«وُلد في اللهب»: عندما تصبح الشاشة ساحةً لمعركة الوعي والطبقية

March 15, 2026

يُعد فيلم «وُلد في اللهب» (Born in Flames)، إنتاج عام (1983) للمخرجة «ليزي بوردن» (Lizzie Borden)، واحدًا من أكثر الأعمال السينمائية جُرأةً في تناول قضايا الجندر والسياسة. يتخيل الفيلم مدينة نيويورك بعد مرور عشر سنوات من ثورة اشتراكية سلمية، لكنه يكشف بمشرط النقد أن التغيير السياسي الفوقي لا يعني بالضرورة تحقيقَ العدالة الاجتماعية المطلوبة؛ إذ ما تزال النساء، ولا سيما السوداوات المهمشات، يُعانين من القمع والتمييز الممنهج تحت وطأة نظام يدعي المساواة ويُمارس الإقصاء. 

ما يُلفت الانتباه في الفيلم هو قدرته الفائقة على تجسيد فكرة «النسوية التقاطعية»، حيث يُبين أن اضطهاد النساء لا ينفصل عن قضايا العرق والطبقة والسلطة. فالنضال النسوي هنا ليس مجرد شعار برّاق، بل هو مواجهة يومية مع نظام متشابك يُقصي كل من يختلف عن معاييره البيضاء والذكورية. ولعل من أكثر العناصر إثارة للإعجاب، في الفيلم، محطات الإذاعة النسائية مثل «راديو راجاتسا» (Radio Ragazza)، والتي مثلت رمزًا قويًّا لفكرة أن الكلمة يمكن أن تكون أداة مقاومة، وأن الصوت النسائي قادر على فتح مساحات جديدة للحرية بعيدًا عن رقابة الدولة.

يبرع الفيلم في تصوير التفرقة الطبقية والعرقية بين مجموعات النساء؛ فنحن أمام تكوين بصري يُفرق بين النساء البيض اللواتي يمتلكن ترف التحرر ضمن أطر النظام القائم، وبين النساء السود اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مُباشرة مع وحشية القمع البوليسي والفقر المُدقع. في مشاهد عديدة، نرى كيف تُعامل السلطة «جيش النساء» (Women's Army) بحذر وتوجس، بينما تُترك النساء المهمشات لمواجهة مصيرهن في شوارع نيويورك المُظلمة. هذا التباين يُعزز فكرة الفيلم الأساسية: أن الحركات النسوية التي تتجاهل البعد الطبقي والعرقي تتحول إلى مجرد أداة أخرى في يد السلطة الأبوية.

اعتمدت المخرجة «ليزي بوردن» (Lizzie Borden) أسلوبًا إخراجيًّا يمزج بين الخيال العلمي الاجتماعي والسينما التسجيلية، مما أضفى مصداقيةً عاليةً على الأحداث. استخدمت الكاميرا المحمولة لتتبع الحركات الاحتجاجية في الشوارع، وكأن الفيلم ينقل وقائع حقيقية تحدث الآن. هذا الأسلوب البصري الخشن يعكس حالة الفوضى والغليان التي تعيشها المجموعات النسائية. كما أن الاعتماد على لقطات من نشرات الأخبار المُزيفة والمؤتمرات الصحفية للنظام الاشتراكي الجديد يُبين كيف تُوظف لغة الإعلام لتغطية الفشل في تحقيق المساواة الفعلية على أرض الواقع.

عندما ننتقل إلى تحليل مسار الأحداث، نجد أن الفيلم يدفعنا نحو منطقة شائكة تتجلى في خيار «العُنف الثوري». فالتحفظ الأولي على نهاية الفيلم، التي تتوج بمشهد تفجير برج البث في مبنى الـ «إمباير ستيت» (Empire State Building)، ينفتح على قراءة نقدية أعمق. هذا الفعل ليس مجرد لجوء غوغائي للعنف، بل هو في سياق الفيلم السينمائي يُمثل «الفعل الأخير» لمن سُدت في وُجوههن كافة سُبل التغيير السلمي. 

إن تصوير مشهد التفجير بأسلوب بصري مُبهر يُحيلنا إلى فكرة «تحطيم صنم السلطة»؛ فبرج البث هو لسان حال السلطة الأبوية التي تحتكر الحقيقة وتُزيف الوعي. لذا، فإن استهدافه هو محاولة لقطع خطوط الإمداد الفكري للنظام. و نجد أن الفيلم لا يُروج للإرهاب بقدر ما يرصد لحظة اليأس؛ حيث يُصبح العنف حقًّا اضطراريًّا تلجأ إليه المجموعات المهمشة بعد أن يُقوم النظام بتصفية قادتهن واغتيال أحلامهن، كما حدث في مشهد مقتل الناشطة «أديل بيري» داخل زنزانتها.

 ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا: هل يمكن للعنف أن يبني بدائل حقيقية؟ يضعنا الفيلم أمام مرآة قاسية؛ فبينما نرى النساء السود يقدن المُواجهة الميدانية، نرى النظام، في المقابل، يستغل هذا العُنف لشيطنة الحركة النسوية وتصويرها كتيار متطرف. وهنا تكمن القيمة النقدية للعمل؛ فهو يُحذر من أن العُنف، رغم فاعليته الرمزية في تحطيم صور الاستبداد، قد يقود الحركة إلى منحدر خطير إذا لم يواكبه بناء فكري وتوعوي قوي. 

إن الفرق الجوهري بين «النسوية البيضاء» و «النسوية السوداء» في الفيلم يتضح في كيفية التعاطي مع المواجهة؛ فبينما تميل الفئة الأولى للإصلاح التدريجي من داخل المؤسسات، تجد الفئة الثانية نفسها مُجبرةً على «العمل السري» و«أسلوب العصابات» لأن المؤسسة أصلًا لا تعترف بوجودهن. هذا الفرز الطبقي هو ما جعل التفجير الختامي يبدو وكأنه المخرج الوحيد لتحرير الصوت من الأسر. 

لا يمكن حصر أهمية فيلم «وُلد في اللهب» (Born in Flames) في إطاره الزمني كعمل من ثمانينيات القرن الماضي؛ بل إن تأثيره الممتد يظهر بوضوح في السينما النسوية المعاصرة التي تتبنى نهج المقاومة البصرية. لقد مهدت «ليزي بوردن» (Lizzie Borden) الطريق لصُناع الأفلام لطرح تساؤلاتٍ جريئة حول جدوى النضال من داخل المؤسسات الرسمية؛ حيث نرى صدى محطات الراديو المستقلة في الفيلم يتجسد اليوم في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات لبدء الحركات الجندرية. يُدرس الفيلم اليوم في الجامعات العالمية ليس فقط كنموذج للسينما النسوية، بل كدرس بليغ في كيفية توظيف «الميزانية المنخفضة» لخلق أثرٍ سياسي زلزل المفاهيم السائدة. إن بقاء الفيلم حيًّا في الذاكرة يُثبت أن القضايا التي طرحها لا تزال تُمثل التحدي الأكبر أمام أي سعي حقيقي نحو العدالة الشاملة.

في النهاية، يبقى فيلم «وُلد في اللهب» (1983 - Born in Flames) عملًا سينمائيًّا وتاريخيًّا مُهمًّا، لأنه يُثير الأسئلة الحارقة حول مصير الحركات التحررية في ظل الأنظمة الشمولية «المُقنَّعة» ولا يكتفي بتقديم حلول جاهزة. ففكرة العنف في الفيلم لا تنفي السبب الدرامي الذي وُضعت فيه الشخصيات؛ إذ يدفع الفيلم بالمشاهد صوب التفكير: إذا كان الإعلام، والتعليم، والعمل السلمي كلها أدوات مصادرة من قبل السلطة، فماذا تبقى للنساء غير اللهب؟

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى