لقد أجمع الحاضرون في كافة المهرجانات التي عُرض فيها فيلم «صوت هند رجب» على أن أصوات البكاء كانت تتعالى بين مقاعد الجمهور في ظلام الصالة، حيث لا يرى أحدٌ وجه الآخر. ويختلف البكاءُ خلال عرض الفيلم اختلافًا كبيرًا عن موجات التصفيق الاستثنائية التي أعقبت اللقطة الأخيرة، وامتدت لدقائق تجاوزت زمن ظهور "تترات" النهاية على الشاشة الكبيرة.
فإذا كان التصفيق يعني التحية والتقدير والمساندة -وهو في حالة هذا الفيلم تضامنٌ صريح- فإن البكاء يعكس تجربة تعايشٍ قلّما تتكرر في عملٍ سينمائي؛ حتى وإن تناول مآسي إنسانية لا يملك المرء أمامها إلا أن يذرف الدموع.
إن ما سبق يعكس وجود اختلاف واضح في كل ما يتعلق بتجربة «صوت هند رجب» ليس فقط لأن طفلة عمرها 6 سنوات ماتت بتلك الطريقة هي ومن ذهبوا لإنقاذها، لكن لأن الأسلوب الذي استخدمته المخرجة التونسية كوثر بن هنية جاء مغايرًا لتجارب سينمائية كثيرة اعتمدت النمط الهجين "التخييل + الوثائقي"، بل ويختلف عن تجربتها السابقة «بنات ألفة» والتي جمعت فيها بين شخصيات حقيقية وممثلين محترفين في نسيجٍ ناورَ ذهنية المتفرج طوال مدة الفيلم، فلم يعد يفرّق بسهولة بين "ألفة" الحقيقية، والنجمة هند صبري التي جسدتها في الفيلم.
صوت هند على الشاشة
لا يمكننا، بطبيعة الحال، الجزمُ بما إذا كان الباكون في السينما يتابعون القصة للمرة الأولى، أم أنهم على دراية مسبقة بالواقعة الحقيقية التي حدثت في يناير 2024؛ لكن المؤكد أن الأمر كان شاقًا على من استرجعت ذاكرته تلك المعاناة، وصادمًا لمن كان يشاهد تفاصيلها لأول مرة.
تنطلق قصة هند رجب حمادة باختصار من لحظة تلقي إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله استغاثةً لإنقاذ طفلتين (15 و6 سنوات) كانتا محتجزتين داخل سيارة توفي كل من فيها جرّاءَ اعتداءِ جيش الاحتلال الإسرائيلي في شمال غزة أثناء محاولتهم النزوح إلى مناطق أكثر أمنًا. تواصلت الطفلة الأولى مع الإسعاف لكنها سرعان ما لقيت حتفها، لتبقى "هند"، التي صمدت، في تواصل مع موظفي الهلال الأحمر قرابة 6 ساعات، وسط محاولات مضنية لإرسال سيارة إسعاف تبعد فعليًا عن مكان السيارة المنكوبة قرابة ألف متر. لكن نظرًا لضرورة إجراءات التنسيق قبل تحرك أي سيارة إسعاف تحولت ساعات الانتظار إلى سنين طوال، ليس على هند فحسب، بل على موظفي الإسعاف الذين قرروا نشر مقطعٍ صوتيٍّ لاستغاثتها على وسائل التواصل الاجتماعي لعله يجدي نفعًا. وعندما تحركت سيارة الإسعاف بالفعل، تم استهدافها مباشرة، وسكت صوت هند وظلّت مجهولةَ المصير لـمدة 12 يومًا، حتى تم انتشال جثتها وكل من كانوا في السيارة من عائلة "حمادة".
كان يمكن للقصة أن تنتهي عند هذا الحد، مجرّد مقطعٍ متداولٍ يصور جريمةً بشعةً حدثت مثلها الكثير من الجرائم خلال الحرب على غزة، لكن عين ووعي بن هنية ذهبا في اتجاهٍ آخر، فأعادت تصوير ما جرى، لكن من زاوية موظفي متلقي الاستغاثات داخل مكاتب الهلال الأحمر الفلسطيني بالضفة الغربية.
اختارت بن هنية الممثلين سجى كيلاني، معتز ملحيس، عامر حليحل، وكلارا خوري لتجسيد شخصيات الموظفين الأربعة: مدير الوحدة، والطبيبة النفسية الموجودة لدعم الموظفين، والأهم شاب وفتاة تبادلا مهمة الحديث مع هند طوال فترة انتظار الإنقاذ، فيما لم تستعن بطفلة بديلة لهند، لأن صوت هند جسد مأساتها حية وميتة.
كيف بدأت الرحلة؟
ستركز الفقرات التالية على تفكيك الأسلوب الفني (التكنيك) الذي استخدمته المخرجة التونسية البارزة في فيلم «صوت هند رجب»؛ وهو ما قد يفسر لنا في النهاية استحقاقها الترشح عنه لجائزة "الأوسكار"، ووصول أفلامها مرارًا إلى مراحل متقدمة في ترشيحات فئة أفضل فيلم دولي. إن هذا النهج يضع الفيلم في مكانة خاصة وغير مسبوقة ضمن نمط "الديكودراما" (Docudrama)، ويؤسس لصناعة أفلام تستلهم التكنيك ذاته مستقبلاً.
أولاً: تتمثل نقطة القوة الرئيسية في هذه التجربة في توفر "السجل الصوتي الكامل" للاتصالات التي دارت بين الطفلة العالقة في السيارة وموظفي الإسعاف؛ إذ امتدت تلك المكالمات لفترة زمنية كافية لصناعة شريط سينمائي مدته 90 دقيقة. ولو أن تلك التسجيلات فُقدت بعد الواقعة، أو كانت مدتها مقتضبة، لما تمكنت بن هنية من بناء العالم السينمائي الخاص بالتجربة على هذا النحو الفريد.
ثانيا: إن شخصية "هند" نفسها تعتبر ركيزةً أساسيةً في اكتمال التجربة، حيث تمتّعت بحضور واضح وصوت مؤثر. وصحيح أن أصوات الأطفال كلها مؤثرة لا مراء في ذلك، لكن ربما لو كانت طفلة أخرى محلّها لاكتفت بالبكاء والنحيب وما لامها أحد، غير أن هند دخلت في علاقة إنسانية غير متوقعة مع متحدثيها، وجعلَها تشبّثها بالحياة ورغبتها في النجاة تقترح عليهم حلولًا لإنقاذها، كأن تطلب من الموظفة أن تأتي لتأخذها بنفسها، وعندما تتحجج بزوجها تكمل هند الحلول وكأنها تسدّ أمامها الذرائع كلها. ولعل هذا ما يفسر تأثير هند على المسعفين والحالة الاستثنائية التي خلّدت الصوت وصاحبته.
ثالثا: اختارت بن هنية موقعَ تصويرٍ واحدٍ على مدار تسعين دقيقة، لكن لم تمر لحظةُ مللٍ واحدة من الشاشة للجمهور. ويمكن التوقف عند هذا الاختيار لعدة مستويات. بداية من اختيارها إعادة تجسيد ما جرى، وبالتالي ستحتاج إلى تحديد العناصر المتخيلة والتعامل معها بما يوحي للمتفرج بأنها ليست مصطنعة، فهي مثلًا لم تستدع لقطاتٍ للسيارة وكأن هند بداخلها، ولم تستعن بطفلة تشبهها وتركب الصوت على أدائها، وإنما كل ما فعلته -وهذا هو المستوى الثاني- أنها اصطحبت المتفرجين إلى مركز اتصالات الهلال الأحمر وليس العكس، أي باتَ المتفرج متفاعلًا ومشاركًا وكأنه يجلس معهم عاجزًا عن الفعل، وبالتالي لم يعد المكان الواحد نقطةَ ضعفٍ، بل نقطة قوة تُشعر المتلقى بحجم الحصار الذي عاناه الموظفون ومن قبلهم هند.
رابعا: وحسب تصريحات سجى كيلاني ومعتز ملحيس فإنهما لم يستمعا للتسجيل الكامل لمكالمة هند قبل التصوير الفعلي، مع مراعاة أن المكالمات قد عُدّلت وحذفت منها أصوات الشخصيات الحقيقية، ليحفظ الممثلون العبارات التي قالها المسعفون من قبل، ويردوا على محادثة هند من جديد، وهذه الطريقة أهّلت الممثلين للتعاطي مع التجربة بأسلوبٍ يدفعهم لانفعالٍ كان من المستحيل الحصولُ عليه لو أن المخرجة استخدمت الطريقة الكلاسيكية في التحضير، أي "بروفات الطاولة"، إذ تجلس فتاة تكرر ما قالته هند، ليرد عليها معتز تارة وسجى تارة أخرى. بمعنى أن المخرجة التونسية دفعت بممثليها إلى نفس وضعية الجمهور، لكن أمام الكاميرا لا أمام الشاشة. كل ذلك مع "تضفير" الموسيقى المؤثرة لأمين بوحافة لتتكامل مع صوت المأساة.
خامسا: وهو التكنيك الوحيد المتكرر في "الديكودراما"، والمتمثل في تفاعل الممثلين مع الشخصيات الحقيقية قبل التصوير، مما أضاف لأدائهم زخما عاطفيا كبيرا بالطبع، وقد قاد تدخل بن هنية، وإصرارها على الاقتراب الشكلي وتفاصيل الملابس وغيرها، الممثلينَ إلى الوصول إلى حالة من التماهي الكامل مع ما جرى في ذلك النهار العصيب. ولذا يمكن تفسير بكاء الجمهور بوصفه نجاحا لبن هنية في تحقيق تجربة "إعادة الجمهور ليوم سابق"، وإشراكهم فيما جرى ليظلوا شاهدين على جريمة لن تنسى ما دام "«صوت هند رجب» حيًا.




