«إشراقة أبدية لعقل نظيف»: كيف يشكل الحب نظرتنا إلى الزمن والذاكرة والحياة؟

May 3, 2026

ثمة شيئان يحركان روح المرء ويدفعَانه إلى الكتابة بعنفوان كبير: الحب والموت. كلٌّ منهما مؤلف من ثلاثة أحرف، غير أنهما يحملان من المعاني والصور ما تحمله حياة بأكملها. ولكي تصل تلك الصور إلى الآخرين فعلى الكاتب أن يمزج جزءًا من روحه بكلماته، وإلا فشل في نقل فحواها بشكلٍ غامر وبالغ التأثير. 

لقد تناولت أفلامٌ كثيرة الموتَ بوصفه الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الكون، مثل فيلم «الختم السابع» (1957 ,The Seventh Seal)، إخراج إنغمار برغمان. إلى جانب غيره من الأعمال التي تنظر إلى الحياة انطلاقا من نهايتها، أي من خلال عدسة الموت. وعلى النقيض، تناقش أفلامٌ أخرى الحب بوصفه الأرضية الأكثر ثباتًا التي يمكن للمرء أن يتوازن عليها والتي تجعل الحياة تستحق أن تعاش. لكن ماذا لو كان الحب يشبه الموت في غموضه؟ ماذا لو كان ممتلئًا بالأسئلة والشكوك لكنه في الوقت نفسه الشرارة التي تمنح الحياة دفئها؟ 

يشكل كلٌ من الحب والموت نظرتنا نحو الزمن، فالموت يكثّفه ويضغَطه ليستحيل إلى لحظة واحدة فارقة، يغدو كل ما قبلها بلا أي معنى، أما الحب فيجعل الزمن يتمدد كالفقاعات البراقة التي ينفخها الصغار. 

يناقش فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» (2004، Eternal Sunshine of the Spotless Mind)،  إخراج ميشيل غوندري، الحبَ وتأثيره على الزمن بطريقةٍ فريدة من نوعها، ليبرز كيف يمكن للمشاعر أن تجعد الذاكرة أو تمددها، فتجعل كلمة "أحبك" تمتد إلى ما لانهاية أو تطوي الأيام السعيدة التي قضيناها برفقة من نحب بمجرد أن ننفصل عنهم. كما يشرح كيف أننا كبشر نتوق إلى البحث عمن يكمل أحجيتنا، لكن هذا المفهوم الخاطئ يدفعنا إلى توقع ما لا تستطيع العلاقات قطعًا توفيره لنا. فالحب لا يعني البحث عمن يرتب قِطَعنا المبعثرة، وإنما إيجاد من تتناسب فوضاه مع فوضانا، والاهتداءُ، في خضم هذه البعثرة، إلى نظام ما يحقق التناغم. إن الحب يكشف خبايانا ويعرينا، ويفشي ما كنا نخفيه. لكن كلما تفهمنا الاختلاف والاضطرابات الناتجة عن التجارب المختلفة كلما غرقنا أكثر في الحب.

بين الزمن والذاكرة: هل حقًا نريد أن ننسى؟

في الفيزياء، يعد الزمن أحد أهم العوامل التي يتم التعامل معها بشكلٍ مباشر سواء في حل المسائل أو في مناقشة النظريات العلمية. وفي الفيزياء الكلاسيكية، يُعد الوقت عاملًا مطلقًا، أي أنه يتغير بالمعدل نفسه في أي مكانٍ في الكون، لكن في الفيزياء النسبية -كما يدل اسمها- فإن الوقت نسبي، ويعتمد على الإطار الذي نقيس من خلاله الوقت. وإن كان لهواة الفن والأفلام رأيٌ في الموضوع،  فمن المؤكد أنهم سيتبنّون هذا المفهومَ النسبي، ولكن بروح شاعرية جامحة، تتجاوز حدود ما تسمح به الفيزياء والمنطق. 

 في الرواية القصيرة «لاعب الشطرنج»1 لستيفان زفايغ يقول: «أربعة أشهر هي عبارة تُكتب بنفس السرعة التي تنطق بها. فنحن لا نحتاج إلى أكثر من ربع ثانية لنطق هاتين الكلمتين. ولكن لا أحد بإمكانه وصف حياة تمضي خارج المكان والزمان، لا أحد بإمكانه تقييمها ولا تمثّلها».

وتبعًا لهذا الاقتباس، لا يمكن للآخر أن يدرك، بتاتًا، ما خاضه المرء في يومٍ أو شهر، إذ يمكن للزمن أن يتمدد أو ينكمش في عيني الإنسان بناءً على ما يخوضه في ذلك الوقت. لهذا، فإن الكلمات التي نستعملها، ظنًا منا أننا سنكون أكثر دقة وموضوعية، ما هي إلا كلماتٍ جامدة لاختصار ما لا يمكن اختصاره، فنحن جميعًا نتحرك وفق إطاراتنا الزمنية، ولا يمكننا أبدًا الانتقال من إطارٍ إلى آخر. 

إن للعقل طريقة فريدة في تشويه الزمن داخل الذاكرة، فمَدى وضوح حدثٍ معين وانتعاشه في الذاكرة، يعتمد على قوة المشاعر المرتبطة به. ذلك أن "الأمس" و"اليوم" و"غدًا" لا تعدو كونها كلمات هلامية، لا تعني شيئًا واضحًا بدقة، لأن حدود الزمن في الذاكرة تتشكّل من سلسلة متصلة من الأفكار التي ترافق أحداث حياتنا، فلا فرق بين هذه الساعة وغيرها إلا بالقدر الذي تختلف فيه مشاعر الإنسان وأفكاره نحو العالم.

في فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف»، تحمل الذاكرة والزمن دلالات خاصة. فشخصيتَا الفيلم الرئيستان هما "جول"، الرجل الخجول الذي يبدو منسلخًا عمن حوله، و"كلمنتين" المرأة المندفعة، المليئة بالحياة وصاحبة الشخصية الحدية. عند النظر إليهما بموضوعية، تبدو العلاقةُ بينهما محكومًا عليها بالفشل منذ البداية. غير أن الفيلم يسعى إلى إيضاح ما هو أبعد من الصورة النهائية لهذه العلاقة، إذ يغوص في التفاصيل الفسيفسائية لكلٍ منهما، ويرينا مراحل تبلور العلاقات الإنسانية. وهكذا يبدو لي الناس على الدوام كفنٍ فسيفسائي، لا نفهم الكثير عنه إلا حين نمعن النظر في الجزيئات الأصغر التي تشكل الصورة الكاملة. 

يبدأ الفيلم في عيد الحب، حيث يشعر جول بقوة مجهولة تدفعه إلى التغيب عن العمل والذهاب إلى منطقة "مونتوك". في القطار، تجذب انتباهه فتاةٌ بشعرٍ أزرق داكن ترتدي معطفًا برتقاليًا لامعًا، فيشرع في رسمها لاشعوريًا، ليمتد بينهما حوار يقودهما إلى التعرف على بعضهما البعض. بعد ذلك، ينتقل الفيلم إلى سردٍ مبهم لأحداث الماضي، ما يدفع المشاهد إلى الشعور بقليلٍ من الارتباك، غير أنه مع نهاية الأحداث تتكون فكرة واضحة عن تسلسل الوقائع وكيف وصلنا إلى نقطة بداية الفيلم. 

يكتشف جول، الذي كانت تربطه علاقة بكلمنتين، أنها قررت مسحَ كل ذكرياتها عنه في واحدة من ثوراتها الحدية، وكنوعٍ من الانتقام يذهب هو الآخر إلى العيادة التي تقدم هذه الخدمة ويطلب منهم القيام بالشيء ذاته. في رحلة المسح هذه، يضطر جول إلى عيش مراحل علاقتهم، لكن هذه المرة: من النهاية إلى البداية. إن اختيار عملية المسح ابتداءً من نهاية علاقتهم هو اختيارٌ مقصود، حيث يسعى إلى توضيح تلاعب الذاكرة بالإنسان، التي تقوم بتضخيم الألم والذكريات الحزينة، وتهميش كل ما كان في البداية، من رغبة واندفاع وحب. إنها تجعل الزمن ينكمش تحت رحمتها فتتقلّص السعادة وترزح تحت وطأة لوعة النهايات.

خلال هذه الرحلة يدرك جول بأن الوجهَ الداكن والأطرافَ الحادة للعلاقة، التي أدت إلى انتهائها، ما هي إلا قشرة خارجية، وبمجرد تجاوز حدودها الظاهرية والوصول إلى اللبّ، يبصر كل ما انطوت عليه علاقتهما من مشاعر رقيقة، خلابة، وأزلية، مشاعر طواها خوفًا من الألم الأولي المحيط بها، لكنه بخوفه هذا تجنب الذكريات الرائعة التي مرّا بها معًا. وكلما رجع إلى الوراء أكثر في رحلة المسح، يتلمس في عتمة النهايات طريقًا مضيئًا، ذكريات ضاحكة، وأيامًا منيرةً بشعلة السعادة، التي خف نورها مع ازدياد سوء الفهم الذي أحاط بعلاقتهما.

هل نحن أنصاف بشر؟

في واحدة من الذكريات التي مرت عليه، تقول له كلمنتين: «كثير من الرجال يظنون أنني مجرّد فكرة، أو أنني أُكملهم، أو أنني سأجعلهم يشعرون بالحياة. لكنني في الحقيقة مجرد فتاة مضطربة تبحث عن سلامها الداخلي»، وهذه واحدة من أهم المعضلات التي تطرحها العلاقات الإنسانية، ظنُّنا بأننا لا نكتمل إلا بأحدٍ آخر يكملنا. 

ولعل بعضنا قد سمع عن الأسطورة الإغريقية التي تحكي أن البشر كانوا مخلوقاتٍ مزدوجة بأربعة أرجل وأيدي، ولكن الإله زيوس غضب منهم بسبب عجرفتهم وتحديهم له، فقرر شطرهم إلى نصفين، ومنذ ذلك الحين يقضي البشر حياتهم باحثين عن نصفهم الآخر الذي يكملهم.

وبعيدا عن الأسطورة، تظلّ هذه الكذبة التي تربينا عليها -بأننا ولدنا ناقصين وبحاجةٍ إلى أحدٍ يكملنا- تعمق من إحساس الغربة بداخلنا، وكأننا مقطوعُون من شجرة، وأن حياتنا ما هي إلا رحلة بحث عن جذورنا المفقودة في غيرنا من البشر. وهي نفس الفكرة التي تجعلنا نحمّل العلاقات ما يفوق طاقتها، وتدفعنا إلى امتلاك سقف توقعات مرتفع، وانتظار الطرف الآخر أن يحل اضطراباتنا ويجعلنا نتصالح مع ذواتنا.

لكن الحقيقة أننا لسنا سوى مخلوقاتٍ مضطربة تبحث عمن يتناغم ويتواءم مع اضطراباتنا. ويكمن الخطأ في بحثنا المستميت عن انعكاس لأنفسنا في الآخر، فنبحث عن أجزائنا المفقودة بداخلهم، ونخلط القطع جميعها، فلا نعود قادرين على إيجادنا أو إيجادهم. وهذا ما يجعل رغبتنا في التعرف على الآخرين غير صادقة، وإنما رغبة مقنعة للتعرف على أنفسنا من خلالهم، فيصبح التواصل الإنساني منطويًا على رغبة أنانية خفية.

بين الحب والوحدة الوجودية 

كلما رجع جول في الخط الزمني إلى الوراء، إلى علاقته مع كلمنتين، تضاءلت رغبته في مسحها، وأدرك بأن المشاعر التي عاشها معها كانت أكثر نبلًا وصدقًا من أي شيء آخر خاضَه في حياته. ويتضح هذا جليًا في الحوار الذي جرى بينهما، إذ تقول كلمنتین: «ليتك بقيت»، ليرد جول: «ليتني بقيت أنا أيضًا… الآن فقط أدرك كم أتمنى لو أنني بقيت. كم أتمنى لو أنني فعلت أشياء كثيرة… كم أتمنى لو أنني… بقيت. نعم، ليتني فعلت».

هذا الحوار الذي ينزف ندمًا، المولود من رحم الذكريات الجميلة هو في رأيي الفكرة الرئيسة للفيلم. إذ أن للندم وجهًا شاحبًا وقاسيًا، يجعل جميع المشاعر تتضائل بجانبه، ويرسل في الجسد رعشةً ترتعد لها فرائصه. لكنه في الحقيقة ما هو إلا رغبات لم تتحقق، وأماني ماتت بضربةٍ من سيف الجبن، أو علاقات هدمت بسبب الخوف.

ظن جول أنه كان يتمنى النسيان، لكن بمجرد أن منح فرصة للنسيان أدرك بأنه لا يريده، ولا يريد نسيان لقاء كلمنتين، تلك المرأة التي قلبت موازين حياته ورسمت منعطفاتٍ جديدة فيها. فعندما نكون أطفالًا نخال بأن السنين ستكون مليئةً بتلك اللقاءات الاستثنائية، لكننا مع تقدم العمر ندرك بأنها معدودة على أصابع اليد الواحدة وهذا ما يعيه جول خلال عملية المسح. وقبل أن تتم عملية المسح بشكلٍ تام، تهمس كلمنتين في أذنه: «لاقيني في مونتوك». 

بعد التقائهما مجددًا، يصل إليهما الشريط الذي سجّلاه عن بعضهما قبل أن تُمسح ذكرياتهم. يسمعان الكلام البغيض الذي قاله كل منهما عن الآخر، عندما كانا في قمة غضبهما، وسمحا لمشاعرهما اللحظية بإدارة عجلة قراراتهما. 

يختتم الفيلم بحوارٍ أخير بينهما، يوحي بأنهما قررا بدء علاقتهما مجددًا وخوض غمار الحب وعيشه بجميع تفاصيله، حيث يقول جول: «لا أستطيع أن أرى فيكِ شيئًا قد لا يعجبني»، لترد كلمنتين قائلة: «لكنك سترى…..سترى حتمًا. ستبدأ بملاحظة أشياء. ثم سأملّ منك… وأشعر بأنني محاصَرة، لأن هذا ما يحدث معي دائمًا». فيمتد بينهما صمت قصير قبل أن يرد جول: «حسنًا»، فتبادله كمنتین رد الموافقة ذاته: «حسنًا».

وتأتي كلمة «حسنًا» ملخصة لكل ما يمكن أن يحمله حوارٌ كامل عن الرغبة في خوض غمار العلاقة مجددًا والتغاضي عن المخاوف التي قد يجلبها المستقبل. إن القدرة على تفهّم الطرف الآخر ليست من السمات التي يمكن للمرء اكتسابها بسهولة، بل تأتي من الاستعداد لقطع المسافة التي تفصلنا عنه، أن نمد يدنا لأجل الفهم، لا لوضع الآخر في موقع المدان متحيّنين الفرصة المناسبة للاقتصاص منه.

ولكي يدخل الإنسان في علاقةً مع إنسانٍ آخر ينبغي عليه التحلّي بالشجاعة اللازمة للوقوف أمام اختلاف الآخر وقفة احترام، لا أن ينتظر منه الدخول إلى غرفة الاعتراف كقربان أو ضحية تساق إلى جلادها. فلا وجود لمصيب أو مخطئٍ بين المحبين، بل توجد وجهات نظر مبنية على تجارب شخصية مختلفة، وبيئاتٍ متعددة، وصدمات طفولة، وخبراتٍ حياتية لا يشتركان فيها بالضرورة. وعندما نرتبط بإنسان، فإننا نحمل معنا مخاوف الماضي، وضياع الطفولة وحيرة المراهقة، لكن إن كان الحب متينًا، فلابد للأمل في المستقبل أن ينتصر.

في الفلسفة الوجودية ثمة مفهومٌ يعرف بـ"الوحدة الوجودية" والتي تقوم على فكرة مفادها أن هنالك وحدةً متأصلةً فينا نتيجةً لعدم قدرتنا على نقل تجاربنا بدقةٍ لأي إنسان، وأن فجوة لا يمكن ردمها تفصل بين الإنسان ونظيره. وهو ما نجده في رواية فيدور دوستويفسكي "الأبله"2، حيث يقول: «أن هناك شيئًا ما في أعماق كل فكرة بشرية جديدة، كل فكرة عبقرية، بل كل فكرة جادة تنبثق في أي عقل، لا يمكن نقلها إلى الآخرين أبدًا، حتى لو كتب المرء مجلدات عنها وشرح فكرته لمدة خمسة وثلاثين عامًا؛ هناك شيء يبقى لا يمكن إجباره على الظهور من عقلك، ويبقى معك إلى الأبد؛ ومعه ستموت، دون أن تنقل إلى أي شخص -ربما- أهم أفكارك».

عند قراءة هذا الاقتباس لأول مرة، قد يتولّد شعورٌ بالألم؛ لأن فكرة سعي المرء وكفاحه لإيصال أهم الأفكار التي تدور في خلده ثم فشله في ذلك، تبدو فكرةً مخيفة. لكن مع تقدم الإنسان في العمر، يدرك بأنه غير مجبر على قول أفكاره جهارًا، إذ تكفي أحيانًا التماعة نظرة، واختلاجة النفس، أو دمعة تنساب لتشرح ببلاغة ما تعجز اللغات جميعها عن وصفه. يكفي أن يحبك الإنسان بعمقٍ وإخلاص ليفهم ويتفهّم. ولابد في نهاية المطاف أن تتفوق رغبة الأرواح في التواصل على تلك الوحدة الوجودية التي نحملها في داخلنا.

ولا أحد أبلغ من شعراء العرب إفصاحًا عن الحب، ولعل أصدق خاتمة هي قول الحلاج: 

 أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا                نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا

فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ                         وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا

روحُهُ روحي وَروحي روحُهُ                 مَن رَأى روحَينِ حَلَّت بَدَنا

الهوامش:

1. لاعب الشطرنج: ستيفان زفايغ، ترجمة سحر ستالة، مسكيلياني للنشر، 2017.
2. فيودور دوستويفسكي، الأبله، ترجمة سامي الدروبي، دار المركز الثقافي العربي، 2010.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى