«النعمة»: ثقل السلطة وحلم الخفة

يعود المخرج الإيطالي باولو سورينتينو (Paolo Sorrentino) في فيلمه «النعمة» (La Grazia, 2025) إلى أحد أكثر موضوعاته حضورًا في مسيرته السينمائية: السلطة بوصفها تجربة إنسانية مثقلة بالتناقضات، وموقعًا يتقاطع فيه الحس السياسي بالحس الوجودي. ومع ذلك، وخلافًا لبعض أعماله السابقة، يتميّز هذا الفيلم بإيقاعٍ هادئ، كما يُظهر ميلاً واضحًا نحو التبسيط الجمالي، وذلك من أجل منح مساحة للتأملات الأخلاقية، وكأن سورينتينو يعيد النظر في أدواته وفي علاقته بالزمن، والشيخوخة، والخلاص الجمالي الذي لطالما طارده في أفلامه. فيبدو الفيلم إذن بشكل ما طريقا يسلكه المخرج للتأمل في الذات.

يتمحور السرد حول شخصية ماريانو دي سانتيس، رئيس جمهورية إيطاليا المتخيّل، الذي يقضي الأشهر الأخيرة من ولايته وهو يواجه قرارات مصيرية تُمنح للرئيس بموجب الدستور الذي يعرض علينا المخرج مادته في بداية الفيلم، وهكذا يقحمنا مباشرة في ثقل الشخصية وقيودها، خاصة بعد معرفتنا أن دي سانتيس كان قاضيًا قبل أن يكون رئيسًا للجمهورية، مما يضيف للشخصية بعدًا أخلاقيًّا آخر إلى جانب سلطة الرئاسة. 

كان على الرئيس أن يَبُت بصفة عاجلة في قرارات تتعلق بالعفو الرئاسي عن مجموعة من القتلة، وقبول مشروع قانون يخص الموت الرحيم. بالتوازي مع ذلك، يسيطر عليه حزن قديم لم يندمل بعد، ناتج عن فقدان زوجته أورورا (ويعني الاسم الفجر)، وتبدو زوجته في لقطات الاسترجاعات (الفلاش باك) وكأنها حلم شعري يسرق الزوج من مهامه اليومية، لكنه في المقابل يسقطه في شعور متأصل بالوحدة والذنب وأسئلة مؤجلة. هذا السياق يجعل من السلطة تجربة تعود بكل ما هو شخصي وحميمي في تقابل متوتر مع كل ما هو عام وسياسي، كما يحول القصرَ الرئاسي إلى فضاء عزلة أكثر منه مركزًا للنفوذ، بما يضمه من أسوار ضخمة وغرف شاسعة، لم يكن الرئيس يتمتع فيها بحريته إلا بعد هروبه إلى سطح القصر ليسرق لحظات هانئة مع سجائره التي تمنعها عنه ابنته وملاكه الحارس.

تكمن أهمية عنوان الفيلم في الازدواجية الدلالية لكلمة "Grazia" في الإيطالية، فهي تشير إلى "النعمة" بمعناها الأخلاقي أو الروحي، وفي الوقت نفسه تشير إلى "العفو" كفعل سيادي وقانوني. وينعكس هذا التداخل الدلالي مباشرة على بنية الفيلم، حيث تتجاور الرغبة في التحرر والخفة مع ثقل القرار والمسؤولية. فالرئيس، الذي يُلقَّب على نحو ساخرٍ بـ"الخرسانة المسلحة" لصلابته الظاهرة، يبدو في العمق رجلاً يطمح إلى نوع من الانعتاق، والهروب من الجاذبية، كي يخفف عنه وطأة المنصب ووطأة حياته الشخصية التي يلاحقها سر قديم. وهو السر الذي يتأرجح الرجل بين كشفه أو تركه طي الكتمان.

تظهر فكرة الخفّة بوضوح في خطاب الفيلم، سواء عبر الحوارات أو عبر التصوير. فالرغبة في "استعادة الخفّة" أو "التخلّص من الجاذبية"  تتكرّر بوصفها أفقًا داخليًا للشخصية، ولعل الكادرات الأفقية تمثل هذا الأفق وتسعى إلى بلورته، وتبلغ هذه الرغبة ذروتها في المشاهد الختامية ذات الطابع الشعري، حيث يستدعي سورينتينو صورة الطفو والانفصال عن الأرض والتحرر أخيرًا من ربطة العنق. هذه الرؤية تعيد إلى الأذهان شخصيات أخرى في سينماه، من جيب غامبارديلا في «الجمال العظيم» (La Grande Bellezza)، الذي كان يبحث عن"الجمال العظيم" وسط خواء النخبة الرومانية، إلى أبطال «صبا» (Youth, 2015)، الذين واجهوا الشيخوخة بمحاولة الإمساك بلحظة صفاء أخيرة.

غير أنّ «النعمة» (La Grazia) يختلف عن تلك الأعمال في نبرته العامة. فبينما اتّسم «الجمال العظيم» بفيض بصري وحركية كاميرا لافتة، وقدّم «صبا» عالمًا مشبعًا بالموسيقى والترف، يميل الفيلم الجديد إلى ضبط الإيقاع، وتقليل الزخرفة، والاكتفاء بإيماءات إخراجية محسوبة. تتحرّك الكاميرا ببطء في ممرّات فارغة، وتدور حول الرئيس وهو غارق في تأملاته، كأنّ الحركة نفسها تخضع لثقل الزمن الذي يعيشه. هذا الخيار يمنح الفيلم مسحة من الوقار، لكنه في الوقت نفسه يعرّضه لخطر التحوّل إلى نمط خطابي أو تأمّل مفرط في الرمزية.

في هذا الصمت والبطء، تتكثّف الأسئلة الفلسفية التي يطرحها الفيلم: لمن تنتمي الحياة؟ أين تبدأ حدود الدفاع المشروع؟ وهل يمكن الوصول إلى الحقيقة الكاملة؟ هذه الأسئلة تُطرَح عبر مواقف محدّدة، مثل قضيتي العفو المتعلّقتين بجرائم زوجية لا نستطيع أن نحدد كمشاهدين هل يستحق المتهمون فيها الرحمة أم العقاب، أو مشروع قانون الموت الرحيم الذي يضع الرئيس بين ضغط الرأي العام وتحفّظ المؤسسة الدينية. ويبرز هنا البعد الأخلاقي للفيلم، الذي يلامس أحيانًا دروسًا فلسفيّة مثل فكرة الغفران لدى دريدا، الذي يحدد الغفران الحقيقي بأنه ذلك الذي يغفر ما يستحيل مغفرته. لكن الفيلم، مع ذلك، يظل مشدودًا إلى التجربة الشخصية للبطل، وإلى شكّه الدائم بوصفه شكلًا من أشكال "النعمة" أيضًا، فمن خلال الشك نستطيع التفكير.

يقدّم توني سيرفيلّو (Toni Servillo) أداءً بالغ الدقّة في تجسيد هذا الرئيس المتردّد. بملامحه الجامدة ظاهريًا، ونبرته الصوتية المتحكَّم فيها، ينقل إحساس رجل يعيش في منطقة رمادية بين الحسم والتأجيل، وبين الواجب تجاه الأمة والرغبة في الانسحاب. هذه الشخصية تستدعي أدوار سيرفيلّو السابقة مع سورينتينو، خصوصًا أندريوتي في «الإلهي» ( Il Divo, 2008) وسيلفيو برلسكوني في «هُم» (Loro, 2018). غير أنّ الفارق هنا يكمن في تقديم السلطة كعبء نفسي وأخلاقي، يتجسّد في الجسد المتعب وفي النظرات الشاردة، بدلا من كونها  قوة متغوّلة أو استعراضية. 

على المستوى الجمالي، يحافظ سورينتينو على بصمته المعروفة، التي تتميز بعناية فائقة بالكادر، واستخدام مدروس للموسيقى المعاصرة وهي هنا موسيقا الراب، وحضور شخصيات جانبية ذات طابع غرائبي، من بينها بابا غير تقليدي بضفائر ويركب دراجة، أو صديقة قديمة جميلة تتسم بخفّة ظل لافتة. إلا أنّ هذه العناصر تبدو هنا أقل طغيانًا، وكأنها خلفية تسمح للفيلم بالتركيز على الفراغ الداخلي لدى الرئيس، وعلى ما يسميه البعض "جمال اللاشيء". هذا الخيار قد يثير شعورًا بالرتابة لدى بعض المتفرجين، خصوصًا بالمقارنة مع الفيض الكرنفالي في أفلام سابقة، لكنه ينسجم مع موضوع الشيخوخة والتباطؤ والحيرة.

من هنا، يمكن النظر إلى «النعمة» بوصفه أول "فيلم شيخوخة" حقيقي في مسيرة سورينتينو. فالشيخوخة كانت حاضرة دائمًا في سينماه، مرتبطة بالحنين والميلانكوليا، لكنها كانت تُصوَّر بطاقة متمرّدة أو بسخرية لاذعة. في هذا الفيلم، تتماهى الكتابة السينمائية مع حالة البطل، وتتبنّى إيقاعه المثقل، ما يمنح العمل صدقًا داخليًا، وإن كان على حساب المتعة البصرية الصاخبة التي ميّزت أعمالًا سابقة. ولكني أحببت هذا التوافق بين الموضوع والصمت، فالقرار والشك غالبًا ما يراودهما الصمت خارجيًّا ليخفي ضجيج الداخل، وقد ظهر هذا في الفيلم في المفارقة الإخراجية الجميلة بين صمت الرئيس ومحيطه وأغاني الراب التي تغزو سمعه من خلال السماعات التي أهدتها إليه ابنته في عيد ميلاده.

فيلم «النعمة» هو عملٌ يتأرجح بين التأمل وبعض الثقل الخطابي، بين البحث عن الخفّة والإقرار بثقل التجربة الإنسانية على غرار رؤية ميلان كونديرا التي تؤكد أن الحياة لا تقبل إلا خيارًا واحدًا نعيش وفقه. هو فيلم عن السلطة حين تقترب من نهايتها، وعن الإنسان حين يكتشف أن الشك قد يكون شكلًا من أشكال الحكمة، وأن «النعمة» قد تكمن في قبول هذا الشك والجلوس معه على مائدة واحدة بدل السعي إلى يقين مستحيل. بهذا المعنى، يؤكد سورينتينو مرة أخرى موقعه كمخرج يربط السينما بالفكرة، ويحوّل السياسة إلى مرآة للأسئلة الوجودية الكبرى، حتى وإن جاءت النهاية هذه المرة أكثر هدوءًا وأقل بهرجة، وخالية من الإجابة.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى