«آخر المعجزات»: بطل مأزوم في ثوب الشيخ الوليّ

February 15, 2026

تُكرِّس فكرة "المعجزة" في كثير من الحكايات  والأساطير حدثًا يهبط من أعلى، أما في الفيلم المصري القصير «آخر المعجزات»  للمخرج الشاب عبدالوهاب شوقي، فإن المعجزة تبدأ من مكان آخر، من رغبة بشرية في العثور على علامة فارقة والاحتماء تحت مظلةِ مزاجٍ جماعي.

هكذا يلتقط الفيلم -الذي نُفّذ برعاية إنتاجية متعددة، وعُرض لأول مرة في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة من نوفمبر الماضي- خيطًا "محفوظيًا"1 معروفًا، على اعتبار أن حكايةَ الفيلم تعود إلى قصة «المعجزة»، ضمن مجموعة قصصية كتبها الروائي نجيب محفوظ في نهاية الستينيات بعنوان «خمارة القط الأسود». تبدأ الحكاية مع الصحفي "يحيى"، يقوم بدوره الممثل خالد كمال، الذي كان يقضي ليلته في إحدى الخمارات، يحتسي الخمر، متأملًا في الوجوه والكؤوس، ولكي يرفِّه عن وحدته  يسأل النادلَ عن اسمٍ غريبٍ اخترعه للتو، فينفي النادلُ معرفته بصاحب الاسم.
يتلقَّى يحيى بعدها مكالمةً هاتفيةً غامضة من شخص يحمل نفس الاسم الذي اخترعه من نسج خياله، ويعرب صاحب الاسم المركّب عن رغبته في لقاء يحيي. تدور الأسئلة برأس اﻷخير بعد إنهاء المكالمة كما تدور الكؤوس على الطاولة، «كيف لاسمٍ مُركّب في غاية الغرابة اخترعته للتو أن يصبح بشرًا من لحم ودم، ويطلبني أنا بالتحديد؟، إنها رسالة سماوية أو معجزة ربانية، أو أني صاحب موهبة روحانية فذة، وحان وقت استثمارها».

يذهب الفيلم بعد هذا المشهد إلى سرد عوالمَ مختلفة عن المتعة، بعيدًا عن تعريفها النمطي، المتعة كجزء من ماكينة خلق الوهم. يستمتع الناس باللعبة، ويستمتعون بارتباك يحيى، الذي يستمتع بدوره بإمكانية أن تكون المعجزة حقيقية. وربما يتباهى بمفارقة نشأتها، وأن موهبته الروحانية الخارقة ظهرت في لحظة سكرٍ داخل حانة. 

وعند هذه النقطة، تتجلّى الحساسية الأخلاقية في الفيلم، وهو الأمر الذي كانت له تبعات، وأثارَ زوابعَ إثر منع عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي قبل عامين. ولن نتوقف هنا عند هذه المسألة، لاسيما بعد تجاوز الالتباس وإتاحة العرض مؤخرًا، إذ تبين لاحقًا أن الفيلم لا يتجاوز أي ثوابت بقدر ما يسلط الضوء على محاولات دفع المجتمع إلى تحويل الضَلال إلى مشروع اعتقاد، ليترك صاحب الضَلال وحده أمام تبعات هذه الصورة.

وبالعودة إلى خلفية المخرج عبدالوهاب شوقي، فهو شابٌ طموحٌ قادم من خارج المدينة إلى العاصمة، مركز صناعة السينما، وقد عمل مساعدًا للإخراج مع عدد من المخرجين أهمهم: أمجد أبو العلا ويسري نصر الله.  يحمل عبدالوهاب حسًّا فنيًا مختلفًا ورهافة شديدة في التقاط وجوه الناس وميولهم وآرائهم ولغتهم اليومية. تظهر لغته السينمائية الأولى كعملية بحث عن نبرة خفية في حياة عادية. 

يتقاطع هذا النوع من الحسّ مع ما يُعرف عنه من ميل إلى الروحانيات في أسلوب العيش. روحانيات تُرى في الهدوء والانطواء والخجل والتأمل، ولذا فإن اختياره لنصٍ يعود للأديب نجيب محفوظ في تجربته الإخراجية الأولى يبدو متسقًا مع أسلوبه في الحياة. حيث يقدّم محفوظ مادةً بشريةً مشحونة، يبرع المخرج في منحها عينًا تلتقط الترددات الصغيرة، محوّلًا إياها إلى مشاهدَ شحيحة بالحوار، غنية بالكثافة اللونية. وقد اعتمد فيها على إيقاع بصري يبيّن قلقَ الضوء وحيوية الحيز، إذ يعيد سطحُ الطاولة المتلالئ، ولقطاتُ السينوغرافيا الغارقة في الأحمر، روحَ الخمارة المحفوظية، والمكانَ الذي يتجول فيه البشر بحثًا عن لحظة تحليق في عالم موازٍ، بينما تحاصرهم طبقات من الدخان والذكريات والأمنيات الضائعة.

في هذا السياق، يجعل عبدالوهاب الأدبَ نقطةَ انطلاق محورية في تأسيسه البكر لصورة سينمائية ممتدة، ويولي في عمله هنا -بوصفه تجربة أولى- اهتمامًا بالبطل الفرداني المأزوم في كينونته والتباسه مع محيطه، لتغدو التجربة أقرب إلى استئنافِ حوارٍ قديم في الأفلام المصرية بين الحارة وحاناتها ودراويشها.

لغز المرأة العابرة

دخل يحيى إذن إلى عالمٍ صوفيٍّ جديد، وهو يعي أن الطريقَ الذي فُتح أمامه سيطهّره، وسيقطع عليه كل الطرق النزقة التي عرفها سابقًا، وسيرفع من وجاهته وروحانيته، وسينشر بركته على البسطاء. متجاهًلا رفضَ زوجته لتحوّله الغريب والمفاجئ، يمضي يحيى وقته مرتديًا حُلّة الشيخ. تشتبك رغبته في الارتقاء مع سطوة المحيط، في ظلّ استقطابات تتأرجح سلبًا وإيجابًا، ويجعله إدراكه المتزايد، يومًا بعد يوم، لميل المجتمع نحو صناعة "وليّ" أكثرَ تشبّثًا بمكانته الراهنة.

في مشهد مبتكر غير موجود في نص القصة الأصلية، تدخل صومعة الشيخ سيدة ريفية حسناء، قامت بدورها غادة عادل في ظهور خاص، وتبدو على بطنها علامات حمل متقدم، فتفتح حديثًا مع الشيخ وتقول له بطمأنينة حانية وإغواء حذر أنها رأته في المنام. 

تُستخدم المنامات في الثقافة الشعبية كحجة وكجسر وطريقة لتثبيت الاعتقاد في قلب شخص آخر. خاصة عندما تخبره أنها ستسمّي طفلها القادم على اسمه، عندها يصبح الاسم وعدًا ممتدًا في الزمن، مثل الولاية حين تُشرع الوراثة، ويصبح اسم يحيى رمزية صوفية في المستقبل حسب معتقداتها.

في حركة خفية، أثناء حديثها، تنقش على الجدار (1+1=1) ثم تختفي. تعود بنا هذه المعادلة الغامضة إلى سؤال أحد الشيوخ المتمرسين والمشككين في طريق يحيى الجديد، حيث طرح عليه نفس المسألة الحسابية دون أن يمنحه إجابة نهائية واضحة.

قد تشير هذه المعادلة في الفضاء الصوفي إلى الاتحاد الذي يذيب الحدود، أو ربما تحمل دلالة إضافية وهي تحويل الإنسان إلى فكرة واحدة متماسكة، إلى صورة مستقرة. هذا الإقرار يغري يحيى؛ لأنه يمنحه ما يشبه الاعتراف الخارجي. وفي الوقت نفسه يرفع سقف توقعاته إلى أعلى مستوى، إذ يمكن محو أثر الكلام، أما اﻷثر في هذا المشهد، فهو بمثابة مطالبة لصاحب الشأن أن يكون مطابقًا له.

مقاربات الشخصيات المحفوظية 

في أوج ذروة الفيلم، تظهر معالجة عبدالوهاب شوقي في تأصيل جوهر الشخصيات المحفوظية بطريقة شاعرية خالصة، التقطها المخرج بحساسية بصرية خاصة. فكثير من الشخصيات المحفوظية -نسبة إلى نجيب محفوظ- التي خضعت لمعالجات سينمائية سابقة تتحرك داخل ارتباكها ويأسها وعدميّتها، ثم تنكشف تدريجيًا وصولًا إلى لحظة التصدع، وهي نفس الشخصيات التي تستدرجها الأقدار إلى موقع أكبر من احتمالها بعد الهزائم والانكسارات، ثم تُترك لمواجهة نتائج الاستدراج.

في هذا الفيلم تتقاطع شخصية يحيى بمقاربات عديدة من عوالم نجيب محفوظ -على سبيل المثال لا الحصر- بشخصية "عيسى الدباغ" بطل رواية "السمان والخريف"، إذ كان عيسى يعيش  في كنف منظومة سياسية كانت تمنحه موقعًا مرئيًا. لكن حين سقطت تلك المنظومة، وحرمه المجتمع من دور جديد وواضح، دخل حينها في فراغ طويل، وواجه انكسارًا نفسيًا واجتماعيًا، فمضى يتسكّع بين المقاهي والعلاقات والذكريات، محاولًا ملء هذا الفراغ بأي إحساس مؤقت.

تتقاطع شخصية يحيى هنا مع  شخصية عيسى في إحساسه بالعدمية واللاجدوى، ووجوده الاجتماعي الهامشي بلا مركز. ولكي يهرب يحيى من هذا السواد الحالك، يركن إلى بطولة الإيمان الشعبي. وفي هذا العالم نرى قدرة الجماعة -التي تؤكد له عبر مقولة "فيك شيء لله"- على صناعة الوهم، مقابل جماعة أخرى تجد في كل فرصة ذريعة للاستهزاء به والسخرية منه. حتى جاء موعد سقوط الأقنعة والذي تعامل الفيلم معه في النهاية من خلال إعادة ترتيب الحقائق بسرعة موجزة من خلال مشهد المواجهة الأخير، بعد سقوط سر المعجزة، واكتشاف يحيى لمحدوديته وقلة حيلته، بعدما أمضى وقتًا طويلًا في ثوب الشيخ "الوليّ"، ولم تتكرر معه أي معجزات أخرى.

هل احتاجت النهاية هنا إلى تعظيم الحدث كي يترك أثره؟ لا، إذ لم تحدث مكاشفة درامية طويلة، لقد تم كشف اللغز وتوابعه بسرعة كما في سرد النص الأصلي، غير أن ذلك جاء، للأسف، مصحوبًا بضعف أدائي لدى بعض الممثلين.

في المجمل، اتبع المخرج في البناءين الزمني والسردي مسارَ الفيلم القصير، فأُغلقت النهاية بسرعة مشحونة، بسبب تراكم الإشارات الفلسفية التي رفعها البطل إلى مقام آخر، إذ عاش وفق الصورة التي صنعها حوله. ومن جانب آخر، فإن هذا الإقفال قد منح نبرة تُشبه بدايته؛ بداية تفتح السؤال، وخاتمة تعيد السؤال إلى منبعه الأول.

الهوامش:

1.نسبة إلى نجيب محفوظ.

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى