في عام 2017، وبعد أكثر من ربع قرن على عرض الحلقة الأخيرة من الموسم الثاني، عاد ديفيد لينش ليُعيد فتح الجرح. لكن «العودة» لم تكن حنينًا ولا حتى استكمالًا لخط دراميٍّ قديم، إنما كانت أقربَ إلى استدعاءِ طيفٍ، أو كابوسٍ يُبعث بعد طول دفن.
في «توين بيكس: العودة»، لم يقدّم لينش موسمًا ثالثًا بقدر ما صنع عملًا تأمليًا عن الزمن نفسه، عن التلفزيون كذاكرة جماعية، وعن العالم الذي تغيّر (أو لم يتغيّر؟) منذ التسعينات، إذ صار العالم أسرع وأكثر تكرارًا من أي حلم، ولينش جاء ليصنع نقيضَ ذلك: بطء ميتافيزيقي ضد سرعة الإنترنت، صمتٌ ضدّ الضجيج، وحلمٌ ضد الواقع.
صحيح أن العالم قد تغيّر، لكن المحقق كوبر بقي هو ذاته الذي عرفناه. ولذلك، حين يعود، يبدو كمن يسير في أطلال عالمٍ لم يعد يعرفه، كمن يتحرّك داخل حبكة، بل داخل زمنٍ مكسورٍ من الذكريات والظلال، فإذا بالعمل ينقلب من كونه مسلسلًا إلى منصة للتأمل في ما تعنيه العودة أصلًا.
هل العودة ممكنة؟ هل يمكن أن نرجع إلى البيت القديم؟ أن نجد لورا في نفس الغرفة؟ كل شيء في هذا الموسم يدور حول هذه الأسئلة. حتى عنوان الحلقة الأخيرة «أي عام هذا؟» هو أقرب إلى صرخةٍ وجوديةٍ منه إلى سؤالٍ زمني.
لم يعد كوبر مجرد عميل، بل شبح يحاول إعادة كتابة ماضيه، فيفقد حاضره. وهذه العودة ليست إلى المكان، بل إلى جرحٍ لم يشفَ قط.
حين انتهى الموسم الثاني بانعكاس ديل كوبر في المرآة وصوت “How’s Annie” الذي يتردّد كسؤال عالق في العدم، لم يكن أحدٌ يتوقّع أن يستمر الصدى كل هذه السنين. لكن «توين بيكس: العودة» لم يأتِ ليُجيب على سؤال القاتل أو لعنة «بوبش»، بل جاء ليعيد تعريفَ معنى الشر ذاته. فبوب لم يعد وحشًا، بل تجسيدًا للطاقة السوداء المزروعة في بنية الوعي الأميركي: عنف، استغلال، وإدمان جماعي على النسيان.
في مشهد الانفجار النووي الشهير، نرى ميلاد «بوب» ككائن ينبثق من رحم القنبلة وكأن لينش يعلن أن الشيطان لم يكن يومًا قوة خارقة، بل نتاجًا بشريًّا للعلم والهيمنة والسلاح. هذا المشهد لا يعتبر مجرد استعارة لميلاد الشر، بل هو ميلادٌ للزمن الحديث؛ اللحظة التي تحوّل فيها الحلم الأميركي إلى واقع مشعّ بالعنف، والعالم إلى شاشة تتوهج بالخطر. ولذلك فهي ليست مجرد أسطورة شرّ؛ بل إعادة تأريخ للحظة انكسارِ الحلم الأميركي.
في «العودة» يعود لينش للتجريب، حيث لا يكتفي بتجريب الشكل، بل ينقلب على منطق السرد التلفزيوني نفسه: الحلقات طويلة، الإيقاع متعمّد البطء، الحوارات عبثية أحيانًا، الشخصيات تظهر وتختفي دون تفسير، والمشاهد لا يُقاد نحو حبكة، بل يُلقى في متاهة بصرية صوتية من الذكريات والمرايا والمضاعفات، حيث لا يشاهد مسلسلًا، بل يعيش تجربة حلم يُعاد بثه داخل جهاز تلفزيون قديم.
أما في تراكيب الشخصيات، فإن إدانة، أو هجاء، أو سخرية، أو ربما مجرد تأمل لينش في أميركا، يتمظهر من خلال شخصية «دوغي جونز» بوصفه صورة كاريكاتورية عن الإنسان الأمريكي المعاصر: نسخة مشوّهة من الذات، تعيش حياة استهلاكية، تتحرّك بلا وعي، لكن رغم كل ذلك، الخير لا يزال يطلّ من خلالها بشكل طفولي غامض.
دوغي ليس شخصية جديدة؛ بل كوبر الممسوخ، المفرّغ من الوعي، وكأن لينش يقول إننا جميعًا أصبحنا «دوغي» في هذا العالم المكرّر. أما الـ«الغرفة الحمراء»، فلم تعد مجرّد عالم موازٍ، بل أصبحت نقطة التقاء بين زمنين: الداخل والخارج، الماضي والمستقبل، التلفزيون والحياة. وفيها تتكرر الجمل والرقصات والوجوه، كأننا داخل ذاكرة تلفزيونية متكسّرة تعيد نفسها دون نهاية.
في المشهد الأخير، حين يعود كوبر (أو من يظن نفسه كوبر) ليجد أن كل شيء تغيّر، وأن لورا ليست لورا، والبيت لم يعد هو البيت، ندرك أن لحظة العودة تلك هي لحظة ذوبان كامل للواقع. والصرخة المدوية في النهاية ليست مجرد رعب، بل انهيار الوعي أمام استحالة العودة. فلم تعد هناك بلدة اسمها "توين بيكس" يمكن العودة إليها، لأن البلدة كانت دومًا استعارة للعقل الأمريكي نفسه، ولقد تغيّر العقل وتحوّل إلى شظايا من صور الماضي.
ولعل من أكثر ما يميز الموسم الأخير من المسلسل، هو تحطيم مفهوم الزمن الخطي، فالأحداث تدور كحلقة مفرغة، وكأن الزمن في المسلسل هو آلة تحلم بنفسها: نرى لورا تُقتل وتُبعث، ونرى كوبر يعيد الرحلة ذاتها، كما نرى شريطًا يعاد تشغيله إلى ما لا نهاية. وهكذا يصبح التحقيق في الجريمة استعارة للتحقيق في الوجود ذاته. تمامًا كما قال نيتشه عن العود الأبدي.
وبينما كانت هذه الفكرة في الفلسفة تعبّر -في بعض تأويلاتها- عن قبول القدر، فإنها هنا لعنةٌ سرديةٌ لا مهرب منها. يضع لينش في «العودة» بلدةَ توين بيكس كأميركا مصغّرة، حيث يتجاور العنف والبراءة، التكنولوجيا والروحانية، الرأسمالية والفراغ. أما جماليًّا، فإن «العودة» يؤكد على أن لينش واحد من آخر من تبقى من هذا الجيل، الذي تعامل مع التلفزيون كفن بصري مستقل.
فكل مشهد يُصوَّر بإيقاع يشبه الأفلام الصامتة، والمونتاج يخلق إحساسًا بالانتظار أكثر مما يخلق حبكة. وكل لقطة من انعكاس وجه كوبر في المرآة، إلى دخان المصباح في الغرفة الحمراء، تبدو كأنها لوحة معلّقة بين السينما والرسم والنوم. لقد حوّل لينش الوسيطَ نفسه إلى جزء من القصة: الشاشة ليست نافذة، بل جدار بيننا وبين الواقع. أما مشهد بار «ذا ريد هاوس» الذي يتكرّر في نهاية الحلقات، حيث تعزف فرقة مختلفة كل مرة، هو تعويذة غريبة: حياة تتكرر بلا معنى، ومجتمع يغني لينسى أن كل شيء انتهى منذ زمن.
الأمّهات المدمنات، المراهقون الضائعون، الشرطة الفاسدة، والمجرمون الذين يتحدثون كأنهم فلاسفة... كلّهم بقايا من حلم أمريكي احترق تحت ضوء النيون.
لينش لا يدينهم، بل يُشيّعهم ككائنات فقدت ذاتها في الميديا والخيال.
في «توين بيكس» لا يقدّم لينش أجوبةً، لأنه -ببساطة- لا يؤمن بوجودها. وبلدته الغامضه هي كونٌ من العلامات المفتوحة، حيث كل باب يؤدي إلى آخر، وكل تفسير يخلق ألغازًا جديدة. وهذا ما جعل من المسلسل، بكل فروعه وأزمانه، أطولَ حلم جماعيّ في تاريخ التلفزيون.
بهذا المعنى، نستطيع رؤية «توين بيكس» بوصفه عملًا سياسيًّا بقدر ما هو عمل صوفي.
وفي النهاية، ينهار كل شيء لأن اللغز لم يكن لورا فقط، بل كان الحياة نفسها. و«العودة» هي عودةٌ لذات النقطة في الوجود، وجود شخصيات المسلسل والفيلم، ووجودنا نحن، عودة بالمجاز، إذ إن العائدَ قد يلقى شيئا جديدًا، قد يفهم، أو قد يحاول من جديد بعدما تحوّل النهر. أما هذه العودة اللينشية، فهي للمعاودة أقرب، للتكرار، ولعود نيتشه الأبدي.



