شاهدت مؤخرًا فيلم «لا خيار آخر» (No Other Choice, 2025) بعد أن وصلتني عدة توصيات بمشاهدته، لكني اخترت تأجيله دائمًا لأني لست من محبي السينما الكورية، على عكس بقية أقسام السينما الآسيوية. فقد شاهدت بعض اﻷعمال منها سابقًا واعتقدت أنها متشابهة إلى حدٍ كبير. لكن تجربتي هذه المرة كانت مختلفة للغاية، فقد عرض الفيلم فكرة واقعية للغاية، وهي العودة إلى فراغ البطالة، وكيف يؤثر هذا اﻷمر على المرء الذى بنى سمعة لنفسه عن طريق عمله، حتى أصبح يراه جزءًا متأصلًا من هويته.
يروي الفيلم قصة «يو مان سو» الذي يعاني نفسيًا بعد تسريحه من عمله مع مجموعة كبيرة من زملائه، مما اضطره هو وعائلته على مغادرة منزل طفولته الذي عمل لسنوات طويلة من أجله، ليجدوا أنفسهم على أعتاب حياة أقل بكثير من حياتهم السابقة. يركّز الفيلم بشكل خاص على الأثر النفسي والعقلي الذي تبع الفراغ الذي بدأ يعيشه، حتى جعله يردد «لا خيار آخر»، في كل لحظة تراوده فيها فكرة إجرامية، مثل التخلص من جميع منافسيه على المنصب المنشود عن طريق قتلهم، مؤمنًا بأن العنف هو الخيار الأمثل لتحقيق هدفه والعودة إلى عمله.
ما يميّز الفيلم أنه يدفع المشاهدَ إلى طرح أسئلة أخلاقية عديدة لفهم قرارات الشخصيات المعقدة، مثل: ما الكلمة التي يمكن أن تصف شخصًا يعتقد أن قتله لعدة أشخاص عرفهم فيما سبق وتحدث معهم مراتٍ كثيرة، من أجل الحصول على وظيفة لاستعادة كرامته وذاته، هو الحل الوحيد؟ وهل بذلك يمكننا القول أنه فقد عقله بالفعل وأصبح مجنونًا؟ أم أن ما يفعله يعكس تصرفات راودت كل من عاش تجربته، غير أنه على عكسهم تشجّع وتجرأ على التنفيذ؟
يقول المخرج بارك تشان ووك عن الجنون الذي وصل إليه بطله «يو مان سو»: «لطالما لعب العنف دورًا مهمًا في تاريخ البشرية ككل، وفي حياة الأفراد كذلك، وعليك أن تواجه العنف لتفهم البشرية، لا يمكنك أن تشيح بنظرك عنه ببساطة». يشرح المخرج أن جنون بطل فيلمه لم يكن تقليديًا أو عبثيًا كما شاهدنا في أفلامه الأخرى، فقد كان جنونه جنون انتماء، جنون استعادة هوية سُلبت منه بعد أن عمل بجهد ولسنوات طويلة على تكوينها، وهو كذلك جنون كرامة دُهست أمام أنظار زوجته وأبنائه.
يشرح الفيلم فكرة نفسية قديمة عن امتداد ذواتنا في أعمالنا، فعندما سُرّح من عمله، أثبتت ردة فعله رعبه وخوفه من فقدانه لنفسه، لم يعد يعلم من هو، وكيف يعيش يومه، كان يرى في تصرفات زوجته ووجهها أنها لم تعد تميّزه كما كانت تفعل سابقًا، وأنه ربما خسر احترامها له، وحبها كذلك.
يعتمد المخرج على عدة أشكال لشرح جملة مشاعر الشخصيات، ففي البداية يركز على ألم ضرس «يو مان سو»، الذي لم يكن يعاني منه في بداية الفيلم، لكن بعد تسريحه بمدة قصيرة بدأ يعاني من هذه الآلام الشديدة، وكأن الألم متصل بألمه النفسي وفقدانه لذاته. وفي رحلتنا مع جرائمه المتعددة، يشتد الألم ويزداد، لكن عند ضحيته الأخير، يبرز المخرج أن هذه الضحية ستكون الأخيرة غالبًا، وذلك لأنه تخلص من ضرسه ومن ألمه في نفس اللحظة، ووفقًا للأمثال والمعتقدات الكورية القديمة، من يتخلص من سنٍّ قديم فقد تخلص من مشكلاته المتراكمة؛ وفي حالة «يو مان سو» كان ذلك إيذانًا بأنه لم يعد يشعر بالندم، وبدأ يتصرف بطبيعية مرعبة.
كما يشرح الاضطرابات الداخلية التي تشهدها كل شخصية بطريقتين سينمائيتين معروفتين بقوتهما في إيضاح المشاعر الإنسانية بطريقة مثالية، أولها الأصوات العالية التي تتزايد بشكل مفاجئ حتى تصبح أعلى من المستوى الطبيعي. ففي كل لحظة اضطراب يعانيها «يو مان سو»، بعد فقدِه لهويته وكرامته، تبدأ الأصوات تتعالى من حوله حتى تصبح مزعجة للغاية، لتعكس مدى قلقه مما سيحدث مستقبلًا. وعندما يقرر أنه لا يملك خيارًا آخر سوى قتل المرشحين معه، في كل مرة يقترب من أحدهم، تبدأ الأصوات في التزايد مرة اخرى لتجعله يضطرب أكثر، وهذا الاضطراب يذكّره بلحظة تسريحه من العمل مما يجعل الصوت مؤذيًا بدرجة مبالغ فيها بالنسبة له.
أما الطريقة الثانية، فتتمثّل في اللقطات المقربة لوجوه الشخصيات في لحظات الندم أو الغضب؛ فحين يغضب «يو مان سو» تتركز الكاميرا على عرقه البارد أو على احمرار وجهه التدريجي، لتجعل المشاهدَ يستشعر حجم الغضب النفسي الذي يعيشه، ويرى كيف يتحوّل من أبٍ سعيد إلى مجرم يقتل من أجل كرامته.
لم يكن الفيلم متمحورًا حول الجرائم وطريقة تنفيذها، فلو لاحظنا، لوجدنا أن كل جرائمه كانت سريعةً ولم تأخذ حيزًا كبيرًا من الأحداث، فقد كان التركيز على الاتصالات التي يتلقّاها من زوجته، أو من الآلام التي تصيبه فجأة فتُفقده تركيزه، وذلك لأن اهتمام المخرج الفعلي كان منصبًّا على مشاعر الشخصية نتيجة البطالة، التي أفقدتها جزءً مهمًا من ذاتها.
إن كل ما في الفيلم يدور حول هذه الحقيقة وحدها، حتى إن المشاهد قد يفكر بأنه، لو كان في مكانه، ربما أقدم على القيام بنفس الشيء، لأن الفيلم يصوّر دراما نفسية وذاتية لكنها متجسدة في شكل جريمة.
يكمن جوهر الفيلم في تجسيده للكيفية التي ينتقل بها الإنسان من النظر إلى الوظيفة والعمل باعتبارهما عنصرين مهمين في توفير المال من أجل العيش، إلى ربطهما بذاته وهويته وكرامته، فبمجرد خسارته لهما، سيترسَّخ لديه الاعتقادُ بأنه خسر ذاته. لذلك يبدأ تدريجيًا في خسارة أمور أخرى أهم، مثل عطفه وإنسانيته وما يكوّن نفسه. «يو مان سو» كان يملك خيارًا آخر، وربما خياراتٍ عديدة، لكنه أختارَ الخيار الذي يُعيد له هويته المزيفة، ليفقِد لاحقًا هويته الحقيقية بلا وعي منه.
.jpg)


