في مشهد قرب منتصف فيلم «معركة تلو الأخرى» (One battle after another, 2025)، يظهر رجلٌ يرتدي رداء حمّام منقوشًا، نصفُه ثَمِلٌ ونصفُه منتشٍ، ينحني فوق هاتف عمومي قديم في الشارع، يحاول يائسًا تذكّرَ كلمة سرٍّ من شأنها إعادة ربطه بالجماعة الثورية السرية التي تخلّى عنها منذ ستة عشر عامًا. لا يستطيع تذكّرها، فيسبّ ويلعن بطريقة هستيرية. تقترب منه وحدة شرطة عسكرية مدجّجة بالسلاح، أرسلها عقيد عنصري لم يتوقف أبدًا عن مطاردته. المشهد مضحك للغاية؛ ومرعب ومؤثر في آنٍ واحد، قد برع المخرج بول توماس أندرسون في إحكام بنائه. هذا المشهد في جوهره مرآةٌ لروح الفيلم كله: يضحك ويُرعب معًا، يستحضر الماضي ويغلي بالغضب، يبدو هراءً خالصا، قبل أن يصفعك بحضوره الراهن.
يقدّم أندرسون، من خلال فيلمه الأخير، «معركة تلو الأخرى»، أكثرَ أعماله انخراطًا في السياسة، إذ تمتد رؤيته من أمريكا في عهد ريغان وصولاً إلى الحاضر القريب. يتجلّى الفيلم بوصفه تأمّلاً بصريًا متمرّدًا على القوالب التقليدية، ثريًا من حيث الشكل، لكنه متقلّب في طرحه لقضايا الثورة والأسرة وتلك النزعة الأمريكية المزمنة نحو التدمير الذاتي. وهو، بحسب زاوية التلقي، إمّا عملٌ يُرشَّح لأن يكون فيلم العام، أو فوضى مُحكمة تمتد لساعتين ونصف تتأرجح أحيانًا بين العمق والضجيج. أما الحقيقة، كعادتها، فتستقر في منطقة وسطى بين هذين التقييمين.
أشباح ريغان في زمن ترامب: معركة تلو الأخرى كمرآةٍ للتناقضات الأمريكية
إن فهم هذا الفيلم يعني الاقتراب من فهم أمريكا نفسها. على الرغم من أن أندرسون أتمّ العمل عليه قبل بدء الولاية الحالية لدونالد ترامب، فإن العالم الذي رسمه يبدو مألوفًا إلى حدٍّ مقلق، كأنه امتداد مباشر لما يجري خارج قاعة السينما: يُحتجز المهاجرون على الحدود المكسيكية، وتتحرك أجهزة تنفيذ القانون بطابع عسكري يكاد يفلت من المساءلة، بينما تتلاعب بخيوط السلطة من وراء الستار شبكاتٌ خفية من أثرياء يؤمنون بالتفوق العرقي، متخفّين وراء واجهات تبدو بريئة كـ«نادي مغامري عيد الميلاد». وفي الشارع، يتسلّل محرّضون مقنّعون إلى صفوف الشرطة، يُشعلون الفوضى بإلقاء زجاجات المولوتوف على احتجاجات سلمية، لتبرير القمع بالهراوات والغاز المسيل للدموع. هذه الصور لا تُقدَّم كاستعارات، وإنما كمرآة مشوّهة قليلاً للواقع؛ وما تعكسه ليس أغرب بكثير مما تلتقطه عناوين الأخبار كل صباح.
كانت رواية توماس بينشون نفسها مرثيةً للحماس الثوري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تدور أحداثها على خلفية إعادة انتخاب رونالد ريغان عام 1984. ينقل أندرسون التوترات ذاتها الموجودة في الرواية بين اليسارٍ الراديكالي واليمينٍ الآخذ في الصعود، وبين غريزة البقاء الفردي وصوت الضمير السياسي إلى زمن ترامب، حيث تعود للاشتعال بحدة جديدة. تتكرر داخل كادرات الفيلم لقطات لكتب عن جورج واشنطن وبنجامين فرانكلين، كإشارة ساخرة هادئة؛ فالأزمة الأمريكية ليست طارئة، بل تكاد تكون حالة تأسيسية، في بلدٌ يعيش صراعًا مفتوحًا مع تناقضاته الأولى، دون أن ينجح يومًا في حسمها.
ومع ذلك، لا يمنح الفيلم ثوّاره براءةً سهلة. تُصوَّر جماعة المقاومة «الفرنسيون 75» في قلب الحكاية ملتزمةً إلى حدّ القسوة، لا ترحم، وكثيرًا ما تنزلق إلى تهوّر يلامس انعدام المسؤولية. يضع أندرسون منذ البداية مسافةً واضحة بينه وبينهم: العنف فعلٌ له تكلفة تتعدى البطولة، وتضامنهم نفسه هشٌّ تتآكله الرغبات والمصالح الشخصية.
يذهب الفيلم أبعد من ذلك حين يلمّح إلى تقاطع خفي بين «الفرنسيين 75» و«نادي مغامري عيد الميلاد»؛ فكلاهما مسكون بالوهم المسياني ذاته، وبالاعتقاد الراسخ بأنهم وحدهم يفهمون مسار التاريخ. الفارق بينهما يكمن فقط في المساحات التي يتحركان فيها: ممرات ضيقة قذرة خطيرة من جهة، وردهات فاخرة مصقولة لا تقل فتكًا من جهة أخرى.
ولم يكن عرض فيلم «معركة الجزائر» (The Battle of Algiers, 1966) على شاشة تلفاز بوب تفصيلاً عابرًا. فاستدعاء عمل بونتيكورفو المناهض للاستعمار يطرح سؤالاً غير مريح: ما الذي تغيّر فعلاً؟ وهل الأفلام التي نشاهدها عن الثورة تمنحنا وعيًا بها، أم توهمنا فقط بأننا مستعدون لها؟
صراع الأقنعة والوجوه: القوة البشرية التي منحت معركة تلو الأخرى روحها
مهما كان التناقض الذي قد يشعر به المرء تجاه سياسة الفيلم أو امتداده البنيوي، فلا التباس البتة في شخصية الكولونيل ستيفن ج. لوكجو كما يجسّدها شون بن. يقدّم بن هنا، فيما أرى، ذروةَ مسيرته. يبدو لوكجو على المستوى السطحي شخصيةً كاريكاتيرية: ضابط عسكري متغطرس، مدمن على المنشطات، مضطرب جنسيًا، يدخل كل مشهد بطاقة زائدة كأن جسده في حالة استعراض دائم، وكأن عليه أن يُثبت شيئًا لا يتوقف عن الانفلات منه. يتحرك بخطوات متباعدة غير مستقرة كمن لا يشعر بالراحة داخل جسده قط. يضغط على فكّه بإصرار، فيما تتأرجح عيناه بين الغطرسة واليأس. يكفي أن يدخل الكادر حتى ينفجر الجمهور بالضحك قبل أن يفعل شيئًا.
ومع ذلك، لا يسمح بن أبدًا بأن تتحول الشخصية إلى مجرد نكتة. وهنا يكمن الإنجاز الحقيقي. تحت ذلك القناع الجسدي الفجّ وتلك الغريزة الجنسية المنفلتة بشكل صادم، يقبع رجل مأساوي في جوهره: جندي يمتلك سلطةً هائلة، لكنه يُدرك على مستوى غريزي شبه حيواني أنه لن يُقبَل أبدًا داخل النخبة التي يتوق للانتماء إليها. فالمنظمة العنصرية البيضاء التي يسعى إليها ليست ملاذًا، بل مرآةً تعكس عجزه وقصوره. حتى هوسه المَرَضي ببيرفيديا بيفرلي هيلز، الناشطة الثورية السوداء التي أذلّته جنسيًا خلال مداهمة على الحدود، لا يبدو مجرد سلوك مفترس، وإنما تعبير عن صراع داخلي عميق؛ أيديولوجيا تتآكل من الداخل بفعل رغباتها. رجل عاجز عن التوفيق بين ما يؤمن به وما ينجذب إليه. يجعل بن هذا التمزق الداخلي ملموسًا في كل مشهد عبر الجسد والنظرة والتوتر الذي لا يهدأ.
يواصل شون بن مقاومة هذا الانزلاق في اللحظات التي يتراجع فيها الفيلم عن جرأته، حين يميل إلى اختزال لوكجو في وظيفة ساخرة تُفرغ حضوره من ثقله الدرامي بدلاً من تثبيته بوصفه خصمًا مكتملاً. يُعيد الشخصية باستمرار إلى منطقة أكثر تعقيدًا، فتغدو كيانًا ملتبسًا يجمع بين السخرية والخطر، لا مجرد أداةٍ للتهكم. يصبح حضوره مضحكًا بقدر ما يبدو مهددًا، وكاريكاتورًا في سطحه، رغم كونه مشبعًا بقلق حقيقي في عمقه. يبلغ هذا التوتر ذروته في مشهد اختبار الأبوة، حيث يُحدَّد إن كان قد أنجب ابنةً مختلطة العرق، وهو احتمالٌ كفيل بتدمير فرصته في الانضمام إلى النادي. يُخرجه أندرسون بإيقاع دقيق يتنقل بين وجوه مشحونة بالتوتر أثناء انتظار النتيجة، حيث تتحول فرضية تبدو سخيفة تمامًا إلى لحظة مشدودة، وحيث يحمل بن كل شيء على كتفيه في هذا المشهد.
قد يرى بعضهم أن لوكجو أقرب إلى نموذج شرير بوند الكاريكاتوري منه إلى شخصية مركّبة على شاكلة دانيال بلينفيو في «سيكون هناك دماء» (There Will Be Blood, 2007)، وأن أداء شون بن، رغم براعته الواضحة، يستند إلى كتابة لم تنضج بالكامل. وهذه الملاحظة ليست بلا أساس؛ إذ يبدو أندرسون أحيانًا مرتاحًا أكثر من اللازم في استخدام الشخصية منفذًا كوميديًا يبدّد توترًا كان يمكن تعميقه. ومع ذلك، تبقى حقيقة يصعب تجاهلها: شون بن هنا استثنائي. لا تُقرأ تعابير وجهه كارتعاشاتٍ عابرة، بل كنظام دلالي متكامل، وجسده لا ينزلق إلى الكاريكاتيرية بل يتجسّد صورةً دقيقة لرجل تماهى مع أيديولوجيته حتى غدت هيئةً مرئية تتحرك أمامنا.
يقدّم ليوناردو دي كابريو، في دور بوب فيرغسون متعة كوميدية حقيقية على نحو نادر في أعماله الأخيرة. بوب فيرغسون رجل متعثر، غارق في المخدرات، يتجوّل برداء حمّامه، يخلق قلقه العصبي الناتج عن المخدرات، وإيقاعه المرتجل لحظات ضحك متواصلة، بينما تحمل مشاهده العاطفية مع تشيس إنفينيتي قدرًا فعليًا من الصدق والثقل الإنساني. ومع ذلك، يبدو أن السيناريو لا يمنحه المساحة الكافية التي تستوعب كامل طاقته كممثل.
مع التقدم نحو الفصل الثالث، تفقد هذه العثرات المتكررة شيئًا من سحرها الأول، وتتحول من ملمح طريف إلى نمط متوقع. يستمر بوب في التعثر جسديًا ونفسيًا إلى درجة يبدأ معها التكرار في تقويض مصداقية الشخصية بدلاً من تعزيزها. ثمة شعور بأن الفيلم، رغم استثماره الطويل في هذا التكوين، لا ينجح تمامًا في إيصال الشخصية إلى خاتمة مُرضية أو مكتملة. يطلب منا العمل أن نستمر في التعاطف مع هذا الارتباك كجانب محبّب، حتى بعد أن يبدأ هذا الارتباك نفسه في استنزاف تأثيره.
تشكّل العلاقة بين الأب وابنته، التي تقع في قلب الفيلم، مصدرًا أكثر ثباتًا وموثوقية للمشاعر الحقيقية. تبدو هذه العلاقة وسط عالم متقلّب، مشبع بالأيديولوجيات والعنف والتناقض، وكأنها الشيء الوحيد الذي يحتفظ بصدق غير قابل للمساومة. تشيس إنفينيتي، في أول ظهور سينمائي لها بدور ويلا، تُعد اكتشافًا حقيقيًا، فهي ممثلة قادرة على حمل طبقات متناقضة من المشاعر داخل وجهها وحده، حيث يتجاور التحدي مع الهشاشة، والقوة مع عدم الأمان، والحب مع الخوف، دون حاجة إلى توضيح لفظي مباشر. لا يعتمد حضورها على الخطابة، وإنما على الصمت، والنظرة، وتلك المساحات الصغيرة بين الجمل.
تتبلور هذه القوة بشكل خاص في مشاهدها مع دي كابريو، التي تكتسب في العشرين دقيقة الأخيرة من الفيلم وزنًا عاطفيًا متزايدًا، حتى تصبح من أكثر لحظات العمل صدقًا وتأثيرًا. يتراجع كل شيء آخر هنا، السياسة، والعنف، والفوضى ليفسح المجال أمام علاقة إنسانية تُختبر تحت الضغط. في هذه اللحظات، لا يعود بوب مجرد شخصية مضطربة، وإنما أب يحاول بارتباك حقيقي أن يكون حاضرًا.
في هذا المعنى، يبدو الفيلم في جوهره قصة "ويلا" أكثر من كونه قصة أي شخصية أخرى. فهي ليست مجرد ابنة داخل السرد، بل نقطة الارتكاز التي يُعاد من خلالها فهم كل شيء. شابة وُلدت داخل ثورة لم تخترها، ولم تشارك في تشكيل شروطها، لكن تجد نفسها مطالبة بتحمّل نتائجها. السؤال الذي يلاحقها ليس سياسيًا بقدر ما هو وجودي: ماذا يعني أن ترث تاريخًا لم تصنعه؟ وكيف يمكن إعادة تعريف هذا الإرث دون الاستسلام له؟
وعندما تأتي أغنية «شابة أمريكية» (American Girl) لتوم بيتي في شارة النهاية، تبدو امتدادًا مباشرًا لمسار ويلا. ليست لحظة انتصار صريح، ولا خاتمة مغلقة، بل نبرة هادئة، تحمل نوعًا من التفاؤل العنيد الذي ينبع من الاستمرار رغم كل شيء، وليس من اليقين.
في المقابل، يقدّم بينيشيو ديل تورو، في دور المعلم سيرجيو سان كارلوس، بهدوء لافت، أحد أكثر أدواره تماسكًا. للوهلة اﻷولى، تبدو شخصيته هامشية؛ مدرب فنون قتالية، ومنظّم شبكة تهريب سرية، رجل يتحرك في الظلال. لكن مع تقدم اﻷحداث، يتضح أنه مركز أخلاقي فعلي، وليس مجرد عنصر ضمن السرد. وبينما تتحرك الشخصيات الأخرى بدوافع معقدة؛ أيديولوجية، هوسية، أو عصابية، يتحرك سيرجيو بدافع أبسط وأكثر رسوخًا؛ وهو الحفاظ على حياة الناس.
هذه البساطة الظاهرية تخفي ثقلًا أخلاقيًا عميقًا، لأنها الوحيدة التي يتعامل معها الفيلم بجدية كاملة، دون سخرية أو تفكيك، ولا تُطرح كخطاب، لأن فلسفة الشخصية ليست معلنة. يؤدي ديل تورو الدور بحضور يكاد يبدو خاملًا للوهلة الأولى؛ ملامح جامدة، نبرة صوت منخفضة، وإيقاع بطيء. ومع ذلك، يخلق من هذا الاقتصاد أداءً يجمع بين الطرافة والصدق؛ يضحك من دون أن يسعى للإضحاك، ويبدو صادقًا من دون أن يدّعي العمق.
وتعد هذه من أكثر المفارقات المحبوكة داخل فيلم غارق في السياسة الثورية الأمريكية، إذ تبدو فيه الشخصيات المكسيكية هي الأكثر تنظيمًا، والأكثر تماسكًا، وربما الأكثر قدرة على النجاة. لا تُطرح هذه المفارقة بشكل مباشر، لكنها تتسلل بهدوء عبر السرد، لتكشف دون تصريح عن خلل أعمق في البنية التي يحاول الفيلم تفكيكها.
بين الترهل والعبقرية: معركة تلو الأخرى كفوضى سينمائية مُحكمة
يُعدّ الفصل الأول على الأرجح أكثر أجزاء الفيلم إثارةً للجدل. فالمدخل التمهيدي المطوّل، الذي يقدّم بوب وبيرفيديا ولوكجو في ذروة «ثورة فرنسا 75»، يبدو مكتظًا بالحركة متخمًا بالأحداث، ويبلغ في لحظات معينة قدرًا حقيقيًا من الإثارة. ومع ذلك، ثمة إحساس بأن هذا الامتداد يُثقل افتتاحية الفيلم بمواد كان يمكن تقديمها بتكثيف أكبر؛ ساعة أولى بدت مترهّلة قابلة للاختزال دون أن تخسر الكثير من مضمونها.
يبني أندرسون عالمه بعناية واضحة وحسّ تفصيلي مميّز، لكنه يستغرق وقتًا أطول مما ينبغي كي يمنح هذا العالم نبضه الكامل. تتراكم المشاهد كطبقات متجاورة؛ مطاردات وحوارات مشحونة بالشعارات واستعراض لشبكات السلطة والمقاومة، دون أن تندمج فورًا في مسار درامي واحد متماسك. كأن الفيلم يصرّ على تعريفنا بكل زاوية قبل أن يسمح لنا بالشعور بها. تتأخر اللحظة التي تتحول فيها هذه التفاصيل من معلومات إلى تجربة.
أما النسيج السياسي الذي يحكم هذا الفصل ورغم اتساقه مع روح الفيلم، يُرسم أحيانًا بخطوط عريضة، حيث تُقدَّم فيه الانقسامات الأيديولوجية بوضوح يكاد يكون تقريريًا؛ اليسار الثوري في مواجهة اليمين الصاعد، السلطة في مواجهة التمرد، دون وجود مساحة كافية للغموض أو التناقض الداخلي الذي يمنح هذه الصراعات عمقا إنسانيًا.
"نادي مغامري عيد الميلاد" كان من المفترض أن يكون أكثر إبداعات الفيلم إثارةً للرعب، غير أنه جاء في الواقع أضعفها. الفكرة ملهمة: جمعية سرية من الأثرياء البروتستانت الإنجليز، معادون للسامية، عنصريون، كارهون للنساء، يجتمعون في مخبأ تحت الأرض، وهي تركيبة تحمل طابع أشرار أفلام جيمس بوند. لكن أندرسون يتردد في تحديد المسافة التي يريدها من هؤلاء الرجال: هل يأخذهم بجدية أم يسخر منهم؟ هذا التردد يُدفع ثمنه في التنفيذ؛ فأداء كيفن تاي بابتسامته الدائمة المفرطة يميل نحو السخرية الواسعة، فينتج عن ذلك مزيج سطحي بين عالمَي تارانتينو والأخوين كوين، دون أن يبلغ عمق أيٍّ منهما. الفيلم الذي يتخذ من تفوق العرق الأبيض موضوعًا يعجز عن منح هذه الأيديولوجيا ثقلها الحقيقي، فلا تبدو سوى هيئة شبه هزلية، قد جُرِّدت من الرهبة التي تجعلها مقنعة.
تُثير موسيقى جوني غرينوود انقسامًا واضحًا في التلقي. لا يمكن إنكار أن الجاز المتوتر وثيمات البيانو الحادة تعملان بكفاءة عالية في لحظات الذروة، حتى تغدو الموسيقى كيانًا دراميًا مستقلًا يوازي الشخصيات ولا يكتفي بمرافقتها. لكن في المشاهد الهادئة تحضر بكثافة مفرطة تتجاوز حدود الدعم لتدخل في منافسة مع الدراما نفسها. تُسمَع الحوارات كأنها تُزاحَم بالصوت، وتبدو الموسيقى أحياناً في تناقض مباشر مع النبرة العاطفية للمشهد بدلًا من تعميقها.
في مقابل هذه الملاحظات المشروعة، يقدّم الفيلم لحظات تبلغ من الجودة حدًا يضعها في مصاف أفضل ما أنجزه أندرسون، وربما، من بين أبرز ما شهدته السينما المعاصرة. تأتي مطاردة السيارات في الصحراء، في الثلث الأخير من الفيلم، كذروة بصرية وإيقاعية يصعب تجاهلها؛ مشهد يكاد يحظى بإجماع على إنه لحظة سينمائية خالصة، إذ تنطلق ثلاث سيارات على طريق صحراوي متعرّج في كاليفورنيا، والكاميرا ملتصقة بهياكل السيارات وداخل المركبات، لتضع المشاهد في قلب الحركة بدلًا من المراقبة، فيصبح جسده منخرطًا في المطاردة نفسها. النتيجة مشهد مادي محسوس، يستدعي من دون مبالغة مشهد المطاردة الشهير في شوارع سان فرانسيسكو من فيلم «بوليت» (Bullitt, 1968).
يُصوَّر الفيلم بتقنية فيستافيجن (VistaVision)، وهي صيغة أفقية للفيلم الخام الـ 35 مم طوّرتها شركة باراموانت في الخمسينيات بهدف مضاعفة مساحة الصورة وزيادة دقتها. خلافًا للنظام التقليدي العمودي، يمرّ الشريط هنا أفقيًا عبر الكاميرا، مما يسمح بالتقاط مساحة أكبر من النيجاتيف، وبالتالي تفاصيل أكثر كثافة ووضوحًا.
يستثمر المصوّر مايكل باومان Michael Bauman هذه الإمكانية إلى أقصاها، ليس فقط على مستوى الحدة البصرية، لكن في طريقة بناء الكادر نفسه. تبدو الصورة مشبعة بالتفاصيل الدقيقة؛ مثل انعكاسات الضوء على المعدن، وخشونة ملمس الأسطح، واهتزازات الحركة الصغيرة التي لا تُمحى. هذا الفيض من المعلومات البصرية يمنحها جمالًا وكثافة مادية تجعلها أقرب إلى التجربة الحسية منها إلى مجرد تمثيل بصري. لا تُستخدم الكاميرا هنا لتسجيل الحركة ولكن لتجسيدها. يصبح لكل اصطدام، ولكل انعطاف، وزن ملموس، كما لو أن الصورة تحتفظ بكتلة الأجسام لا بسطوحها فقط. ولهذا تقترب بعض اللقطات من الإحساس ثلاثي الأبعاد عبر عمق التفاصيل وتدرّج الطبقات داخل الكادر، بحيث يشعر المشاهد أنه لا ينظر إلى المشهد، بل حتى يكاد يلمسه.
نحن أمام فيلم يتحدى التصنيف السهل، مزيج مثير من السخرية السياسية، والإثارة والحركة، والدراما العائلية. يقدم نظرة صريحة على عالمنا، يكشف عن السخافات، والتناقضات، والفكاهة السوداء لجيل ممزق بين السخرية والأمل. رغم وضوح الموضوعات الاجتماعية النقدية فيه؛ الهجرة، وعنف الشرطة، وصعود النخبوية اليمينية، فإن التركيز الحقيقي للفيلم ينصب على الوصول الشخصي بدلًا من التحليل التاريخي.
الرسالة المركزية للفيلم هي أن "الثورة" ليست انفجارًا يحدث لمرة واحدة، و إنما هي ميراث ينتقل من جيل إلى آخر. كما يحذر بوب فيرغسون في بداية الفيلم: «من الآن فصاعدًا، ستكون هناك معركة تلو الأخرى»، وهي عبارة مستعارة من كتيب صادر عن منظمة "ويذر أندرجراوند" عام 1969 ، الذي دعا "الشباب الأبيض" إلى تحمل المخاطر اللازمة في مواجهة الأنظمة.
وسواء كان الفيلم تحفةً فنية أو فوضى متضخمة، فقد أجبر جمهورًا منقسمًا على مواجهة الواقع المزعج لبلد على حافة الهاوية، مؤكدًا أنه إذا كان لا بد من استمرار القتال فيجب أن يكون مدفوعًا بالحب. وحين تخرج ويلا من الباب رافضةً «توخّي الحذر»، يوحي أندرسون بأن الطريقة الوحيدة للفوز في الحرب هي رفض التوقف عن خوض المعارك.
ربما لهذا يترك الفيلم أثره الأعمق بعد أن ينتهي. ليس كبيان سياسي، ولا كحكاية مكتملة، وإنما كحالة شعورية تبقى عالقة؛ ذلك الإحساس بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا داخل المعركة. لا نعرف إن كنا نقترب من نهايتها، لكننا نعرف بحدسٍ خافت أن مجرد البقاء فيها، محاولةً بعد أخرى، قد يكون الشكلَ الوحيد الممكن للأمل.



.jpg)