تيموثي شلاميه: نمط جديد … نمط مخيف

March 11, 2026

في السنوات الأخيرة، وتحديدًا في أعقاب جائحة كورونا، تغير نمط الذهاب إلى السينما، كما تغيرت بعض الأنشطة البشرية بلا رجعة. أصبح الوصول إلى الأفلام من المنزل سهلاً يسيرًا مع انتشار المنصات الرقمية. ولم يعد ثمة شيء يجذب الجمهور إلى قاعات السينما سوى الأفلام التي تعِد بتجربةٍ حسيةٍ خشنة لا يمكن محاكاتها في المنزل. منذ «توب غن: مافريك» (Top Gun: Maverick)، الذي كسر الحَجر عن قاعات السينما، نستطيع رصد هذا النمط في الأفلام التي حصدت نجاحًا واسعًا في شباك التذاكر: «أوبنهايمر» (Oppenheimer)، «باربي» (Barbie)، «كُثيب» (Dune)، «تشالنجرز» (Challengers)، «خُطاة» (Sinners)، وآخر هذه الأفلام «معركة تلو الأخرى» (One Battle After Another). لا شك أن هذا التغيير كان قد بدأ يختمر قبل الجائحة، والتي جاءت بدورها فأنضجته قبل أوانه. 

لقد تغير وجه الصناعة للأبد، حين تغيرت آليات الإنتاج وأدوات التسويق. فأصبحت السوشيال ميديا المحركَ التسويقي الأهم؛ حيث يتم توظيفها في خدمة هذا التغيير الراهن: في تسويق مدى حاجتك لمشاهدة مشهد بعينه داخل السينما، أو ترويج ضرورة مشاهدة ذاك الفيلم بطبعة 70 مم وإلا ستكون تجربتك ناقصة. وأضحى صناع الأفلام بالغي الإبداع في استغلال هذه التفاصيل التقنية الدقيقة في جذب الجمهور. وكلماتي هنا ليست إدانةً عمياء؛ فبعض هذه الأفلام يوظف هذه التفاصيل التقنية أمثل توظيف، وتتضافر معها سائر العناصر الفنية ليخرج لنا فيلمٌ متقنٌ ومحكم، مثل: «أوبنهايمر» الذي تكامل إنجازه التقني مع سائر العناصر الفنية ليتجاوز الفيلم لحظته. أما معظم هذه الأفلام فتتوقف ميزاته عند دغدغة حواس الجمهور، مثل: «تشالنجرز» الذي وجدْتُه فيلمًا خاليًا من كل روح وكأنه إعلان طويل لإحدى الشركات الرياضية الكبرى. 

شكلٌ آخر من توظيف السوشيال ميديا في التسويق للأفلام، هو الحملة الدعائية غير المسبوقة التي قادها فتى هوليوود الأول تيموثي شلاميه ترويجًا لأحدث أفلامه «مارتي العظيم» (Marty Supreme). فما قام به شلاميه تعجز عنه استوديوهات ضخمة: الجاكت الذي ارتداه مشاهير كثر من مختلف ميادين الرياضة والفن، الكلمات المتباهية التي غناها في ظهوره مع مغني الراب الصاعد بقوة (EsDeeKid)، والأهم هو استخدامه لشخصيته في الفيلم كاستعارة لشخصيته الحقيقية الطموحة الجائعة. 

غير أن ما استوقفني هنا ليس الحملة الدعائية في ذاتها، بل ما يمكن أن تستتبِعه من إعادةِ تعريفٍ لشكل العلاقة بين الجمهور والنجوم، تماما كما رسمت جائحة كورونا شكل العلاقة الجديد بين الجمهور والأفلام.

المسافة والنجومية

المسافة هي جوهر النجومية وثمنها الباهظ. وثمن النجومية هو حرية النجم إزاء وجوده؛ فأن تكون نجمًا يعني أن تظل بعيدًا عن أعين الجمهور، لكن حاضرًا في مخيالهم بالغموض الذي تخوله لك هذه المسافة. تسمح المسافة للنجم بأن يصبح فكرةً، بأن يجرده جمهوره حتى يصير رمزًا يحُوكون حوله الحكايات. وليس النجم حرًا إزاء طريقة وجوده؛ فالنجوميةُ نمطُ وجودٍ محدد سلفًا، ولهذا غالبًا ما يكون النجوم وحيدين ومتعبين.

استوعب النجوم مفردات هذه الصيغة، وقبلوا بتنازلاتها. وأدركوا أن قبسًا غير هين من بريقهم نابعٌ من المسافة، فاستثمروها في إضفاء هالة من الغموض حول شخوصهم. وحرصوا على الإقلال من ظهورهم، بل لم يظهروا إلا عند حاجتهم إلى ذلك. كما حرصوا أيضًا على صقل صورتهم التي تظهرُ للجمهور في مقابلاتهم القليلة. وقد أفُلَ سريعًا نجم من لم يلتزم بهذه القواعد. 

وقد ناقش الأمر كثيرٌ من الفلاسفة مثل: رولان بارت وإدغار موران1، إذ قالوا بأن النجومية اختراعٌ حديث لاستبدال منظومات الأساطير (الميثولوجيا) القديمة. وكما لا يمكن للأسطورة أن تستقرّ في وعي الناس إلا عندما تكون خارجَ أفق النظر وحدود الزمن، لا يمكن كذلك للنجم أن يدخلَ حيز التجريد والتحول إلى أيقونة إلا عندما يحافظُ على المسافة المناسبة لذلك. 

نمط جديد

في أول الأمر، لم يَرُق لي ظهور شلاميه بهذه الكثافة، وكثرة حديثه عن نفسه بهذه الطريقة الكاشفة التي تزيح عنه الغموض، إذ رأيت في هذا النمط إشباعًا أكثر من اللازم لحاجة الجمهور إلى رؤيته، وإخلالاً بمبدأ المسافة. لقد أصبح شلاميه قريبًا للغاية من الجمهور، وهو ما اعتقدت أنه قد يؤثر بالسلب عليه وعلى فيلمه الجديد. وقد تذكرت كذلك نصيحة دينزل واشنطن للنجوم الشباب بأن يبتعدوا عن السوشيال ميديا لئلا يحترقوا بنارها. ثم بدأت في ملاحظة ردة الفعل العامة على هذا النمط الجديد، فوجدت في الواقع عكسَ ما كنت أظن. وجدت أن هذا النمط يَلقَى استحسانًا عند أغلب الجمهور، ويحفّزهم على مشاهدة الفيلم، ويزيد من رغبتهم في رؤية شلاميه لا العكس. 

«أنا أسعى إلى العظمة، وأريد أن أكون أحد العظماء».

كانت هذه كلمات شلاميه لحظة استلامه لجائزة نقابة الممثلين (SAG)، وقد صاحب ذلك ذكره لبعض الأسماء العظيمة التي يطمح أن يسير على خطاها، مثل: دانيال داي لويس، فيولا ديفيز، مايكل جوردان. تأخذنا هذه الكلمات الدالة إلى التفصيلة الأهم في حملة شلاميه الدعائية، وهي استخدامه لشخصية "مارتي العظيم" كاستعارةٍ لشخصيته الحقيقية. وعلى هذا النحو، ربما لم تكن الحملة الدعائية ترويجًا للفيلم نفسه، بقدر ما كانت ترويجًا لسردية شلاميه الذاتية: طموحه الهائل، عطشه للمجد، وثقته في بلوغه. وهذا ما يمثل انقلابًا على النمط التقليدي: فلم يعد النجم واجهةً للفيلم، وإنما نصًا موازيًا له، بل وربما يكون النصَّ المركزيَّ ذاته. وهكذا، يصبح الفيلم امتدادًا لشخصية النجم. 

هل يتحول مبدأ المسافة؟ 

يبدو لي أن الحملات الدعائية قد صارت حدثًا مستقلاً عن الفيلم، وأصبحت تستخدمُ للترويج لما يحدث خلف الكواليس ولشخوصِ الممثلين أكثر من الترويج لمادة الفيلم، وهو ما تقوم به حاليًا مارجوت روبي في الترويج لفيلمها الجديد رفقة جاكوب إيلوردي «مرتفعات ويذرينج» (Wuthering Heights). يبدو لي أن المعادلة قد تغيرت بسبب أن الجمهور لم يعد عنصرًا خاملاً مستقبلاً فحسب، بل صار فاعلاً نشطًا ويساهم في الترويج للأفلام عبر العملة الثقافية الأهم: الميمات. يعيدُ الجمهور تدوير سرديات النجوم على هيئة "ميمات" تنتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي. وكلما عرَف الجمهور أكثر عن نجومه، كلما زاد إنتاجه للميمات. 

مسافة رقمية

قد يُخيّل لنا أن هذا النمط الجديد الذي أتقنه شلاميه هو قطيعةٌ مع تراث النجومية التقليدي، عدا أنه عند التدقيق نلحظُ أن هذا النمطَ الجديد لا يعدو كونه إعادةَ هندسةٍ لمفهوم المسافة بمعطيات اللحظة الراهنة. فنحن أمام صيغة جديدة لمفهوم المسافة، هي المسافة الرقمية. في هذه المسافة يبدو النجوم أكثر عفويةً وقربًا من جمهورهم، بينما في واقع الأمر، ليس ثمة ما هو أبعد من عفويةٍ مدروسةٍ وقربٍ محسوب. وقد أضحت السوشيال ميديا مساحةً جديدة يمتد فيها أداء الممثلين إلى خارج حدود الفيلم.

نمط مخيف

يبدو هذا النمط الجديد مخيفًا، وقد يضر بالسينما على المدى البعيد. فقد أصبحت العلاقة مع النجم أهم من مادة الفيلم وجودته. كما أصبحت الأفلام قابلةً للاختزال وفي لحظة تصبح قابلة لأن تتحول إلى ميم، أو مشهد قابل للانتشار الواسع على منصات التواصل، وعلى الأرجح فقد صُمِّمَ المشهد خصيصًا لهذا الغرض. لم يعد الجمهور يغادر قاعات السينما محملاً بتساؤلات، أو في مزاج للتأمل، بل بانطباع أنه شهد لتوه حدثًا، مثل: ظاهرة باربينهايمر (Barbenheimer)، والعرض الخاص لفيلم يورغوس لانثيموس الجديد «بوغونيا» (Bugonia) الذي توجب على جميع حاضريه أن يحلقوا رؤوسهم مثل شخصيةِ إيما ستون في الفيلم.

ربما لم تصل السينما إلى طور الاحتضار بعدُ كما يصرح دائمًا شيخنا مارتن سكورسيزي، وإنما نحن أمام دورة حياة جديدة تفرضها معطيات اللحظة الراهنة: أعادت الجائحة تعريفَ علاقتنا بالسينما، وتعيد السوشيال ميديا تعريف علاقتنا بالنجوم. ومع ذلك، أعتقد أنه علينا التعاملُ مع هذه المعطيات الجديدة بحذر. علينا أن نلوذ بالمسافة؛ فهي ما يتيح لنا تفعيلَ ملكة النقد، ويمنحنا تلك النظرة الهادئة القادرة على استبصار البرزخ الفاصل بين الفيلم نفسه وما يخاتلنا فنحسبه جزءًا من الفيلم. لعل المسافة هي حصننا الأخير قبل أن تتحول كل الأفلام إلى لحظات "ميمية" جامدة، وتغدو عروضها مجرد أحداث عابرة للتسلية. 

الهوامش:

1. انظر كتاب «أسطوريات: أساطير الحياة اليومية» لرولان بارت، وكتاب «نجوم السينما» لإدغار موران.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى