فريولي، وانتقل إلى روما حيث اندمجَ في الأوساط الثقافية الهامشية التي كانت تقف على طرف الثقافة السائدة في المدينة. هناك كان يكسب رزقه من التدريس في ضواحي روما الفقيرة، ويعمل في الوقت نفسه ناقدًا ثقافيًا، بينما أخذ اسمه يبرز تدريجيًا ككاتب معروف في عدد من المجلات الفكرية المؤثرة. وبدأ في نفس الوقت باستكشاف السينما كوسيلة لتجاوز "شاشة الكلمات" التي شعر أنها تعزله عن الحياة. 

جاءت أفلام بازوليني الأولى في هذه المرحلة الحرجة من تطوره الفكري لتعلن عن صورة من مصور المقاومة. اختار في فيلمه الأول «أكاتوني» (Accattone, 1961)، ممثلين غير محترفين، أتى بهم مباشرة من الأحياء الفقيرة في روما، ليصور الصراع بين أحد القوادين وصديقة لملاكم تمارس الدعارة، وهي قصة تستند بشكل كبير إلى ملاحظاته النثرية الخاصة. نسجَ في جميع هذه الأعمال المبكرة، نقدًا اجتماعيًا مع غضب ماركسي على الثقافة البرجوازية. كانت رؤيته للفن تتجاوز كونه مجرد ترفيه، ليتم اعتباره شكلاً من أشكال الشهادة، وفعلًا من أفعال الانخراط في العالم الذي يبحث عن الحقيقة في "اللحم المقدس" للطبقة الفقيرة.

السينما الواقعية والأسطورية 

أصرّ بازوليني على أن يُدخِل إلى السينما ما كان يسميه "الأشياء الحقيقية"؛ شكل من أشكال الواقعية الشعرية التي ترفض بريق هوليوود، مؤمنًا بأن الصورة السينمائية تستطيع أن تُجسّد الواقع ليس عبر تمثيله أو تزويقه، بل عبر التقاطه مباشرة من العالم نفسه. وغالبًا ما كان يصوّر أفلامه في أحياء الطبقة العاملة، مستعينًا بممثلين غير محترفين اختارهم لصدقهم الخام وليس لمهاراتهم المهنية. منح هذا النهج لأفلامه نسيجًا وثائقيًا صارمًا تجلّى في حبه للإضاءة الطبيعية والتفاصيل الحقيقية.

لكن بازوليني تناول الأسطورة أيضًا بنفس الحماس، ففي فيلم «إنجيل القديس متى» (The Gospel according to St.Matthew, 1964)، رفض إعادة بناء التاريخ، ووجد بدلًا من ذلك "تشبيهات" في التضاريس الوعرة والفقيرة لجنوب إيطاليا التي تمثل فلسطين القديمة. صوّر الفيلم في كهوف ماتيرا، واستعان بفلاحين محليين في أدوار الرسل، محافظًا عن قصد على بساطة وجوههم المتجعدة. كان أسلوب هذا الفيلم فوضويًا، لكنه في الوقت عينه استحضرَ المقدّس كشيء ملموس ومحسوس، وليس مجرد إعادة إنتاج.

امتدت استراتيجية بازوليني البصرية إلى إدارة فريدة للصوت والصمت. فغالبًا ما كان يستخدم موسيقى قليلة لباخ أو موزارت تاركًا الضوضاء المحيطة وأحاديث الشارع تهيمن على المشهد الصوتي. 

قد تبدو الحوارات أحيانًا في أفلامه متقطّعة أو ناقصة، وكأنها لا تسعى إلى بناء تواصل تقليدي بين الشخصيات بقدر ما تترك فراغات مقصودة داخل السرد. فقد كان يرفض فكرةَ الحوار بوصفه الوسيلة الأساسية للتعبير الدرامي، ويميل بدلاً من ذلك إلى بناء المعنى عبر الصورة والنظرة والإيقاع البصري. ولهذا شبّه عمله بالكاميرا بالقصائد "الملحمية" و"الشعرية"، حيث لا يتقدم المعنى عبر تسلسل منطقي صارم، وإنما عبر تراكم الصور والإيماءات ولحظاتِ صمتٍ تخلق تجربة حسية وتأملية للمشاهد.

يتجسد هذا الأسلوب بوضوح في فيلم «تيوريما» (Teorema, 1968)، وفيه يدخل الغريب إلى حياة أسرة برجوازية ويغوي أفرادها واحدًا تلو الآخر، لكن بازوليني لا يشرح هذه التحولات عبر حوارات مطوّلة أو تفسيرات نفسية مباشرة، لكنه يترك الشخصيات في حالات من الصمت الطويل، ويعتمد على الإيماءات البسيطة ونظرات العيون وحركة الأجساد داخل الفضاء السينمائي. وعندما يغادر الغريب، لا يحدث الانهيار عبر مشاهد درامية صاخبة، بل عبر تفكك بطيء وصامت؛ إذ يتخلّى الأب عن ممتلكاته ويهيم على وجهه في الصحراء، ويغرق الابن في تجربة فنية مربكة، وتنزلق الأم إلى علاقات عابرة، بينما تنسحب الخادمة إلى الريف في مسار أقرب إلى التجلي الروحي.

كان بازوليني يرى أن الصمت نفسه يمكن أن يكون لغة سينمائية. لذلك كان يمنح أهمية كبيرة للأصوات اليومية البسيطة: وقع الخطوات، وحفيف الملابس، وضجيج الريح، أو صمت الغرف الواسعة، وذلك بوصفها عناصر درامية لا تقل قوة عن الحوار. هذا الاستخدام المقصود للصمت وللأصوات العادية يخلق شعورًا بالغربة، كما لو أن العالم الواقعي قد انزلق فجأة إلى مستوى رمزي أو أسطوري.

وقد ارتبط هذا النهج بما كان بازوليني يسميه "شاعرية النظرة" أي أن الكاميرا لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تتأمله كما لو كانت عين شاعر. فهي تتوقّف طويلًا على الوجوه، وعلى الجسد البشري، وعلى التفاصيل الصغيرة في الفضاء، لتمنحها وزنًا وجوديًا يتجاوز وظيفتها السردية المباشرة. وبهذا المعنى تصبح اللقطة السينمائية عنده أقرب إلى بيت شعري منها إلى جملة روائية؛ لحظة مكثفة تحمل طبقات من المعنى أكثر مما تقوله الكلمات.

لهذا السبب تبدو أفلام بازوليني بطيئة أحيانًا أو مفككة لمن يتوقع بناءً دراميًا تقليديًا. لكنها في الحقيقة تسعى إلى خلق تجربة تأملية يعيشها المشاهد داخل الصورة نفسها، حيث يتشكّل المعنى تدريجيًا من تفاعل النظرات والصمت والفضاء البصري، لا من الحوار وحده. وقد أصبح هذا التركيز على الحضور الجسدي الخام، وعلى قوة النظرة السينمائية، أحد أبرز العلامات الأسلوبية التي ميّزت سينماه عن أغلب الأنماط السينمائية المعاصرة له.

وفي سياق آخر، أتاحت فكرة "التجريبية الهرطقية" لبازوليني أن يتجاوزَ الوساطة الرمزية التقليدية في السينما. فقد استخدم تقنية يمكن وصفها بـ"الخطاب غير المباشر الحر"، حيث تنقسم نظرة الكاميرا بين وعي المخرج ومنظور الشخصية الداخلية في آنٍ واحد. وفي فيلمه عن الإنجيل، سمح له هذا الأسلوب بأن يروي القصة من خلال عيون المؤمن رغم موقفه الإلحادي، جامعًا بين خلفيته الماركسية وإحساس عميق بالقداسة. وبالنسبة إليه، لم يكن "المقدّس" امتيازًا مؤسسيًا للكنيسة، بل حقيقة كامنة في أجساد الفقراء وفي البراءة البدائية التي رآها في حياة الطبقات المهمّشة.

ساحة المعركة: السياسة والجنس والفضائح

كانت حياة بازوليني استفزازية مثل أفلامه. فقد كان مثليًا جنسيًا بشكل علني في إيطاليا المحافظة في الخمسينيات، ووصف الجنس بصراحة كشكل من أشكال الفن وكوسيلة للاحتجاج السياسي. تنازع مع الحزب الشيوعي والكنيسة الكاثوليكية على حد سواء، ووضع نفسه في موقع "معارض مروع" يفضل الأحياء الفقيرة الرومانية على صالونات النخبة. وقد وصفَ المجتمع الاستهلاكي في المقابلات، بأنه "الثورة البرجوازية" الحقيقية، وهي قوة اعتبرها أكثر تدميرًا من الفاشية لأنها سعت إلى "توحيد" وتسوية جميع الأجساد البشرية والثقافات في سوقٍ استهلاكيٍّ واحد عديم العقل.

تسببت صراحته في إثارة غضب السلطات مرارًا وتكرارًا. واجهت روايته «أولاد الحياة» (Ragazzi di vita 1955) وأفلامه مثل «ماما روما» (1962 - Mamma Roma) تهمًا بالفحش، مما أجبر بازوليني على خوض معارك خطابية وقانونية طوال حياته. ندد علنًا بنفاق البرجوازية، مجادلًا بأن حتى الكلمات "الأكثر صدقًا" على التلفزيون كانت تُنطق من علو طبقي ما، وبالتالي فهي كاذبة بطبيعتها. رأى نقّاد تلك الفترة فيه عبقريًا تخريبيًا ومرتدًا خطيرًا، وهو التناقض الذي كان يسعى إليه. صور فيلمه الأخير «سالو، أو 120 يومًا في سدوم» قسوةَ الفاشية بدرجة لا مثيل لها، مما أثار الجدل حتى بعد أن لقي حتفه على يد العالم الذي كان يدافع عنه.

انتقل صوت بازوليني في السنوات الأخيرة من حياته، من هامش الشعر إلى الصفحات الأولى لصحيفة "كوريري ديلا سيرا"، الصحيفة الأكثر سلطة في إيطاليا. قدمت مقالاته "القرصان" و"اللوثري" صورةً مدمرة لأمة تمر بـ"تحول أنثروبولوجي". اشتهر باستخدامه لعبارة "اختفاء اليراعات" كاستعارة عن الإبادة الثقافية للشعب الإيطالي، مجادلاً بأن الاستهلاكية الحديثة هي شكل من أشكال السلطة، أكثر شمولاً وخبثًا من نظام موسوليني.

استهدف "التسامح الزائف" للمجتمع المتساهل، معتقدًا أن تحرير الجنس كان مجرد تنازل منحته "القوة الجديدة" لخلق مستهلكين أكثر كفاءة. حتى أنه اتخذ موقفًا مثيرًا للجدل بمعارضة الإجهاض، معتبرًا إياه تقنينًا لـ"القتل" يشجّعه مجتمعٌ فقدَ كل إحساس بالطبيعة المقدسة للوجود البشري. كانت مطالبته بـ"محاكمة" قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي بمثابة حكم قضائي رهيب على طبقة اعتقد أنها "قضت" على الثقافة التقليدية والتعددية لإيطاليا.

في ليلة الأول من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1975، عاد بيير باولو بازوليني إلى روما قادمًا من ستوكهولم. وبعد أن تناول عشاءه في أحد المطاعم التي اعتاد ارتيادها، قاد سيارته في شوارع المدينة، في ساعة متأخرة من الليل، حتى محطة تيرميني. هناك التقى بشاب مراهق يُدعى جوزيبي بيلوسي.

توجّه الاثنان بعد ذلك إلى مطعم صغير على ضفة نهر التيبر، حيث تناولَ الشاب وجبة من المعكرونة بينما كان بازوليني يراقب المشهد بصمت. بعد منتصف الليل، انطلقا بالسيارة نحو أطراف روما، إلى منطقة إيدروسكالو في أوستيا، وهي منطقة معزولة في ذلك الوقت، تنتشر فيها الأكواخ البسيطة والطرقات الترابية.

هناك، وفي ظروف لا تزال محلّ جدل حتى اليوم، وقعت مواجهة عنيفة انتهت بمقتل بازوليني. الرواية القضائية الرسمية التي ظهرت آنذاك نسبت الجريمة إلى الشاب بيلوسي، الذي اعترف لاحقًا بأنه اعتدى على المخرج خلال شجار بينهما، قبل أن يفر من المكان بسيارته.

غير أن قسوة الاعتداء وطبيعته دفعت كثيرين منذ ذلك الحين إلى التشكيك في أن يكون الفاعل شخصًا واحدًا فقط. ومع مرور السنوات، ظهرت شهادات وفرضيات جديدة أعادت فتح الملف مرارًا، ليبقى مقتل بازوليني واحدًا من أكثر الأحداث غموضًا في تاريخ الثقافة الإيطالية الحديثة.

 عندما عُثر على الجثة عند الفجر، كان المكان يعج بالمتفرجين؛ حتى أن مجموعة من الأطفال بدأت تلعب كرة القدم بالقرب من الجثة. كانت وفاة بازوليني مونتاجًا فوريًا وخاطفًا لحياته، وتصادمًا بين المقدس والمدنس. دُفن في كاسارسا بينما ظلت جملته الأخيرة، المسجلة كنبوءة لأمة تشهد أزمة، تتردد بعد وفاته: «نحن جميعًا في خطر».

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى