«مهرجان عفت السينمائي»: حين يصبح الفيلم رسالة

April 10, 2026

لطالما حلم عدد من الشباب بفرصةٍ واحدة تمكنهم من إظهار موهبتهم السينمائية، سواء في صناعة الأفلام وإنتاجها، أو في كتابتها وتصويرها، وفي أغلب الأحيان، تتبدد هذه الأمنيات من دون أن يقتربوا من تحقيقها. وقد كان لمهرجان عفت السينمائي رأيٌ آخر، فقد انطلقَ فاتحًا أبوابه لجميع الشباب الذين يملكون مواهبَ مميزة في الإنتاج والإبداع، لكنهم لم يعثروا أبدًا على طريقة أو مكانٍ لتقديمها، ليمنحهم رسالةَ أمل ساطعة، وفرصةً ذهبية في تقديم رؤيتهم السينمائية الخاصة إلى العالم.

يعود المهرجان هذا العام في دورته الثالثة عشرة، وبفرصٍ جديدة للشباب، الذين قدمّوا هذا العام أيضًا، كعادتهم، أعمالًا تحمل أفكارهم الخاصة، ونظرتهم الشبابية إلى العالم، والتي تعكس كذلك طريقتهم في النظر إلى سينما المستقبل.

لم يكن التنوع منحصرًا في نوع الأفلام فحسب، وإنما تعداه إلى التنوع الثقافي والدولي الذي كان يميز كل فيلم عن غيره، فبعضها كانت تعكس نظرة هؤلاء الشباب إلى دولهم ومجتمعاتهم، وبعضها الآخر كان مركزًا على نظرتهم في طريقة تغيير بعض الأفكار المعتادة عن طريق سردها وعرضها بالواقعية نفسها، أما النوع الأخير فقد كانت توعوية تهدفُ إلى حماية البيئة والمجتمع والفرد، وهذا ما جعل هذه الدورة استثنائية.

كان فيلم «الكلب» (The Dog) من إخراج سوغاند وطن خواه (sogand vatankhah) ضمن أفضل الأفلام الأجنبية التي قُدمت في المهرجان بالنسبة لي، فقد روى قصة مؤثرةً تجعل المشاهد يدرك جوهر المشهد الفيلمي، رغم أن الفيلم كان صامتًا من البداية حتى النهاية. نشاهد رجلًا ضائعًا في الصحراء برفقة كلبه، وهما يبحثان باستماته عن قطرة ماء يسدّان بها عطشهما القاتل، وفي طريقهما الشاق، يزيد الوضع سوءا سقوط الرجل في حفرة وانكسارُ ساقه، لكن وفي قلب تلك الظروف الصعبة، يظل الكلب ملازمًا إياه ولا يفارقه أبدًا، ويستمر في الدوران حول الحفرة لمدة طويلة. يترك المخرج النهاية مفتوحة، إذ لا نعثر على جواب شافٍ لسؤال: هل نجا الرجل؟ وهل أنقذه الكلب كما رأينا؟ أم أن قدمه في النهاية كانت دليلًا على أنه مات وحيدًا هناك؟

يقدم الفيلم فكرةً مميزةً رغم بساطتها وتعقيداتها الطفيفة، دون تفسيرات كثيرة. وهو بذلك يُعطي المشاهدَ الفرصةَ لتحليل ما شاهده بطريقته الخاصة، ويكشف عن الاختلافات بيننا على مستوى التفضيلات السينمائية. فهناك من يبحث عن نهاية سعيدة دائمًا، حتى أنه سيميل إلى اعتبار نهاية الفيلم نهايةً سعيدةً دون تردد، وهناك من يشاهد الأفلام بحثًا عن الحقيقة حتى لو كانت حزينة ومؤلمة.

أما السينما السعودية فقد حملت خصالًا عديدة ومختلفة في أفلامها، أولها كان فيلم «صرخة النملة» (Scream Of An Ant) للمخرجة لجين سلام، الذي يروي قصة رؤى، فتاة قررت البحث عن منزل للهروب من والدها وتصرفاته السيئة والمتكررة. يتحدث الفيلم عن المخاوف التي تتبع البحث عن الهوية والاستقلال للمرة الأولى، والتي يتخللها خوف وتردد وربما نوبات هلع مفاجئة، كما شرحت كيف تؤثر القيود الاجتماعية على هذه الرحلة المنهكة وتزيد من صعوبتها.

ما توصلت إليه رؤى في الفيلم أنها لا تعاني وحدها، وأن كل من عبر هذا الطريق قبلها عانى بطريقته الخاصة، وأحيانًا، قد تكون معاناة شخص آخر للوصول والنجاة أصعب من محاولاتها هي، وأن طريق الفرح والتحرر يبدأ بالتخلي عن كل شيء والنظر إلى الأمام فقط. قدّم الفيلم رسالة مميزة إلى كل من يخشى من الخطوة الأولى، وصوّر المصاعب بشكل واقعي ليتسنى لكل شخص رؤيتها وإدراك أن الجميع قد مرّ بهذه اللحظة.

وفي لمحة سعودية مميزة أيضًا، قدمت جامعة دار الحكمة فيلمًا توعويًا في غاية الأهمية، خصوصًا لدى الطلاب من جميع الأعمار. يروي فيلم «بيت الجدة» قصة واقعية عن كيف تصبح الحياة فوضوية وسعيدة في بيت الجدة، لدرجة أننا قد نتجاهل الأطفال أحيانًا، وننسى أن العالم الخارجي لا يزال خطرًا عليهم بسبب التكنولوجيا.

القصة الأولى كانت حول طفل يملك جهازًا محمولًا خاصًا به، ولديه حساب تيك توك كذلك، حيث يصور مقطعًا يظهر فيه مهاراته الكروية ببراءة شديدة، لكنه يلقى تعليقات ساخرة ومسيئة له، مما جعله يحزن كثيرًا، بعد أن علمت والدته بما حدث، قدمت له نصيحة مفادها أن ثقته بنفسه هي كل ما يهم، وعليه أن يتجاهل كل من يؤذيه، وهذا ما هدأ من حزنه في النهاية.

أما القصة الثانية فهي لطفلة تستمتع بلعب لعبة روبلوكس، لكنها تتفاجئ بأن من كان يلعب معها رجلٌ بالغ. وحين خافت وأخبرته بالابتعاد عنها لأنها لا تلعب مع رجال، هددها بالتهديدات التي يتلقاها الأطفال اليوم كثيرًا، لكنها لم تخف، وهرعت إلى والدها لتخبره مباشرة، والذي قام بدوره بتهدئتها والتواصل مع الجهات المختصة مباشرةً. هذه الكلمات هي ما يحتاج الأطفال إلى سماعه في لحظات حزنهم وخوفهم، بأننا معهم لا ضدهم، فالعالم مكان مرعب لهم بما فيه الكفاية، ولا داعي إلى زيادة مخاوفهم وفزعهم بقسوتنا وجديّتنا.

قدّمت أعمال هذا العام رسائلَ مهمة لجميع الأجيال، وكشفت عن براعة الجيل الحالي من المواهب الواعدة في تقديم أعمال تعكس رؤاهم وأفكارهم، فضلا عن قدرتهم على إخراج وإنتاج وكتابة أفلام جديرة بالتقدير مستقبلًا، ولعلّ النهاية السعيدة لكل سينمائي تتمثّل في رؤية اسمه في نهاية فيلم أخرجه بنفسه، ولن يصل أحد إلى هذه اللحظة إلا بعد أن يتجرأ ويحاول، ليُري العالم بأكمله أنه يملك القدرةَ على الوصول، وهذا ما قدمه مهرجان عفت لهؤلاء الشباب.

وكمحبةٍ للسينما، وشخص كان وما يزال يحلم بفرصة يستطيع أن يعبر فيها عن نظرته الخاصة في الكتابة والإخراج، أشكر مخرجي المستقبل على أفكارهم الرائعة التي قدموها بجرأة وشجاعة، وأتمنى أن أشاهد لهم أفلامًا أطول في المستقبل، لأستطيع حينها القول إن مهرجان عفت السينمائي كان قد سبق وقدم هؤلاء المبدعين منذ مدة طويلة، والآن أصبحنا نراهم على شاشات السينما.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى