مصدر المادَّة:
**********
بينما يركِّزُ هذا العدد من مجلَّة Mise au Point على «الافتتان المتزايد بالحياة اليوميَّة الذي ميَّز الحياة الثقافيَّة خلال الثلاثين سنة الماضية»1، اخترنا من جانبنا العودة إلى فترةٍ أبعد في الزمن، وصولًا إلى سينما الهواة في ستِّينيات القرن الماضي. كان تصوير الحياة اليوميَّة في ذلك الوقت يعني في الغالب تصوير الجانب الحميمي2 لإنتاجِ ما يُطلَقُ عليه عادةً "الأفلام العائليَّة". يمكنُ وصف هذه الأفلام، وفقًا لما أورده روجيه أودان (2017)، بأنَّها «مُنجزةٌ من قِبلِ فردٍ من أفراد العائلة عن حياة عائلته وموجَّهةٌ إلى عائلته». إنَّ النزعة السيريَّة الذاتيَّة، سواء كانت واعيةً أو لاواعية، والتي تستجيب لمعايير الهويَّة والأصالة، تبدو جليَّة في هذه الأفلام: عادةً ما ينتمي الأبطال الظاهرون على الشاشة إلى الدائرة العائليَّة، كما يعدُّ جهاز الكاميرا أداةً تعريفيَّةً لمستخدمه، وقد استخدمنا الوصف بصيغة المذكَّر عمدًا، نظرًا لتقاطع الدراسات الإثنوغرافيَّة والسينمائيَّة في هذا الجانب. إنَّ لهذه الممارسة الإنتاجيَّة رموزها وتكراراتها الخاصَّة التي يتقاسمها جمهورٌ أوليٌّ محدودٌ ويصادق عليها، مع أنماط تلقٍّ تتَّسم بطابعٍ طقوسيٍّ إلى حدٍّ ما، على عكس المدوَّنات الشخصيَّة الحاليَّة على سبيل المثال.
يمكنُ أن تكتسب تمثيلات الحياة اليوميَّة قيمةً تراثيَّة، نظرًا لأنَّ مبدأ تكرارها على مستوى المجتمع يُدرِجها ضمن توجُّهٍ عامٍّ واتِّجاهٍ أوسع، ممَّا يجعلها ممثِّلةً لممارسةٍ أكثر شمولًا، حيث تشهدُ الفرادة على التعدُّديَّة، لأنَّه وحتَّى في أكثر صورها اعتياديَةً، «تؤدِّي الكتابة الذاتيَّة3 وظيفةً اجتماعيَّةً وجماعيَّةً أيضًا» (كاترين بولان، 2018، ص 286). ومن خلال دراسة حالةٍ هنا، نقترحُ كيفيَّة إعادة تصنيف سينما الهواة (cinéma amateur) كشهادةٍ تراثيَّة، حيث ينال اليومي، في علاقةٍ ديالكتيكيَّةٍ جديدة، قيمةً تذكاريَّة وإثنوغرافيَّة.
وكما يشيرُ أودان في مقاله السابق الذكر4، فإنَّ «ما يُسمَّى بسينما الهُواة لا يشكِّلُ فقط مجالًا بحدودٍ غير مؤكَّدةٍ ومتغيِّرة، بل أيضًا مجالًا شديد التباين»، بقدرِ ما هو متعدِّدُ الأصوات (باتريسيا زيمرمان، 2008، ص 6). ويصفه لوران لو غال (2010) بأنَّه «نوعٌ شامل» حيث أنَّ «تصنيفه يثير في حدِّ ذاته العديدَ من الأسئلة حول تحديد الحدود».
إذًا سنتناول فئةً أكثر تحديدًا، وهي الفيلم العائلي، من خلال دراسة المثال الفرنسي المتعلِّق بنظامِ الإيداع التراثي الذي تديره الوكالة الإقليميَّة Ciclic5: من خلال الوساطة، في حركةٍ مزدوجةٍ تتمثَّل في إبعاد الأفلام عن مستلميها الأصليِّين ومنتجيها، ولكن أيضًا من خلال إعادة إدراجها في الذاكرة الجماعيَّة، ومع منحها وضعًا مُعادًا تقييمه، يتساءل هذا المثال عن مفهومي القرب والألفة اللذين لا ينفصلان عن الحياة اليوميَّة. بهذا فإنَّ النظام يقدِّم بُعدًا آخر للفيلم الهاوي من خلال ضمان توزيعه الواسع (العروض العامَّة، نشر مقاطع متسلسلة على الإنترنت)، ليضعه ضمن برمجةٍ عامَّةٍ جديدة، ومن ثمَّ ضمن المجال الواسع للتراث اللامادي6. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الدور الرائد لليونسكو التي نشرت، في 27 أكتوبر 1980، توصيتها بشأن حماية الصور المتحرِّكة والحفاظ عليها، مع تعريفٍ واسع لها، حيث نصَّت على أنَّه «يجبُ إعطاء الأولويَّة للصور المتحرِّكة التي، نظرًا لقيمتها التعليميَّة والثقافيَّة والفنيَّة والعلميَّة والتاريخيَّة، تُعتبر جزءًا من التراث الثقافي للأمَّة».
بعد تحديد مفهوم الحياة اليوميَّة وروابطه مع الفيلم العائلي، سنعرض الأنظمة الإقليميَّة لحفظ وتوزيع أفلام الهواة في الأرشيف السينمائي، وبشكلٍ خاصٍّ وكالة Ciclic، قبل أن نركِّز على مجموعةٍ من إيداعٍ محدَّد. نهدف من خلال ذلك إلى فهمِ المسار الذي يتحقَّق من التاريخ الشخصيِّ إلى التاريخ الجماعي، ومن الخصوصيَّة إلى الإعلام، ومن التراث الخاص إلى التراث العام، من أجل رؤيةِ كيفيَّة تجسيد هذه المجموعة للعلاقات بين الذاكرة والتاريخ والحياة اليوميَّة. في هذه التحليل، سنستند إلى أفكار برغسون المتعلقة بالعلاقة بين الماضي والحاضر من خلال مفاهيم الذاكرة والذكرى والتمثيل. تعتمد مقاربتنا على الدراسات السينمائيَّة، السرديَّات، التحقيقات الإثنوغرافيَّة، والتفسيريَّة التطبيقيَّة للسينما.
الحياة اليوميَّة وأفلام العائلة
لنوضح أولًا معنى تسميَّة «الحياة اليوميَّة»: بالنسبة للمؤرخ اللغوي، فهو يقابل مرادفاتٍ مثل "الحياة، النشاط، المهام اليوميَّة" (الخزانة المحوسبة للغة الفرنسيَّة (TLFI)، 1994)، ممَّا يشير إلى التكرار المرتبط بأصله اللاتيني. تَظهر هذه الدلالات بشكلٍ أو بآخرٍ على الصعيد الفلسفي، كما في عمل بروس بيغو (2005، ص 14-18)، الذي يبرز فوريَّة الحياة اليوميَّة ويستند إلى مفاهيم مثل "الطبيعيَّة"، "العاديَّة"، "المشتركة"، "المألوفة"، من أجل الإشارة إلى «حقيقة العالم الذي يتشكل ويتفكَّك». وبالتالي يُعاد جوهر الحياة اليوميَّة إلى أشكالٍ من الانشغال النشط، ممَّا يجعلها قابلةً للتحويل إلى صورٍ متحركة – «الفيلم عبارة عن تسلسلٍ من فتراتٍ زمنيَّة ومساحات»، كما يكتب نويل بورش (1986، ص 22). وهكذا نلتقي مع مجال التراث اللامادِّي الذي تمَّ التطرق إليه في المقدمة، والذي تعترف اليونسكو 7فيه بأهميَّة "الطقوس" و"الممارسات الاجتماعيَّة"، موضحةً أنَّ هذه الممارسات «تنظم الحياة اليوميَّة وهي مألوفة لجميع أفراد المجتمع، حتى وإن لم يشارك فيها الجميع».
بذلك تستجيب سينما الحياة اليوميَّة لاحتياج الجمهور للتعرُّف على ذاته، وهو احتياجٌ تقوم بتلبيته منذ بداياتها: حيث أطلَق فيلم «مغادرة مصنع لوميير في ليون» (La Sortie de l'Usine Lumière à Lyon - 1895) بداية عملِ موجةٍ من «المشغِّلين المكلَّفين بجلبِ صورٍ من الواقع اليومي» (فرانسيس فانوا، فرانسيس فري، وآن ليتي، 1998، ص 52) لصالح الاستوديوهات الراعية، في وقتٍ كان يُعرَض فيه ما يسميه بورش (1986، ص 223-224) بـ "المثاليَّة الواقعيَّة" للسينما، المرتبطة بسمتين هما "جودتها الشعبيَّة وطبيعتها الواقعيَّة". من الملاحظ أنَّ فيلم «وجبة الطفل» (Le Repas de bébé - 1895)، وهو أوَّل فيلمٍ عائلي، قد صُوِّرَ بدقة بواسطة لوي لوميير في السنة نفسها.
يقدِّمُ المدخل الثاني في (TLFi 1994) الحياةَ اليوميَّة على أنَّها مرادف لـ «ما يحدث عادةً، [...] يُعاش كلَّ يوم»، وتُطوَّر إلى «طابعٍ مملٍّ وعادي، جانبٍ عابر، بديهي، مشتركٍ وتافهٍ لشيءٍ ما». هنا يحدثُ انتقالٌ من البساطة التكراريَّة إلى صفاتٍ تحقيريَّة دون لبس، وهو ما يعزِّزه أيضًا قائمة الأضداد التي تلي ذلك: «حُلمي، مثالي، خيالي، خرافي». من جهته يشير بيغو (2005، الغلاف الرابع) إلى «الصور الباليَّة التي ينقلها [الواقع اليومي] [...] (الرماديَّة، العاديَّة، التافهة)». وبالتالي فإنَّ تصوير الحياة اليوميَّة يعني، في هذا السياق، تصوير كلٍّ من التكرار والعادي، بل وحتى العادي جدًا.
تؤكِّد هذه الدلالات ما أظهرته الأبحاث في الدراسات السينمائيَّة. يصف لو غال (2010) سينما الهواة على النحو التالي: «هذه الصور الفقيرة، والتي لا تبدو سوى تسجيلٍ بسيطٍ لواقعٍ بديهيٍّ في لحظاتٍ معيَّنة، [...] [تُعاني] من عيبٍ أصلي: التكرار». وبالمثل تلاحظ غيسبِّينا سابيو (2017) كم أنَّ «تجارب التصوير والمشاهدة في الفيلم العائلي تعتمد على إعادة تكرار الطقوس وعلى سرد الحياة اليوميَّة»، وتَستخدم في نفس المقالة مصطلح "التفاهة" الذي يمكن العثور على مرادفاته الإنكليزيَّة لدى ريتشارد فونغ (2008، ص 39): «يوحي الفيلم العائلي [...] بما هو عاديٌّ ومألوف». أما أودان (2017) فيستخدم مصطلح "التكرار النمطي" للإشارة إلى إحدى السمات المميِّزة لهذا النوع، مؤكدًا أن «لا شيء يشبه الفيلم العائلي أكثر من فيلمٍ عائليٍّ آخر». وبالتالي فإنَّ هذه الملاحظات تتقاطعُ حول "التكرار"، "إعادة التكرار" أو "النمطيَّة" التي يطرحها المتخصِّصون مع المقاربات المعجميَّة والفلسفيَّة للحياة اليوميَّة التي جُمِعَت في الماضي.
ومع ذلك فإنَّ هذه التفاهة المتكرِّرة لم تثنِ الدافع السينمائي، بل إنَّها اكتسبت حيويَّةً جديدةً في السنوات الأخيرة8 لدرجة أنَّه جرى إنشاء مهرجانٍ للفيلم العائلي منذ عام 2006 (موجَّه نحوَ الفيلم الوثائقي الذاتي) في سانت-أوين. يعزى هذا الانتعاش جزئيًا إلى نشر أفلامِ الهواة على الإنترنت، والذي يجري بشكلٍ انتقائيٍّ إلى حدٍّ ما من قِبَل الأرشيفات السينمائيَّة الإقليميَّة؛ حيث تُدرجُ فئة "الحياة اليوميَّة" في الكلمات المفتاحيَّة التي تستخدمها العديد من هذه الأرشيفات (آنييس ديليفورج، 2003). حتى وإن لم تكن جميعها أفلام عائليَّة، كيف يمكن تفسير التناقض الظاهر بين تفاهتِها الجوهريَّة والاهتمام الذي تثيره، في الوقت الذي يربط فيه لو غال (2010) بشكل صريح «تخفيض قيمة إنتاج الكاميرات الهاوية» بـ «زيادة الصور العادية» التي تعزى، وفقًا له، إلى ظاهرةٍ بارزةٍ في النصف الثاني من القرن العشرين، ألا وهي "ديمقراطية الممارسة السينمائيَّة"؟
الأرشيفات السينمائيَّة الإقليميَّة وتعزيز سينما الهواة
أدركت بعض الأرشيفات السينمائيَّة الإقليميَّة هذا الاهتمام منذ عدَّة عقود. في البداية كانت الأرشيفات السينمائيَّة عبارةً عن «منظمة خاصة أو عامة تقوم بالحفاظ على التراث السينمائي ككل، سواء كان سينمائيًا أو غير سينمائي» (فانوا، فري، وليتي، 1998، ص 104)، غير أنَّ باسكال جينو (2003) يربط ظهور الهياكل المخصَّصة بشكلٍ رئيسي «لتقدير التراث السينمائي الإقليمي» إلى سنوات السبعينيَّات والثمانينيَّات. هذا التراث يحمل خصائص مشتركة على المستوى التقني – تنسيقاتٌ تُسمَّى "تحت المعايير" (8 مم، سوبر 8، 9.5 مم أو 16 مم، والفيديو) (فاليري فينيو، 2003 ؛ ديليفورج، 2003)، التي يُطلق عليها أيضًا "محدودة"، "غير مهنيَّة" أو "شبه مهنيَّة" (جينو، 2003) – وكذلك على المستوى الاقتصادي. في البداية كانت هذه الأعمال تُسمى "أعمالًا منزليَّة" أو "أعمال هواة"، بل وأحيانًا كانت تُعرف بالافتراض – "غير تجاريَّة، غير مهنيَّة، غير ضروريَّة" (زيمرمان، 2008، ص 1) – لكنها الآن تُصنَّف على أنَّها "غير منشورة" (أندريه هويه، 2012)، وهو مصطلحٌ ذو دلالةٍ إيجابيَّة. ومع ذلك لم تكتسب هذه الأعمال «وضعًا إداريًا حقيقيًا لأنَّها غير معترفٍ بها من قبل المركز الوطني للسينما» (فينيو، 2003) الذي لا يمنحها رقم تأشيرة استغلال9. وأخيرًا يُدرج أودان (2017)، على الأصعدة الشكليَّة والعمليَّة والمحتوى، «مجموعة من السمات المميَّزة والمعترف بها من قبل الفضاء العام» التي تجعلها سهلة التعرُّف.
تتمتُّع كلُّ منطقةٍ في فرنسا، تقريبًا، بهيكلٍ خاصٍّ بها، مع تسمياتٍ ووضعيَّاتٍ متنوِّعة: الأرشيف السينمائي في بروتانيا، الذاكرة السمعية البصريَّة في هوت-نورماندي، الأرشيف السينمائي في سانت-إتيان، في تولوز، في مارسيليا، في نيس، في كورسيكا، في أكيتانيا الجديدة، في فرنسا العليا، معهد جان فيغو في پارپينيان، الأرشيف السينمائي في بورغوني جان-دوشيه... من بين هذه الهيئات، كانت أوَّل منظَّمتين، بالإضافة إلى مركز الصورة في لورين الذي اختفى منذ عام 2018، قد اضطلعتا بدورٍ رائدٍ في بناء "الذاكرة المحليَّة" من خلال جمع وحفظ «صورٍ لا تنتمي إلى الدوائر التقليديَّة» (فينيو 2003).
إذا كان الوصول عبر الإنترنت لم يتحقَّق بعد في بورغوني، حيث لم تبدأ عمليَّة جمع الأفلام إلا في عام 2015، فإنَّ الهيكل قد تلقَّى بالفعل 400 فيلم10 ويعلن عن 100 نسخةٍ قيد المعالجة11 ضمن برنامج CRAC (مجموعة إقليميَّة من أرشيفات الأفلام). من ناحية أخرى، يوفِّر الأرشيف السينمائي في بروتانيا 6,654 فيلمًا قابلًا للمراجعة12 من أصل 15,011 سُلِّمت منذ عام 1987 من قبل أكثر من 1,700 مودِع. أما السينيميموار (Cinémémoire) في سينماتيك مارسيليا فقد وضعت على الإنترنت بنك صور يحتوي على أكثر من 1,300 ساعة من بين 2,300 ساعة لديها (5,300 فيلم من 850 إيداعًا13)، بينما تقدِّم قناة Mémoire لوكالة Ciclic، التي أُطلقت في نوفمبر 2010 في مركز-فال دو لوار، 13,024 فيلمًا من بين أكثر من 23,000 شريط فيديو وفيلمٍ محفوظٍ في أرشيفاتها، أي ما يعادل 1,611 ساعة من 1,073 مخرجًا ومخرجة مختلفين14. وتستقبل هذه القناة بشكلٍ متوسِّطٍ أكثر من 500 فيديوغرام سنويًا (مؤِّلف مجهول الهويَّة، 2018، ص 21) – وصولًا إلى 749 عام 2018. هذه الإحصائيات لا تغطي الموضوع بالكامل بالنظر إلى أنه، سنويًا، وحتى بالنسبة لفئة الأفلام المنزليَّة فقط، كما يلاحظ أودان (كلود بوسيون، 2004)، «من حيث الطول، من المحتمل أن يتم إنتاج المزيد من أفلام وفيديوهات العائلة [من] الأفلام والفيديوهات المهنيَّة».
في سنتر فال دو لوار، تابعَ مركز الصور (Centre-Images)، الوكالة الإقليميَّة لمركز الصورة والسمعي البصري (التي أصبحت جزءًا من وكالة Ciclic بعد اندماجها في 2012 بناءً على مبادرةٍ من السلطة الإشرافيَّة، المجلس الإقليمي)، هذا التحرُّك. أُنشِئَ قطبُ التراث الخاص بها في 2006 على يد جوسلان تيرمو الذي كان أوَّل مدير، وضمَّ خمسة أشخاص: مسؤول، منسِّقٌ تقني، مسؤولُ جمعٍ وتثمين، أمين مكتبة، ومساعدة إداريَّة15. وقد تعاقب على إدارة هذا القطاع جولي غيَّامو في 2012، ثم جيلبير لو تريون (المدير السابق للأرشيف السينمائي في بروتانيا) في 2015. وفي 2018، تولى ريمي بايُّو إدارة الهيكل. تعمل هذه الهيئة الآن ضمن المؤسسة العامة للتعاون الثقافي الفرنسي (EPCC) Ciclic التي أنشأها كلٌّ من إقليم سنتر فال دو لوار والدولة، وهو وضعٌ فريدٌ ضمن شبكة الأرشيفات السينمائيَّة الإقليميَّة التي تدار في الغالب بشكلٍ جماعي.
تتمثَّل مهمَّة Ciclic في «الحفاظ على التراث السينمائي [...] بكافَّة أنواعه: أفلام الهواة أو المحترفين، القصيرة أو الطويلة، الخياليَّة أو الوثائقيَّة...»16. يُذكَر بشكلٍ صريحٍ في هدفها أنَّ التوطين الإقليميَّ في منطقة سنتر فال دو لوار، سواء من حيث المواضيع التي صوِّرَت أو من حيث أصل المخرجين، هو جزء من طبيعتها17، وتستخدم الإعلانات الرسميَّة لمركز الصورة (2010) مصطلح «الأرشيفات الإقليميَّة»18. هذه حالةٌ إداريَّة، لكنَّها تذكر أيضًا أحد أسسِ السينما: «كلُّ مخرجٍ يحتاج إلى بيئةٍ ليحدِّد فيها سرديته» (جان بيير إسكينازي، 2017، ص 49). وعلى الرغم من أنَّ هذه البيئة ليست جغرافيَّةً فقط، إلا أنَّها أساسيَّةٌ لأنَّها تحدِّدُ المخرج بينما يتمُّ تحديدها بشكلٍ متبادلٍ من قبله، سواء كان محترفًا أو هاويًا، و«البيئة هي بالضبط ترتيبٌ من التوافق الذي يمكن الاعتماد عليه للعمل» (جيل دولوز، 1983، ص 174).
وأخيرًا، فإنَّ الهدف من نظام الإيداع واضح: «إمكانيَّة مشاركة الوثائق التي غالبًا ما يتجاوز اهتمامها الإطار العائلي والمساهمة في الذاكرة السينمائيَّة والسمعيَّة البصريَّة لمنطقتنا»19 (التأكيد من المصدر) من خلال هذه الأفلام التي صُوِّرت منذ عام 1920. يرتبط هذا التجاوز ارتباطًا وثيقًا بتأكيد «البُعد الجيني [المعترف به] في الكتابة الذاتيَّة، حيث يرتبط بعصرٍ ومجتمعٍ معيَّنين [...]» (بولان 2018، ص 274). وتظهرُ الوظيفة الذاكريَّة، التي تعد أساسيَّة، في اسم الموقع نفسه للإيداع المجاني، التشاركي، والمتعاون لـ Ciclic، قناة الذاكرة، وتتساءل عن علاقتنا بالزمن.
رغم اطلاقها في 4 نوفمبر 2010، لم تظهر أسماء المؤلفين للأفلام المعروضة إلا بدءًا من 1 مارس 2011. إن رفع حالة عدم الكشف عن هويتهم، الذي يمثل شكلًا من أشكال الاعتراف غير القابل للإنكار، جاء استجابةً لطلبٍ قويٍّ من زوَّار القناة (حيث يتلقى الموقع 500,000 زيارة سنويًا) وتمَّ بموافقة أصحاب الحقوق، الذين أُبلِغوا عبر البريد من قبل الوكالة في 4 فبراير 2011. في الواقع، عندما يلاحظ إيف هنري نيدليك (2003) أنَّه «لا يوجد وضعٌ خاصٌّ بالصور التي أنشأها الهواة»، وهي ملاحظةٌ تؤكِّد الوضع الإداري الذي أُشيرَ إليه سابقًا، فإنَّ هذه الثغرة تؤدِّي، وفقًا له، إلى نتيجةٍ فوريَّة: «مسألة الأصالة تدفع للبحث عن بصمة الشخصيَّة، بصمة المؤلف»، سواء كان هذا المؤلف هاويًا أم لا. وهذا ما نعتزم القيام به في الجزء التالي من هذا المقال.
روبير بريسِّيه، مُخرجٌ هاوٍ
ضمن المجموعة التي تديرها وكالة Ciclic، اختيرت أفلام روبير بريسِّيه (المجموعة 376)، وهو مخرجٌ من إقليم شير، الذي أخرج نحو 15 فيلمًا بالألوان بتنسيق 8 مم صامتة بين عامي 1958 و1972. يعزى هذا الاختيار في المقام الأول إلى البيانات الشخصيَّة المتوفِّرة لدينا عنه على الصعيد العائلي، وكذلك مشاركتنا في إيداع هذه المجموعة لدى الوكالة الإقليميَّة.
من المهم أيضًا أن نُشير إلى أنَّ هذه الأعمال تتوافق مع معايير الفيلم العائلي التي عُرِضَت في الجزء الأول من مقالنا: أولًا تقع فترة إنتاج أفلامه ضمن الإطار الزمني الذي حدده أودان (2017) لهذا النوع، أي الأعمال التي صُوِّرت على الفيلم ضمن "العائلة التقليدية" من عام 1945 إلى 1975، أو كما حدده سابيو (2016؛ 2017) الذي يقيدها تقريبًا بين الخمسينيَّات والسبعينيَّات. بالإضافة إلى ذلك، نجد أنَّ التكرار والحياة اليوميَّة حاضران بشكلٍ مؤكَّد في هذه الأفلام. يكفي فقط النظر إلى العناوين التي اختيرت لنشر هذه الأفلام: «في الحديقة» (Au Jardin - 1960)، «ثلجٌ في سان دولشار» (Neige à Saint-Doulchard - 1960)، «صيد الأسماك في بورج» (Pêche à Bourges - 1960)، «حديقة» (Jardin - 1962)، «حصاد العنب في سان دولشار» (Vendanges à Saint-Doulchard - 1960)، على سبيل المثال، لا تحمل أيَّ شيءٍ استثنائي، باستثناء حدث هطول الأمطار الشتويَّة. تتناول اللقطات أنشطةً يوميَّة في تلك الفترة ضمن بيئةٍ مألوفة (تُعتبر منطقة سان دولشار، إحدى ضواحي بورج، مقرًّا للعائلة)، وقد استُخرِجَت من إحدى عشرة بكرةَ فيلمٍ ملوَّنة.
سُلِّمَت هذه الأفلام من قبل أصحاب الحقوق في 9 مارس 2008، خلال عمليَّة "جمع-حدث" نظَّمها مركز الصورة في إطار مهرجان «العودة إلى المستقبل» 20 (Retours vers le futur) الثاني حول السينما الفنيَّة (cinéma d’art) والسينما التجريبيَّة (cinéma d’essai) في سينما أبولو (Cinéma Apollo-Maison de l'image) في شاتورو (الموجودة في إقليم إيندر). كانت الوكالة قد التزمت حينها، في إيصالٍ مؤقت، بـ «الاطلاع على [محتويات الأفلام] لتقييم قيمتها التراثيَّة».
حُفِّزَ الإيداع في تلك الفترة بسبب الاهتمام الحقيقي بالحفاظ على الأفلام: حيث كانت البكراتُ مخزَّنةً في قبو عائلي، وهي ظروف تؤدِّي إلى تلفٍ نهائيٍّ للمواد، وذلك حسبما أكَّد الفحص الأول على جهاز العرض اليدوي (تمَّت الإشارة إلى رائحةٍ قويَّةٍ من الخل، وهو ما يشير إلى متلازمة التحلُّل الكيميائي [سيريل خوري، 2005، ص 5]، مع وجود أجزاء فيلميَّة قد تحلَّلت). كما أنَّ بعض الوصلات الملصوقة بدأت تنفصل، ولم يعد جهاز العرض المتعلِّق بالمخرج متاحًا، وبالتالي كانت الـ 515 مترًا من الفيلم مهدَّدةً بالاختفاء ما لم يُتَّخذ أيُّ إجراء. غالبًا ما تكون التسميات الأصليَّة غير واضحة (« La vieille femme 1962 », « Enfants et pêche », « Chat », « Vacances 1959 »). بوضوحٍ يتجاوزُ فقدانُ القيمة المتوقعة قيمةَ التراث المادي البسيط. يمكن تحليل هذا الوعي في إطارٍ فلسفي، وفقًا للتفكير البرغسوني:
«إن الوعي الفردي، الذي يطيلُ ويحفظُ الماضي في الحاضر الذي يتعزَّز به، يتجنَّب بذلك قانون الضرورة نفسه الذي يقتضي تعاقُب الماضي على نفسه بلا توقَّفٍ في حاضرٍ يكرِّره ببساطةٍ بشكلٍ آخر، وأنَّ كلَّ شيءٍ يتدفَّق دائمًا» (برغسون، 1965، ص 161).
تتأكَّد حدَّة هذه الدوافع العميقة عند قراءة كتيب مكتوب بخط اليد من الابن البكر ل روبير بريسِّيه، بعنوان Ce que je sais de mes aïeux (ما أعرفه عن أسلافي): « تتعاقب الأجيال ويغادر أعضاؤها الواحد تلو الآخر وهم يأخذون معهم تاريخهم، في أغلب الأحيان دون أن يتركوا أي أثر» (بريسِّيه 2007، ص 1). هذه التأملات، المسجلة في المقدمة، تعبر عن رغبة عميقة في نقل التاريخ، ورغبة في مقاومة النسيان ومشاركة التاريخ العائلي الذي كشفته بالفعل العديد من الأبحاث الجينيَّة التي قام بها المؤلف.
في هذه القصة يشغل روبير مكانة فريدة: وُلد في بورج (شير) في 23 مارس 1912، وهو الابن الوحيد ويتيم الحرب، إذ قُتل والده جان إيبوليت «على يد العدو» خلال الحرب العالميَّة الأولى، «مات من أجل فرنسا»12، في 22 يوليو 1916 في معركة فردان، وتوفيت والدته بعد ثلاث سنواتٍ ونصف من وفاة والده «من الحزن»، وفقًا للروايات العائليَّة. كان روبير بريسِّيه نفسه قد احتُجز في الأسر خلال الحرب العالميَّة الثانية في منطقة بوميرانيا الألمانية، وتحديدًا في لاونبورغ (التي أصبحت تُعرف باسم ليمبورغ عام 1946 بعد ضمِّها إلى بولندا). جُنِّدَ في الفوج 95 للمشاة وأُسر في فيتِّو، في كوت دور، مع الفوج السادس للهندسة العسكريَّة، في وقت مبكر من النزاع (ويظهر اسمه تحت الرقم 60552 في «القائمة الرسميَّة للأسرى الفرنسيين رقم 18» الصادرة عن المركز الوطني للمعلومات حول أسرى الحرب بتاريخ 19 سبتمبر 1940 «وفقًا للمعلومات التي قدَّمتها السلطات العسكريَّة الألمانيَّة22»). سيكون من بين آخر الجنود الذين يعودون إلى فرنسا: فقد حُرِّرَ بواسطة القوات السوفييتيَّة التي تقدَّمت نحو برلين في بداية عام 1945، ليجد نفسه في موسكو لمدَّةٍ طويلةٍ، ثمَّ يُنقلُ إلى أوديسا بهدف إعادته إلى فرنسا عبر البحر من خلال مرسيليا، متجنِّبًا الجبهة البريَّة، لكنَّه أُعيد في النهاية إلى موسكو بعد سقوط برلين، ليعود إلى مسقط رأسه في بورج في يوليو 1945. هذا الرجل المتزوج، والأب لابنين وُلدا في 1932 و1933، عاش -بشكلٍ مزدوجٍ- بترَ جزءٍ من تاريخ حياته وعائلته: كإبن، ثم كزوجٍ وكأب.
كفنان مزخرف (Décorateur)، كان دائمًا ما يظهر طبعًا وحساسيَّة فنيَّين. بعد دراسته في مدرسة الفنون الجميلة في بورج، ثم في نادي لو موزيو، «الجمعيَّة الوديَّة لخريجي المدرسة الوطنيَّة للفنون الجميلة والفنون التطبيقية في الصناعة ببورج وأصدقاء الفنون في بيري»، التي تأسست عام 1904، كان له شرف المشاركة في بعض المعارض كفنانٍ هاوٍ متخصِّص في المناظر الطبيعيَّة باستخدام الألوان المائيَّة. وقد أنتج العديد من الأعمال التي تجاوزت المئات، بالإضافة إلى بعض اللوحات الزيتيَّة، بدءًا من عامه السابع عشر. لذا كان يمتلك نظرةً فاحصةً على محيطه، وهي صفةٌ فطريَّة لدى صانع الأفلام، كما مارس موهبته الفنيَّة في الموسيقى أيضًا: كان يعزف على الأكورديون الدياتوني والهرمونيكا لِمتعته الشخصيَّة وأثناء اللقاءات العائليَّة. وقد توفِّي في 17 أبريل 1977، عن عمر يناهز 65 عامًا، في منزله في سان دولشار.
اشترى كاميراته 8 مم23 في أواخر الخمسينيَّات، وذلك بعد وقتٍ قصيرٍ من ولادة أولى حفيداته الخمسة. لا شك أنَّ التزامن لم يكن مصادفة: فهنَّ يعشن في دو، على بعد حوالي 350 كيلومترًا، دون هاتف في المنزل، وكانت الزيارات نادرةً لأنَّ التنقل بالسيارة طويلٌ وصعبٌ في كلا الاتجاهَين. وكانت الكاميرا تتيح له تسجيل المشاهد التي تحدث دونهن، حيث يتحوَّل اليومي إلى عرضٍ حقيقيٍّ سيُعرض عليهم خلال التجمُّعات العائليَّة، مع عرضٍ أوَّل يتضمن رسومًا متحرِّكةً اشتُريَت من السوق24؛ وكانت بالطبع تستخدمُ أيضًا لتصويرهن وتوثيق مراحل نموِّهن كي يتمكَّن من رؤيتهنَّ لاحقًا، مما يساعد على تقليص المسافة بينه وبينهن. وبهذا الشكل، وكما أشار لو غال (2010)، كان «اختصار الزمن إلى تسلسل الأجيال، دليلًا على أنه كان يُتحكم فيه إلى حد ما، رغم أن تسجيل تطور الكائنات على الفيلم كان يذكّر بشكل أساسي بأنها كانت تفلت من السيطرة». كذلك يذكرُ بلانشو (1969، ص 359) «الزمن اليومي يهرب. هذا هو تعريفه». تظهر في اللقطات المختلفة الزوجة والأطفال الأزواج والحفيدات، العائلة الممتدة والأصدقاء والجيران، وهم يبتسمون جميعًا باتجاه الكاميرا. هذا الزمن العائلي الذي فقده روبير بريسِّيه بشدَّة، رغم أنَّه وبداعي التواضع لم يعبِّر عن ذلك كثيرًا، يمكنه الآن تجميد سيره اليومي، من خلال تجسيد «عمليَّة التأقلم اليوميَّة [التي] تكمن في تدجين الكون المجهول لصالح خلق بيئة مألوفة» (بيغو، 2005، ص 15)، وهي مقاربة شبه فينومينولوجيَّة25 لأنَّ كلَّ بيئةٍ تحتوي على جزء من المجهول؛ وبهذا الشكل سيتولى من خلال هذه "اليوميات" المصورة بناء «هذا الحوار المستمر بين الماضي والحاضر الذي يظل يفلت في قلب الأسلوب السيرة الذاتية الذي يهدف [...] إلى بناء معنى مسار الذات» (بولان، 2018، ص 271)، وهو ما يجعل السينما وسيلةً مناسبةً للغاية لذلك.
ذلك أنّه «إذا كانت المُدركات الحسيّة الخالصة تُظهر موضوعًا حاضرًا، فإنّ الذكرى هي تمثيلٌ لموضوعٍ غائب» (برغسون، 1965، ص 161). يسمحُ النظام المُحاكي (régime mimétique) للفيلم بعد ذلك بتشويشِ الحدود بين الإدراك والذاكرة، بتحويل الغياب إلى حضور، عن طريق إلغاء الزمن والمكان من خلال إعادة تمثيل الإدراك، الذي سيُعيد تنشيطَ المشاعر التي حفَّزها هذا الإدراك. وهذه واحدة من الخصائص المميِّزة لهذا الوسيط: يشير بارتيليمي أمنغوال (1971، ص 13) إلى هذا «التناقض بين الحضور الغائب والغياب الحاضر، والمكان الآخر هنا والهنا في مكان آخر [...]، والماضي الحاضر والحاضر الذي أمسى ماضيًا» الخاص بالسينما. في الفيلم العائلي، يسهم تكرار النظرة إلى الكاميرا، على سبيل المثال، في هذا التأثير العملي بشكلٍ كبيرٍ من خلال إعادة خلق وهمِ التبادل الشخصيِّ بين الناظر والمشاهد.
الذاكرة، التاريخ، واليومي
يوضح برغسون (1965، ص 56) دور هذه الصورة من الذاكرة التي نقارنها بها قائلًا:
"من خلالها تصبح الاعترافات الذكيَّة، أو بالأحرى العقليَّة، ممكنة؛ ففيها نلجأ كلَّما عدنا إلى منحدر حياتنا الماضية للبحث عن صورة معينة".
إذًا نفهم بشكلٍ أفضل تأثيره كمحفِّزٍ لإعادة إحياء العواطف المرتبطة به عن بعد – كما يلاحظ أمنغوال (1971، ص 38) قائلًا: «لقطة الفيلم دائمًا في الحاضر». ليس من قبيل الصدفة أنَّ هنري برغسون الفيلسوف قد اختار كلمة «صورة» لتوضيح هذه العمليَّة، التي يمكن مقارنتها في السينما مع الخاصيَّة الرئيسيَّة لـ«التجربة الزمنيَّة للمشاهد»، وهي «تأثير التحديث الذي تولِّده الصورة المتحرِّكة» (بيير بَيْلو، 2005، ص 153). في هذا السياق يصبح اختيار موضوعٍ يتعلَّق باليومي للسينمائي أكثر منطقيَّة. يُلخص لو غال (2010) هذه اليوميات العائليَّة بأنَّها «مستودعٌ للذاكرة التي ساهمت، فيلمًا بعد فيلم، في صنعها»، مقارنًا الفيلم بـ«كتلةٍ من الزمن المخزن»، في حين تعتبر ناتالي توسينيان (2004) الفيلم على نحوٍ أوسع «مكانًا للذاكرة»، في نوعٍ من الاصطدام بين الزمن والمكان.
اختير «مكان الذاكرة» لروبير بريسِّيه، وهو مكانٌ حميميٌّ ولكنه يشارك مع ذلك سمات أماكن العديد من السينمائيين الهواة، من قبل مركز الصورة في 2010 ليكون مناسبًا للانضمام إلى الأرشيف الإقليمي نظرًا لـ«أهميته التاريخية26». تنص رسالة قبول الإيداع على أن «بعض الصور […] هي ذاكرة للزمن الماضي وبالتالي شهادة للأجيال القادمة»، مما يثبت الانتقال من الفيلم العائلي كذاكرةٍ خاصَّةٍ إلى التاريخ العام والاجتماعي، ممثلًا اليوم ديناميكيَّةً شاملةً فيما يتعلق بمعالجة هذه المصادر الأوليَّة (كارين إيشيزوكا وباتريسيا زيمرمان، 2008، xix؛ ص 4-5). بعد مرور عامين ونصف27 انتهت هذه الاختيارات التي مثَّلت الانتقال من الخاص إلى المشترك. تلا ذلك نشر 13 مقطوعة مختارة على الإنترنت في 15 أكتوبر 2010.
يشير مفهوم "التاريخي" بدقة إلى «ما حُفظ أو يستحق أن يُحفظ في التاريخ؛ أي ما هو بارز أو مهم» (TLFi 1994)، وهي صفة تبدو متناقضة ظاهريًا مع التفاهة التي تُنسب عادةً لأفلام العائلة. ومع ذلك يتيح توضيحٌ آخر من القاموس، «الذي يُشارك في التاريخ»، فهم هذا الاقتراب المتناقض بشكلٍ أفضل28. وهذا ما يوضحه الاقتباس المعروض الذي يستدعي ما قاله جان بول سارتر (1948، ص 40): «تحت ضغط التاريخ، تعلمنا أننا تاريخيون».
اكتشف روبير بريسِّيه ذلك بنفسه حين وجد نفسه محاصرًا بين حربين عالميتين، كما ذُكر سابقًا. لكن بفضل أفلامه العائليَّة عادت حياته «العادية» لتكتسب بُعدًا تاريخيًا، إذ يظهر بنفسه في هذه الأفلام وهو يمارس أنشطة الحياة اليومية، كالذهاب للصيد أو الرسم أو إزالة الثلوج أو المشاركة في الحصاد، دون أن يتردَّد في تسليم الكاميرا لأفراد عائلته، ليظهر هو أيضًا كمشاركٍ نشط ضمن المجموعة، وبهذه اللقطات البسيطة نجح في حفظ لحظاتٍ عابرة من الزمن. ورغم أن «الأفلام العائلية لم تُصنع لتكون وثائق تاريخيَّة» (أودان، 2004، ص 42)، فإن مرور خمسين عامًا على تصوير يوميات بريسَّيه أعاد تقييمها ومنحها قيمةً تاريخيَّة، تحديدًا بسبب بساطتها وتلقائيتها.
رغم أنَّ هذه المدة الزمنية وحدها لا تبرر تغيير الوضع بالكامل، فإنَّها تسهمُ بقوَّةٍ في إضفاء مكانةٍ جديدةٍ على هذه الأفلام، إذ يرى أمنغوال (1971، ص33) أنَّه بعد مرور «عشرين عامًا، وهي المدة التي يحدد بها المؤرخون مفهوم الجيل، يصبح الفيلم من الماضي ويتحوَّل إلى أرشيف»، كما أنَّ فكرة الجيل تستحضر تلقائيًا فكرة الأسرة. وتوضح كلير دولاهاي (2020، ص 5) أنَّ مفهوم الأرشيف مرتبطٌ بحتميَّة فنائنا البشري، وبالتالي يفترض ضمنيًّا فكرة الهشاشة والتدمير. على موقع Mémoire، يُستخدم مصطلح «أرشيف» بمعناه المادي الحِرَفي لوصف كلِّ بكرة فيلمٍ مودعة، لتقسيمِ أرشيف كلِّ مخرج. ومع ذلك فإنَّ البُعد الأرشيفي للفيلم الهاوي لم يُعترف به رسميًا بعد، كما أشار لو غال (2010)، إذ إنَّ هذا النوع من الأفلام لم يحظَ بعد بالاعتراف التاريخي الذي يمنح الشرعيَّة لبعض المصادر البصريَّة الأخرى. وتشير آنييس دولوفورج (2003) إلى أن هذه الأفلام «نادرًا ما تؤخذ في الاعتبار ضمن المؤسَّسات الأرشيفيَّة»، وإن كانت هذه الحالة في تغيُّر مستمر، خصوصًا مع تولي ريمي بايُّو، مدير قطاع التراث في Ciclic، منصبه وهو ذو خلفيَّةٍ متخصِّصةٍ في تاريخ السينما والأرشيف.
يشعر المشاهدون عند العرض العام لهذه الأفلام بأنهم يدخلون التاريخ، حيث ينغمسون في تفاصيل حياة يومية تجاوز عمرها الستين عامًا، حياةٌ تحتفظ بها ذاكرةٌ تُسجّل، كما يقول بيرغسون (1965، ص56): «كل أحداث حياتنا اليومية على شكل صور ذكريات، دون إهمال أي تفصيل، مع منح كل حدث وكل حركة مكانها وتاريخها». على سبيل المثال، عرض السيارات العائلية القديمة مثل Citroën Ami 6، Renault Dauphine، Simca Ariane، Simca Aronde أو Renault Caravelle في فيلم «نزهة عائلية في بوي ماري» (Excursion familiale au Puy Mary - 1962) ، يُعيد المشاهدين إلى عالم السيارات المنقرض اليوم، تمامًا كما تفعل ملابس المارة في فيلم «ثلج في سان دولشار». هنا تؤدي السيارات والملابس دور علامات «خارج سينمائيَّة» (فانوا، 1989، ص34) تساعد ضمنيًا في تأريخ هذه الأفلام وإضفاء معنى تاريخي عليها.
يصبح الفيلم العائلي بذلك كاشفًا تاريخيًا واجتماعيًا في آن واحد، وهو ما يؤكده فونغ (2008، ص29؛ ص40). فمثلاً، لعبة الكروكيه التي صوّرها روبير بريسِّيه في فيلم «في الحديقة» تُشير إلى نشاط ترفيهي بات اليوم مهجورًا، كما أن تصويره لصيد السمك والحصاد وعملية قطف العنب عام 1960 يُظهر ضواحي مدينة بورج في فترة كانت فيها الحياة الريفية لا تزال قائمة قبل أن تمحوها المدينة، مُبرزةً نمط حياة مختلفًا تمامًا عن حياة مُشاهد عام 2020. وتعكس تعليقات المشاهدين على فيلم «تور» (Tours - 1965) هذه المسافة الزمنية: «صور بنِّية لمدينة تور، ذكريات شباب... والكثير من الحنين29». كما أن تحوُّل الألوان كيميائيًا، والذي نناقشه في الجزء الثالث، يؤكد ماديًا مرور الزمن، ويصبح علامة ملموسة لتقنية تصوير قديمة، بقدر ما يعكسه موضوع الفيلم وأسلوب تصويره البسيط.
وأخيرًا فإنّ العناوين المختارة لهذه المقاطع، والتي تركز على الوظيفة المرجعية30 (فانوا، 1989، ص 14)، تقوم باقتطاع أجزاء من الحياة اليومية الخاصة لتُدمجها ضمن سياقٍ عام، ما يجعلها شبيهة بمصطلحات الفهرسة، مثل تلك المستخدمة في قاعدة البيانات الوثائقية Diaz التي يعتمدها مركز Ciclic، والتي طوَّرها أصلًا الأرشيف السينمائي في بروتانيا. تُسهم هذه العناصر مجتمعة في تحويل الأفلام العائلية الهاوية إلى وثائق تاريخية (ولذلك يحمل موقع Mémoire عنوانًا فرعيًا: «الصور الأرشيفية في منطقة سنتر فال دو لوار»)، ما يولّد بطبيعة الحال لدى الجمهور المعاصر شعورًا بالمسافة التاريخية تجاه هذه المواد المصوّرة.
ومع ذلك، فإن هذه العناوين تقود الأفلام أيضًا، بصورة متكررة، نحو خصوصية أخرى، هي خصوصية المشاهد الجديد، الذي تستدعي هذه الأفلام ذاكرته وتدفعه للتماهي معها، لتصبح «نتاجًا للتاريخ الجماعي، متجاوزةً لكل فرد لأنها كامنة في الجميع» (بييربورديو، 1998، ص 446). وتشير بنديكت دومينيه (2013)، مديرة سينما أبولو المنظمة لمهرجان «العودة إلى المستقبل»، إلى مدى «قرب هذه 31الصور القديمة منا، بفضل صداها الحميم، فهي في آنٍ واحدٍ أزلية ومعاصرة، وتحمل ذات القوة والعاطفة التي كانت لها في أول يوم». وتعكس هذه الاستجابة بوضوح تجسيدَ «وظيفة التوثيق الواقعي» التي تتولاها الصورة السينمائية عند تلقيها (فانوا، 1989، ص 100) من خلال قدرتها على المحاكاة.تتم هذه العمليّة فقط بفضل عرض الفيلم وانتشاره وتشكيله حيّزًا، إذ يؤدّي تغيّر وجهة الاستخدام خلال المشاهدة إلى إعادة استحواذ كلّ مشاهد ومشاهدة على اليوميّ. ننتقل هكذا من تجربة شخصيّة إلى تجربة مشتركة؛ لأنّ «السينما، بمجرّد تمثيلها للواقع المشترك، تصوغُ بالفعل جماعةً وتُثير حالة توافق 32مع العالم» (أمنغوال، 1971، ص 111). ويعمل اليوميّ الذي يشير إليه كل مشاهد، أو بالأحرى كلّ مشاهدة، بصورة غير مباشرة، كنصّ فرعي (sous-texte) ليوميّة روبير بريسّيه، مولِّدًا بذلك نصًا ذا طبقات تراكميّة من الذاكرة (palimpseste mémoriel). من هنا يثير فيلم «صيد السمك في بورج» (1960) التعليق التالي على الإنترنت: «العلاقة مع الآخر - الإحساس الجماعي؛ التعبير الفني الراقي عن 33الجماعة»، ممّا يُظهر بوضوح الاندماج الشعوري للمشاهد فيما يُعرض عليه على الشاشة. لدينا هنا مثالٌ على مفهوم سينمائي خاص هو وجهة النظر (point de vue) على المستويين الحسّي والفكري، والتي يلاحظ بيلو (2005، ص 180) أنّها «لا تحدّد مكانًا ثابتًا للمشاهد، بل تتيح له القيام برحلة تأويليّة»، وبالتالي تسمح له بعملية التحديث بمعنيي الكلمة (actualisation)، أي جعل الصور المعروضة عليه 34حيّة وذات معنى في اللحظة الراهنة. حتى في هذه التجربة التأويليّة، ستقود الأفلام ذات الطابع السياحيّ، مثل تلك الرحلات إلى شينونسو (1965)، إلى تور (1965)، إلى أوفيرني (1962)26 أو إلى البيرينيه (1970)27، إلى المقارنة بين ماضي هذه المواقع وحاضرها ولو ضمنيًا.
اليومي، «واقع» مُتخيَّل؟
يشير باسكال جينو (2003) إلى أهميَّة عمليَّة نشر هذه الصور غير الاحترافية بقوله: «ما هو على المحكّ في مستقبل الأرشيفات السينمائيَّة يتجاوز مصير هذه الصور ليصل إلى مسألة نقل إرث ثقافي». ما هو مألوفٌ واعتيادي، أي ما ينتمي إلى الحياة اليوميَّة، يشكِّل أمرًا مألوفًا بالقدر ذاته للمتلقِّي ومنتِج اللقطات الأصليَّة، غير أنّ الحاضر المصوَّر في الفيلم قد تحوَّل بالنسبة للأول إلى شهادة على الماضي، وهنا تكتسب كلمة «إرث» المذكورة أعلاه أهميَّة خاصَّة. ومن هذا المنطلق، أصبح المتخصِّصون يتحدَّثون اليوم عمَّا يُعرف بـ«أثر أفلام العائلة»، وهو تأثيرٌ بات يُوظَّف في السينما الروائيَّة أو الإعلانات، ليُضفي شرعيَّةً وقيمةً على بساطة الحياة اليوميَّة الظاهرة. كما تُسهم علامات تدهور الدعامة الماديَّة (كالخدوش، والضبابية، وتقطّع الصورة)، سواء كانت حقيقيَّة أم محاكات مصطنعة، في تعزيز هذا الإحساس بالأصالة، إلى حدٍّ جعل بعض صانعي الأفلام الهواة في أيامنا هذه يُعيدون اختراع آثار التقادم هذه في أفلامهم العائليَّة عبر مؤثِّرات الفيديو أو برامج المونتاج (سابيو، 2014، ص. 40).
إنَّ مسألة العلاقة مع هذا اليومي «الواقعي» وحدوده مع الخيالي قابلةٌ للنقاش ويمكن حتى نفيها بشكلٍ جذري: «الـواقع الذي نقيس به جميع الخيالات ليس سوى المرجع المضمون عالميًا لأوهامٍ جماعيَّة»، كما كتب بيير بورديو (1998، ص 36)، الذي يفضِّل عندئذٍ الإشارة إلى «تأثير الإيمان (بدلًا من الواقع)» (ص 68). وبالتالي هذا ما تلاحظه بولان (2018، ص 270) بشأن السرد السيَري الذاتي: «يهربُ سرد الذات، أيًا كان، من إشكاليَّة الحقيقة والكذب» (نحن نؤكِّد).
تُحدَّدُ القيمة المعطاة للفيلم إذًا في لحظة الاستقبال. وعلى نحوٍ جيِّدٍ أظهر أودان (2004)، متحدثًا عن «إخلاء مسألة الحقيقة»، بسبب التأثير العاطفي الكبير الذي يعمل في الفيلم العائلي، كيف أنَّ أنواع المشاهدة المختلفة تتحدَّد بآفاق الانتظار لدى المتلقِّي، ممَّا يؤدي إما إلى إنشاء الفيلم كوثيقةٍ أو عدمه: «من بين جميع هذه القراءات، من الواضح أن أحد أهم اهتمامات استخدام الفيلم العائلي كوثيقة يكمن في قدرته على عرض مشاهد يوميَّة». كما يقدِّم فونغ (2008، ص 39) نفس الملاحظة: «في تسجيلهم للحيوات الخاصة والآراء الخاصة حول العام، تعدُّ الأفلام العائليَّة وثائق لا تقدَّر بثمنٍ لتجربة الحياة اليوميَّة المعيشيَّة». من الناحية التقنيَّة، تقدِّرُ دولاهاي (2020، ص 10) أنَّ الإيداع في الأرشيف يؤدي حتمًا إلى «إعادة بناء الوثيقة»، بغضِّ النظر عن طبيعتها.
في الحالة التي تعنينا، يؤدِّي تغيُّر المتلقِّي إلى منح الحياة اليوميَّة المصوَّرة قيمةً جديدةً تتمثَّل في قدرتها على أداء وظيفةٍ تمثيليَّةٍ أو توضيحيَّة (أودان، 2004). وهذا ما يفسِّر العلاقة الفريدة التي تنشأ مع الجمهور الذي يكتشف هذه الصور بعد مرور عقودٍ من الزمن. وتستخدم توسينيان (2004) مفهومًا قريبًا هو مفهوم «الشهادة» أو «التوثيق» حين تكتب: «بمجرَّد أن نعيد الفيلم العائلي إلى سياقه، يغدو شاهدًا مميَّزًا على التاريخ اليومي للمجتمعات».
إنَّ المنظور، بمعنييه الفيزيائي والفكري معًا، هو ما ينتزع اليومي من بيئته الأصليَّة ليضعه ضمن طابعٍ عامٍّ وشامل. يساهم البناء الزمني الخطيّ والتسلسلي للفيلم، بما أنَّه يخلو من التوليفات السرديَّة أو تقنيَّات المونتاج التي تميِّز عادةً السينما الاحترافيَّة، في دعم هذه الديناميَّة: «[إنَّ] التشابه بين تدفُّق السيل السمعي البصري وانسياب الزمن الإنساني يمكن أن يفسِّر جزئيًّا قوَّته الإيهاميَّة أو قدرته على الاستحواذ» (بَيلو، 2005، ص 161). وبالمثل، فإنَّ غياب الصوت في أفلام روبير بريسَّيه الصامتة يُتيح للمُشاهد الانخراط فيها بسهولةٍ أكبر.
لا تزال طقوس اجتماعية أخرى، أقلّ يوميّة وأشدّ استثنائية (والتي صُوّرت بوصفها أحداثًا خارجة عن المألوف)، حاضرةً إلى اليوم، وهي تقترب أكثر من منطق التقرير المصوَّر: مثل سباقات الخيول (1965)38 40والعروض (1970)39 أو مرور سباق تور دو فرانس (1962)، على سبيل المثال. غير أنّ إدراجها ضمن التاريخ، بالمعنى الذي يقصده ريكور — «كخبر يُنسَب إلى هذا الجانب أو ذاك من الواقع الإنساني» (1975، ص. 94) — إنما ينبع من تكرارها السنوي؛ إذ إنّ الدورية المتسلسلة تتيح قياس الزمن المنقضي، وتُفعِّل أحيانًا تفاعلًا تذكُّريًا من خلال ما يُعرف بـ«الذاكرة الهُويَّاتيَّة» (بَيلو، 2005، ص 155). وفي 41حالة الفيلم الذي صُوِّر عن تور دو فرانس، يُساهم المستخدمون مثلًا في تزويدنا باسم حامل القميص الأصفر، ومسار المرحلة، وعلامات السيارات المرافقة، أو قائمة الرعاة الإعلانيين. هذا الانخراط من جانب المشاهدين يولِّد شكلًا من المشاهدة النشطة، في دينامية تُعزِّز شعور التماهي وتقاسم اليومي في بُعدٍ زمنيٍّ ممتد. وهكذا تتحوَّل هذه الذاكرة المشتركة إلى ذاكرةٍ حيَّة، بالمعنى الذي يقصده برغسون (1965، ص 57):
"إنَّ هذا الوعي بماضٍ كامل من الجهود المختزنة في الحاضر يُعدُّ هو الآخر شكلًا من أشكال الذاكرة، لكنَّه يختلف جوهريًّا عن الذاكرة الأولى: فهو دائم التوجُّه نحو الفعل، متجذّر في الحاضر ولا ينظر إلا إلى المستقبل. […] والواقع أنَّه لم يعُد يُمثِّل لنا ماضينا، بل يُجسِّده، وإذا كان ما يزال يستحقّ اسم "ذاكرة"، فليس لأنَّه يحتفظ بصورٍ قديمة، بل لأنَّه يمدِّد أثرها النافع حتى اللحظة الحاضرة".
في الحالة التي تعنينا، تتجسَّد هذه الذاكرة أيضًا بالنسبة للوَرثة، في سبتمبر 2010، من خلال تزويد مركز الصورة لهم، على سبيل التبرُّع، بقرص DVD مدَّته ساعة وست وأربعون دقيقة، بعنوان أفلام روبير بريسِّيه، وهو نسخةٌ رقميَّةٌ من جميع البكرات التي سلِّمَت أثناء عمليَّة الجمع. يمنح هذا الوسيط الجديد حياةً متجدِّدة لهذه الأشرطة التي باتت قابلةً للمشاهدة دون الحاجة إلى أجهزة عرضٍ قديمةٍ ومهترئة. كما يُدرِج الـDVD هذه الأفلام ضمن الزمن المعاصر للمُشاهِد الحالي، ويسهِّل عمليَّة التذكُّر عبر مقاطع مؤرَّخة، معنونة، ولو بشكلٍ تقريبي (يَرد عنوان "فيلم عائلي" ستَّ مرَّاتٍ من أصل تسعة)، مع الإشارة إلى مدَّة كلٍّ منها على الغلاف، إضافةً إلى رقم أرشفتها لدى الوكالة الإقليميَّة. ويحمل القرص نفسه اسم «أرشيف روبير بريسيه»، وأرقام الأفلام، والتنبيه القانوني التالي: «جميع الحقوق محفوظة – هذا التسجيل المصوَّر مخصَّصٌ حصريًا للاستنساخ الشخصي والمجاني ضمن نطاق العائلة، ما لم يُنَص على خلاف ذلك في عقد».
منذ ذلك الحين، اكتسبت هذه الأفلام وجودًا ماديًا جديدًا يُسهم في ديمومتها، كما نالت وجودًا قانونيًا يُكرّس الاعتراف الرسمي بهذا التراث العائلي، ويُثبت كذلك الحق الأدبي لمُبدعها، جامعًا بين كونها تراثًا ماديًا ولا مادي في آنٍ معًا. وبناءً عليه، خضعت هذه الأفلام في نهاية أغسطس 2010 لعقد إيداع يُحدّد شروط حفظها، كما وُقِّع عقد آخر يتضمّن التنازل المجاني عن حقوق الاستنساخ، والاقتباس، والعرض42، وذلك ضمن إطارٍ قانونيٍّ رسميٍّ موثَّق بجردٍ يُثبت تسليم البكرات. وقد جاءت الهويَّة الوثائقيَّة التي أعدَّتها الوكالة، بمساهمة العائلة التي شاركت في جلسَتَي مشاهدة داخل مقرِّ مركز الصورة لتحديد المشاهد المصوَّرة ووصفها تفصيلًا وسياقيًا، تمهيدًا لإعداد الجرد، مصحوبةً بحكم الأمر الواقع بهويَّة قانونيَّة.
وعليه، فإنّ هذا التمازج بين الذاكرة الفردية والجماعية يتحقّق أيضًا بشكلٍ ماديّ (إذ يرى أودان [2019، ص. 88-89] أن الفيلم العائلي قد "غيَّر طبيعته" مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، إذ "أصبح وثيقة"). من البديهي أن العائلة، حتى وإن كانت نواة صغيرة، تُعدُّ في حدّ ذاتها جماعة، غير أنَّ قرص الـDVD يُجسِّد البعد الخاصَّ للذاكرة، حيث يُشاهد الفيلم مرفوقًا بشحنةٍ وجدانيَّةٍ حميمةٍ ترتبط بذكرى لحظة التصوير أو بالعلاقة الشخصيَّة مع المخرج أو الأشخاص الظاهرين على الشاشة. أما زائر «قناة الذاكرة»، فسيُدرجه في سرديَّة أخرى، سواء كانت سرديَّةً كبرى أو سرديَّته الشخصيَّة، داخل بُنيةٍ سمعيَّةٍ بصريَّةٍ جديدةٍ ناتجة عن قابليته لأن يُعتبر «عملًا مفتوحًا» (إمبرتو إيكو، 1965، ص. 312). وفي كلتا الحالتين، وفي ظلِّ هذه الجدليَّة التي ترى في اليوميِّ نوعًا من «الصراع في صلب الوجود بين النشوة والثبات» (بيغو، 2005، ص 465)، يقوم كل فرد، بطريقته الخاصة، بتحويل تلك «اللحظات العاديّة» إلى «لحظات مميَّزة»، على حدِّ تعبير دولوز (1983، ص 13-14) حول الصورة-الحركة في السينما. كلُّ فردٍ يرى، على غرار عالم الاجتماع، كيف يمكن للـ«عادي» أن يُستدعى بوصفه «استثنائيًا» (بوردييه، 1996، ص 19). ويُخضِع كلُّ فردٍ اليوميَّ لعمليَّة استحضارٍ ذاتيَّة بامتياز، تُذكِّر بأنَّ «استحضار الماضي في صورةٍ ما يتطلَّب القدرة على التجرُّد من الفعل الراهن، وعلى إضفاء قيمةٍ على ما هو غير نافع، وعلى الرغبة في الحلم» (برغسون، 1965، ص 57)، والتجرُّد، على نحوٍ متناقض، من اليوميِّ ذاته من خلال الارتقاء به.

******
المصادر والمراجع
Amengual 1971 : Barthélémy Amengual, Clefs pour le cinéma, Paris, Seghers, 1971.
Anonyme 2018 : Anonyme, « Rémy Pailloux (sic) prend les rênes à Ciclic », Nouvelle République du Centre-Ouest (La), éd. Indre, 20 septembre 2018, p. 21.
Bégout 2005 : Bruce Bégout, La découverte du quotidien, Paris, Allia, 2005.
Bergson 1965 : Henri Bergson, Matière et mémoire. Essai sur la relation du corps à l’esprit [1939], Paris, Presses universitaires de France, 1965.
Beylot 2005 : Pierre Beylot, Le récit audiovisuel, Paris, Armand Colin, 2005.
Blanchot 1969 : Maurice Blanchot, « La parole quotidienne », L’entretien infini, Paris, Gallimard, 1969, p. 355-366.
Bossion 2004 : Claude Bossion, « 6 questions à Roger Odin », Cinémémoire, Marseille, 11 mai 2004, consulté le 23 novembre 2020, <https://cinememoire.net/index.php/interview-roger-odin>.
Bourdieu 1996 : Pierre Bourdieu, Sur la télévision, Paris, Liber-Raisons d’agir, 1996.
Bourdieu 1998 : Pierre Bourdieu, Les règles de l’art [1992], Paris, Seuil, 1998.
Brisset 2007 : André Brisset, Ce que je sais de mes aïeux, Bourges, s.é., 2007.
Brisset 2010 : Robert Brisset, Les films de Robert Brisset, Saint-Doulchard, 1958-1972. DVD, Centre-Images, Issoudun, 2010. Extraits en ligne, 2010 : <https://memoire.ciclic.fr/recherche/docs#miniature>.
Brisset 2018 : Frédérique Brisset, « Spectature », Crem-Université de Lorraine, 2018, consulté le 23 juillet 2020, <http://publictionnaire.huma-num.fr/notice/spectature/>.
Burch 1986 : Noël Burch, Une praxis du cinéma, Paris, Gallimard, 1986.
Camus 1942 : Albert Camus, Le mythe de Sisyphe, Paris, Gallimard, 1942.
Ciclic 2020 : Ciclic, Mémoire. Les images d’archives en Centre-Val de Loire, Château-Renault, consulté le 5 décembre 2020, <https://memoire.ciclic.fr/>.
Delahaye 2020 : Claire Delahaye, « L’archive et le politique : enjeux et perspectives », Revue Française d’Études Américaines, n° 162, 2020, p. 3-19.
Deleforge 2003 : Agnès Deleforge, « La Mémoire de Haute-Normandie : “ Le film d’amateur ou filmer pour le plaisir ” », 1895. Mille huit cent quatre-vingt-quinze, n° 41, 2003, consulté le 24 octobre 2020, <https://doi.org/10.4000/1895.593>.
Deleuze 1983 : Gilles Deleuze, Cinéma 1. L’image-mouvement, Paris, Seuil, 1983.
Eco 1965 : Umberto Eco, L’œuvre ouverte [1962], Paris, Seuil, 1965.
Esquenazi 2017 : Jean-Pierre Esquenazi, L’analyse de film avec Deleuze, Paris, CNRS, 2017.
Fung 2008 : Richard Fung, « Remaking Home Movies », dans Ishizuka et Zimmermann, 2008, p. 29-40.
Génot 2003 : Pascal Génot, « Cinémathèques régionales et études cinématographiques : quelles relations pour quels apports ? », 1895. Mille huit cent quatre-vingt-quinze, n° 41, 2003, consulté le 24 octobre 2020, <https://doi.org/10.4000/1895.713>.
Huet 2012 : André Huet, « Le cinéma amateur », dans Albert Mingelgrün et Béatrice Barbalato (dir.), Télémaque, Louvain-la Neuve, Presses universitaires de Louvain, 2012, p. 171-180, consulté le 23 novembre 2020, <https://books.openedition.org/pucl/3332?lang=fr>.
Ishizuka et Zimmermann 2008 : Karen L. Ishizuka et Patricia R. Zimmermann (dir.), Mining the Home Movie. Excavations in Histories and Memories, Berkeley, University of California Press, 2008.
Khouri 2005 : Cyril Khouri, « La conservation et la valorisation des films », Dossier de communication, CNAM, Aix-en-Provence, 2005, consulté le 2 octobre 2020, https://docplayer.fr/18745740-La-conservation-et-la-valorisation-des-films.html
Le Gall 2010 : Laurent Le Gall, « Le temps recomposé. Films amateurs et sociétés littorales dans la Bretagne des années 1920 et 1930 », Annales de Bretagne et des Pays de l’Ouest, vol. 117, n° 3, 2010, p. 127-145, consulté le 24 octobre 2020, <https://doi.org/10.4000/abpo.1828>.
Nedelec 2003 : Yves-Henri Nedelec, « Archive professionnelle et archive amateur : quel statut juridique ? », 1895. Mille huit cent quatre-vingt-quinze, n° 41, 2003, consulté le 24 octobre 2020, <https://journals.openedition.org/1895/543>.
Odin 1999 : Roger Odin, « La question de l’amateur dans trois espaces de réalisation et de diffusion », Communications, n° 68, 1999, p. 47-89, consulté le 24 octobre 2020, <https://www.persee.fr/doc/comm_0588-8018_1999_num_68_1_2030>.
Odin 2004 : Roger Odin, « Les films de famille : de “ merveilleux documents ” ? Approche sémio-pragmatique », dans Tousignant, 2004, p. 41-53.
Odin 2017 : Roger Odin, « De quelques formes de créativité dans le cinéma amateur », dans Olivier Leclerc (dir.), Savants, artistes, citoyens : tous créateurs ?, Québec, Science et bien commun, 2017, consulté le 23 juillet 2020, <https://scienceetbiencommun.pressbooks.pub/touscreateurs/chapter/de-quelques-formes-de-creativite-dans-le-cinema-amateur-2/>.
Odin 2019 : Roger Odin, « Les films de famille : histoire, enjeux et croisements avec la création cinématographique », dans Cinéma 93, Journées professionnelles 2019, édition 7. Restitution, Pantin, 2019, p. 83-89.
Paulin 2018 : Catherine Paulin, « L’écriture de soi : genres discursifs, mode discursif ? » dans Sandrine Sorlin (éd.), Études de Stylistique Anglaise, n° 12, Lyon, Presses de l’Université de Lyon 3, 2018, p. 269-289.
Raymond 2020 : Marie-Claire Raymond, « À Issoudun, l’agence Ciclic sauve les films amateurs », Le Berry Républicain, 4 octobre 2020, consulté le 5 octobre 2020, <https://www.leberry.fr/bourges-18000/loisirs/a-issoudun-l-agence-ciclic-sauve-les-films-amateurs_13847401>.
Ricœur 1975 : Paul Ricœur, « Le “lieu” de la dialectique », dans Charles Perelman (ed), Dialectics, La Haye, Nijhoff, 1975, p. 92-108.
Sapio 2014 : Giuseppina Sapio, « Homesick for Aged Home Movies: Why Do We Shoot Contemporary Family Videos in Old-Fashioned Ways? », dans Katharina Niemeyer (ed.), Media and Nostalgia, Yearning for the Past, Present and Future, Londres, Palgrave Macmillan, 2014, p. 39-50.
Sapio 2016 : Giuseppina Sapio, « La pratique des home movies en France de 1960 à aujourd’hui », Les Enjeux de l’information et de la communication, 17/1, 2016, p. 51-61, consulté le 24 octobre 2020, <https://doi.org/10.3917/enic.020.0051>.
Sapio 2017 : Giuseppina Sapio, « Le film de famille. Représentations collectives, mise en récit et subjectivation », Politiques de communication, 2017, 1, n° 8, p. 27-48, consulté le 23 novembre 2020, <https://doi.org/10.3917/pdc.008.0027>.
Sartre 1948 : Jean-Paul Sartre, Situations II, Paris, Gallimard, 1948.
TLFi 1994 : Trésor de la Langue Française informatisé (TLFi), ATILF-CNRS et Université de Lorraine, 1994, consulté le 9 novembre 2020, <atilf.atilf.fr/tlf.htm>.
Tousignant 2004 : Nathalie Tousignant, « Le film de famille, cadre structurant et lieu de mémoire », Le film de famille, Bruxelles, Presses de l’Université Saint-Louis, 2004, p. 179-192, consulté le 23 novembre 2020, <https://books.openedition.org/pusl/10964?lang=fr>.
Unesco 1980 : Unesco, Recommandation pour la sauvegarde et la conservation des images en mouvement, Belgrade, 1980, consulté le 23 juillet 2020, <portal.unesco.org/fr/ev.php-URL_ID=13139&URL_DO=DO_TOPIC&URL_SECTION=201.html>.
Unesco 2003 : Unesco, Convention pour la sauvegarde du patrimoine culturel immatériel, art. 2, Paris, 2003, consulté le 23 juillet 2020, <https://ich.unesco.org/fr/convention#art2>.
Vanoye 1989 : Francis Vanoye, Récit écrit, récit filmique, Paris, Nathan, 1989.
Vanoye, Frey et Leté 1998 : Francis Vanoye, Francis Frey et Anne Leté, Le cinéma, Paris, Nathan, 1998.
Vignaux 2003 : Valérie Vignaux, « Des archives et de l’historien ou comment “ chaque époque rêve la suivante ” », 1895. Mille huit cent quatre-vingt-quinze, 41, 2003, consulté le 24 octobre 2020, <https://journals.openedition.org/1895/2223>.
Zimmermann 2008 : Patricia R. Zimmermann, « The Home Movie Movement: Excavations, Artifacts, Minings », dans Ishizuka et Zimmermann, 2008, p. 1-28.



