السينما كسبيلٍ للرؤية: حوار مع جيجي حزيمة بمناسبة افتتاح «صالون السينما السعودية المستقلة»

و
May 17, 2026

شهدت السينما السعودية في السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، وزخمًا متناميًا في الإنتاج، وحظورًا بارزًا في المهرجانات الدولية، حيث حظي عدد من الأفلام المحلية بتتويج عالمي، وهو ما قاد إلى فتح حوار واسع حول السينما السعودية، فتنوّعت في إثره الدراسات النقدية والنقاشات التي رأت في بوادر هذا الحراك مستقبلًا واعدًا للسينما السعودية. ويعكس هذا النمو طموحًا كبيرًا لدى صنّاع القرار ورغبة راسخة في الارتقاء بالسينما السعودية لتغدو مرآة فنية تعكس أصالة الثقافة المحلية وثراءها، وتحقق حضورًا أوسع في المحافل العالمية بوصفها سفيرًا ثقافيًا فاعلًا. 

ويأتي «صالون السينما السعودية المستقلة»، الذي تؤسسه وتشرف عليه المخرجة جيجي حزيمة، ليشكل امتدادًا لهذا الحراك السينمائي الكبير، بوصفه فضاءً نقديًا يسلط الضوء على «سينما المؤلف» السعودية، ويتناول واقع السينما المستقلة في المملكة والتحديات التي تواجهها، إلى جانب إبراز تفرد هذه التجارب السينمائية المستقلة وما تنطوي عليه من أبعاد فنية وجمالية. وقد جاءت فكرة الصالون استجابةً لحاجة حقيقية إلى تسليط الضوء على الأعمال السعودية المستقلة، وعرضها أمام جمهور عالمي، لتناولها نقديًا وخلق مساحة حوارية حول هذا مسار والتحديات التي يواجهها المخرجون السعوديون المستقلون. 

في هذا السياق، تحل المخرجة جيجي حزيمة ضيفةً على «ميم» لتحدثنا عن تفاصيل هذا المشروع، وأهميته الثقافية والنقدية في سياق دعم وتعزيز حضور السينما السعودية المستقلة. 

ميم: كيف بدأت رحلتك كصانعة أفلام، لا سيّما في زمن شهد ندرةً في النماذج السينمائية الواضحة في المملكة العربية السعودية؟ وما الذي جذبك إلى الإخراج في البداية؟

حزيمة: في ذلك الوقت، ومع غياب نماذج واضحة في المملكة، لم يكن هناك طريق ممهد لنا كصناع أفلام لنسير عليه، وهذا تحديدًا ما أضفى على التجربة عمقًا خاصًا ومصداقية. لقد خطّت الضرورة ملامح رحلتي، ولم تكن تجربتي السينمائية وليدة التخطيط في الأساس. فقد خضت قبلها تجربة قصيرة في تقديم البرامج التلفزيونية، لكنها رغم قصرها إلا أنها كانت كافية لأدرك أن هذا الطريق الإعلامي لم يكن المنشود. ثم التحقت بالصدفة بدورة قصيرة في جامعة بورنموث. وخلال تلك الفترة، لفت أحد المعلمين انتباهي إلى امتلاكي موهبة طبيعية في التصوير والتكوين البصري، ووجود هذا الميل لديّ تجاه مهنة الإخراج، أكثر من ميلي إلى الوقوف أمام الكاميرا. لقد لازمتني تلك الملاحظة البسيطة طويلًا. ومن وقتها، صارت السينما وسيلةً لفهم نفسي، والعالم، ولإيجاد وسيلة لصياغة المشاعر التي يعجز عنها الكلام العادي.

ميم:  في أفلامك العديدة التي نذكر منها: «هو ينتمي إلينا» (He belongs to us)، و«ذلك المكان المهجور» (That abandoned place)، و«دائمًا تلك المشاعر» (It's always that feeling)، غالبًا ما تستكشفين العالم الداخلي للإنسان وعلاقته بما حوله. ما الرهان الفني الكامن وراء اهتمامك المتكرر بهذا الشأن؟

حزيمة: تنبع السينما عندي مما يعتمل بداخل الإنسان. ولذلك لا يعنيني تقديم شرح للشخصيات من الخارج، أو اختزالها في سلسلة اﻷحداث. إن ما يشغلني حقًا هو التوتر بين ما يُظهره الإنسان وما يُضمره في صمت. العالم الخارجي حاضرٌ دائمًا في أفلامي، غير أنه يظهر غالبًا على هيئة ضغطٍ، أو مسافةٍ، أو ذاكرةٍ، أو غياب. فالمشهدُ الطبيعي والغرفة والصمت والضوء عناصرُ ليست للزينة، إنها فضاءات وجدانية متكاملة. ولذا فإن رهاني الفني يقوم على قدرة السينما على الكشف عما يصعب قوله مباشرةً؛ وجعل كل ما هو مخفي مرئيًا دون الإفراط في الشرح.

ميم: في فيلم «ثم يأتي الشتاء» (And then comes winter)، تروين قصةً حميمة مشحونة بالتوتر عشية حرب وشيكة، بأسلوب شعري مقتصد. كيف وازنت بين حدة المشاعر والجماليات المقتصدة (Minimalist) للفيلم؟

حزيمة:  لا ينتمي هذا الفيلم إلى نمط أفلام الحروب بصورتها التقليدية. إذ يتأمل لحظةَ ما قبل الانهيار؛ حين يكون الناس مجتمعين حول المائدة، يتبادلون النظرات، ويحاولون التصرف بصورة طبيعية، بينما هناك شيء أكبر يلوح في اﻷفق مقتربًا منهم. لقد سعيت في معالجتي السينمائية إلى جعل التوتر نابعًا من التقييد وليس من الإبهار. فلحظاتُ الصمت والتوقفات والنظرات والمسافة العاطفية بين الشخصيات تحمل جميعها ثقلَ الفيلم على عاتقها. وقد كان النهج الحَدنَويُّ (المقتصد) ضرورةً ملحَّة، إذ أتاح للمشاهد الشعورَ بالضغط الكامن تحت السطح. وقد أردت للجمال أن يكون حاضرًا كعنصر فاعل، لا كزخرفة أو ديكور فحسب، لأن الجمال في الفيلم يتسم بالهشاشة، ويكاد يكون عرضةً للتهديد، إذ يسكن المكان نفسه الذي يسكنه الخوف.

ميم: تشكّلت ملامح السينما السعودية المستقلة على مدار العقد الماضي، مع تنامي حضور صنّاع الأفلام السعوديين وقدرتهم على التعبير عن أفكارهم ورؤاهم. كيف تقرئين هذه الحركة اليوم؟

حزيمة: أنظر إلى السينما السعودية المستقلة باعتبارها حركةً ضرورية وواعدة، غير أنها في نفس الوقت بحاجة إلى التحرر من التعريفات الجاهزة والسريعة. لأن السينما المستقلة ضربٌ من ضروب التفكير، وليست مجرد تصنيف إنتاجي، إذ لا يكفي أن يكون الفيلم قد جرى إنتاجه خارج الاستديوهات، أو بميزانية متواضعة. فالسينما المستقلة هي سينما لا تسعى إلى إرضاء السوق بالدرجة الأولى، وإنما تطمح إلى التعبير عن رؤية متكاملة. في المملكة، يبحث الكثير من صنّاع الأفلام الآن عن لغتهم الخاصة، وهذا هو الأهم. حيث لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة في عدد الأفلام المنتجة فحسب، بل في إمكانية سماع أصوات مغايرة وإيقاعات متفاوتة وطرق مختلفة للرؤية.

ميم: باتت الأفلام السعودية تحظى بحضور متنامٍ في المهرجانات الدولية خلال السنوات الأخيرة. كيف تنظرين إلى أثر هذا الحضور على مكانة السينما السعودية المستقلة وصوت الفنان السعودي على الصعيد العالمي؟

حزيمة: الحضور الدولي مهم لأنه يفتح الأبواب ويُولّد فضولاً حول القصص السعودية وصنّاع الأفلام السعوديين. غير أن الظهورَ وحده غير كافٍ. ذلك أن السؤال الأعمق هو: أي سينما نقدّم؟ وهل نقدم أعمالًا تتوافق مع ما هو متوقعٌ منها فحسب، أم أفلامًا تُوسع من مدى فهمنا لكينونَتنا؟ إذ لا ينبغي أن يقتصر الحضور العالمي للسينما السعودية على التمثيل؛ وإنما ينبغي أن يشمل المجازفةَ الفنية والتعقيد والرؤية الشخصية. فالفنانُ السعودي يتمتع بصوت متفرد قادر على أن يكون محليًا وعالميًا في الوقت نفسه، لكن ذلك مشروط بأن يُتاح لهذا الصوت أن يكون صادقًا وحرًا كذلك.

ميم: كيف نشأت فكرة «صالون السينما السعودية المستقلة»، وما الدور الذي تطمحين إلى أن يؤديه في خضم هذا الحراك السينمائي المتنامي؟

حزيمة: جاءت فكرة الصالون استجابةً لحاجة حقيقية وملموسة في الساحة السينمائية السعودية. فقد أردت من خلالها خلق وتهيئة فضاء تُعامل فيه السينما كشكل فني، لا كحدث صناعي أو مناسبة على السجادة الحمراء فحسب.  ويقوم الصالون على اللقاء والحوار والاكتشاف، مبتعدًا بذلك عن البريق والمنافسة. ويتمثل دوره في منح أفلام السينما السعودية المستقلة نوعًا آخر من الحضور، حضورًا يتيح لها أن تُشاهَد وتُناقش وتُوضع في سياقٍ حواريٍّ مع الجمهور والنقاد والفنانين والمؤسسات الثقافية، لذلك أراه جسرًا وفضاءً حاضنًا ومدافعًا عن أصوات المخرجين المؤلفين.

ميم: يضمّ الصالون معرضًا للفنون البصرية إلى جانب البرنامج السينمائي. لماذا يُعد ضم الفنون البصرية إلى جانب هذا الحدث السينمائي أمرًا جوهريًا في نظرك؟

حزيمة: السينما عندي لم تنفصل يومًا عن الفن البصري. فقبل أن يتحول الفيلم إلى حكاية، هو في الأصل صورة وفضاء وملمس وإيقاع وطريقة للنظر. إن إدراج معرض للفنون البصرية يُتيح للصالون أن يتجاوز حدود العرض التقليدي، ويصنع بيئة حسية وفنية محيطة بالأفلام. كما يعكس طريقتي الشخصية في فهم السينما، فهي ليست مجرد سرد، لكنها أيضًا تجربة بصرية ووجدانية. يُساعد المعرض الجمهورَ على الدخول إلى عالم الصالون قبل أن يحين وقت الشاشة.

ميم: كثيرًا ما تواجه السينما المستقلة تحديات متعلقة بالتمويل والدعم والتوقعات الثقافية والوصول إلى المنصات. كيف يمكن لصنّاع الأفلام المستقلين تجاوز هذه العقبات؟

حزيمة: التحديات حقيقية ولا ينكرها أحد. فالتمويلُ شحيحٌ وشاق، والوصول ليس متكافئًا دائمًا، وكثيرًا ما يضطر صانع الأفلام المستقل إلى النضال من أجل الظفر بفرصة ما. غير أنني أؤمن بأن الاستقلالية تبدأ من الوضوح الداخلي. لابد لصانع الأفلام أن يعرف أي سينما يريد صنعها، ولماذا؛ فمن يفتقر إلى مثل هذا الوضوح الداخلي يضل طريقه بين المتطلبات المتضاربة. عمليًا، نحن بحاجة إلى منصات بديلة أكثر، وشراكات أوسع مع المؤسسات الثقافية، وحوارات جدية حول السينما كشكلٍ فنيٍّ، ودعمٍ لا يُرغم صنّاع الأفلام على التنازل عن رؤيتهم. يصمد صانع الأفلام المستقل بالعناد، وبالدعم في الوقت نفسه.

ميم: في ضوء تطور السينما السعودية وتنامي إنتاجاتها وبروز صنّاعها في المهرجانات العالمية، لماذا ما زلنا بحاجة إلى فضاءات مثل «صالون السينما السعودية المستقلة»؟

حزيمة: نحتاج إلى مثل هذه الفضاءات لأن الإنتاج وحده لا يصنع ثقافة سينمائية. فالثقافة السينمائية الحقيقية بحاجة أيضًا إلى تعزيز المشاهدة والحوار والنقد والذاكرة وتحقيق الاستمرارية. تلعب المهرجانات السينمائية دورًا مهمًا، غير أنها ليست النموذجَ الوحيد المهم في هذه المعادلة. فالصالون، هو الآخر، فضاءٌ حيويٌ قادرٌ على تقديم شيء أكثر حميمية وأكثر ديمومة؛ وذلك لأنه يُقدّم الأفلام بطريقة مغايرة، ويبني حوارًا حولها، ويُسهم في بناء جمهور جادّ للسينما السعودية المستقلة. وهو بذلك يتجاوز الاكتفاء بعرض الأفلام إلى بناء وتشكيل طريقة مختلفة لرؤيتها أيضًا.

ميم: يحظى الصالون بدعم شركاء فرنسيين، من بينهم ESRA، إحدى المدارس الرائدة في فنون الإعلام السمعي المرئي والإخراج. ما أهمية هذا الدعم لصانعي الأفلام السعوديين، وكيف يمكن للصالون أن يمثل جسرًا بين المواهب السعودية والمحترفين الدوليين من أصحاب الخبرة؟

حزيمة: إن دعم شركاء عالميين، مثل المدرسة العليا للإخراج السمعي البصري (ESRA)، يُعد أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يضع السينما السعودية المستقلة في سياقٍ تعليميٍّ وثقافيِّ رصين. فالمدرسة تحوز على خبرة كبيرة، وتجمع تحت سقفها طلابًا ومخرجين، وتعد صلة حقيقية بفضاء الفنون السمعية المرئية. وهذا ما يُفضي إلى فرص للتبادل الحقيقي، الذي لا يقف عند حدود الاكتشاف فحسب. وانطلاقًا من ذلك، يمكن لهذه الشراكة أن تفتح أمام صنّاع الأفلام السعوديين أبواب الحوار مع محترفين فرنسيين ودوليين في مجال السينما، مساهمةً بذلك في ترسيخ مكانة السينما السعودية ضمن محادثة فنية أرحب. يمكن أن يتحول معها الصالون إلى جسرٍ حيٍّ يصل بين الأصوات السعودية الناشئة وأصحاب الخبرة العميقة في السينما والنقد والتعليم والإنتاج.

ميم: يسعى «صالون السينما السعودية المستقلة»، عبر العروض والنقاشات النقدية، إلى تعريف الجماهير السعودية والفرنسية بالأفلام السعودية المستقلة. كيف تأملين أن يُؤثّر الصالون في طريقة تلقّي هذه الأفلام خارج سياقها المحلي؟

حزيمة: آمل أن يُتيح الصالون للجماهير الفرصةَ لتلقّي الأفلام السعودية باعتبارها سينما أولاً. فالثقافة والسياق مُهمَّان بالطبع، لكنني لا أريد مشاهدة الأفلام السعودية من باب الفضول أو التمثيل الثقافي فحسب. أريدها أن تخضع للنقاش من حيث الصورة والإيقاع والصمت والأداء والشكل والرسالة الفنية. حينما يُشاهد الجمهور الفرنسي أو الدولي فيلمًا سعوديًا بهذه الطريقة، تغدو العلاقة أعمق. يصبح معها الفيلم عملاً فنيًا قابلًا للتأويل والتساؤل والشعور، متخطيًا دوره كنافذة على ثقافة أخرى.

ميم: استنادًا إلى تجربتك الطويلة في السينما المستقلة، ما النصيحة التي تُقدمينها لصنّاع الأفلام السعوديين الراغبين في تقديم أعمالهم محليًا وعالميًا؟

حزيمة: نصيحتي إلى كل مخرج سعودي: حافظ على صوتك. لا تتسرّع في تقليد كل ما هو مرئي ومعروف، ولا تخلط بين الاعتراف والحقيقة. على صانع الأفلام أن يتعلم ويدرس ويتعاون ويفهم الصناعة، دون أن يفقد السبب الخاص الذي دفعه إلى صنع الأفلام من اﻷساس. السينما ليست مجرد فرصة، إنها طريقة للرؤية. إذا نبع فيلمك من مكان حقيقي، حتى وإن كان هادئًا أو عصيًا على الفهم أو غير مألوف، فسيحمل في زواياه شيئًا حيًا. وهذا هو ما سيبقى في النهاية.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى