«أب أم أخت أخ»: هل العائلة في خطر؟

«ما رأيكم أن نقدم نخبًا من فناجين الشاي في صحة العلاقات العائلية؟»، هكذا يقترحُ الأب خفيف الظلِّ على ابنيه أثناء زيارتهما لمنزله البعيد، في محاولة لخلق جوٍّ أُسريٍّ لطيف، يكسر من برودة زيارتهما التي تبدو مربكة بالنسبة له. يتكرر هذا الطقس ثلاث مرات في كل فصل من فصول الفيلم كرابط شكلي غير مباشر، لكنه يبدو في الحقيقة مدخلًا أساسيًا ينقل عبره المخرج فكرةَ الفيلم ليضعها في متناول المتلقي. فهذا الفيلم، الذي يدور في فلك العلاقات العائلية في زمننا المربك، يبدو وكأنه نخبٌ في صحة العائلة، أو محاولة لطرح سؤال لطالما شغل فكر صانعه: «هل العائلة في خطر؟».
يحاول المخرج الأمريكي جيم جارموش في «أب أم أخت أخ» (Father Mother Sister Brother، 2025) الإجابةَ عن هذا السؤال في ثلاثة فصول مختلفة، ولا يكتفي بهذا فحسب، بل يطرح مزيدًا من الأسئلة في كلِّ فصلٍ. في القصة الأولى، نرى الأب (توم ويتس) الذي يستضيف ابنه (آدم درايفر) وابنته (مايم بياليك) في زيارة نادرة إلى نيوجيرسي – أمريكا، وهي القصة الأكثر طرافة وحيوية بين القصص الثلاث، والتي يدعمها أداء توم ويتس الهيستيري دون ابتذال. أما القصة الثانية فهي تشبه سابقتها إلى حد كبير، إذ تستضيف الأم (شارلوت رامبلينغ) ابنتيها تيموثيا (كيت بلانشيت) وليليث (فيكي كريبس) في زيارتهما السنوية لتناول الشاي في دبلن – إيرلندا. وفي القصة الأخيرة، نرى التوأمين سكاي (إنديا مور) وبيلي (لوكا سابات) وهما يستعيدان ذكريات والديهما الراحلين في باريس – فرنسا.
في فيلمه الحائز على الأسد الذهبي من مهرجان البندقية لهذا العام، يبدو المخرج الأمريكي الكبير مهمومًا بالعائلة أكثر من أي وقت مضى، لأن العائلة في نظر علم الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا هي نواة أي تجمع إنساني قديم أو حديث، منذ أن سكن الإنسان الكهوف، أو حتى بعد صعوده إلى الفضاء.
في «أب أم أخت أخ» – والترتيب مقصود بالطبع سواء على المستوى الجندري أو الدلالي – يتساءل جارموش من خلال ثلاث عائلات في ثلاث دول كبرى (أمريكا، إيرلندا، وفرنسا)، عمّا إذا كانت الأسرة، الغربية على وجه التحديد والإنسانية على وجه العموم، تعيش في خطر كبير، وهل تجاوزت الأمور حد التفكك إلى ما يشبه التحلّل التام، أم لا يزال هناك أمل. وذلك من خلال دراما غير تقليدية ممتدة في ثلاثة فصول، يحتوي كلّ فصلٍ منها على بداية ووسط ونهاية، مع التزامٍ شبه تام وصارم بوحدة الزمان والمكان والموضوع.
تدور أحداث "الفصول الثلاثة" في ثلاثة أماكن محددة، عدا الفصل الأخير الذي يتحرر نسبيًا من فكرة وحدة المكان، لكن تظلّ بنيته الأساسية تدور داخلَ شقة العائلة في باريس، ثم في أحد المقاهي، بالإضافة إلى مخزن يضم أثاث الشقة الخالية. أما كل من الفصلين الأول والثاني، فتقَع أحداثُهما في مكان واحد فقط، هو منزل الأسرة، الذي تظلّ الشخصيات حبيسة داخل فضائه.
كما أن أزمنة الفصول الثلاثة هي يوم واحد فقط، أو ربما ساعات قليلة، بلا تصاعد أو تدفق زمني متسارع أو طويل، إلى جانب وجود أزمنة اعتبارية أخرى داخل الزمن المادي التقليدي، ونعني بها الذكريات أو الأزمنة المتجسدة في صور ألبومات العائلات الثلاثة التي يتحرك بينها السرد.


روابط وتقاطعات


تمثل عناوين الفصول الثلاثة مجتمعةً عنوان الفيلم الأصلي. فالأول هو "الأب"، والذي يبدو فيه الأبُ شخصًا عجوزًا فقيرًا، يعيش في «أقصى الأرض»، وهي الجملة التي ستتجلّى مع تكرار ظهور ساعة الرولكس، والشباب المتزلج في الطرقات أثناء ذهاب الأبناء للزيارة، كأنهم أطيافٌ متحرّكة.
تمتد الروابط لتلتقي في لاوعي المشاهد، مكونةً نسيجًا واحدًا، على الرغم من أن الأسرَ الثلاث تعيش في ثلاث بقاعٍ مختلفة، ولا تربطهم أي معرفة أو تقاطع إنساني أو درامي. وهنا يجدر بنا التوقف للإشارة إلى أن المخرجَ لم يهتم بوضع ذروةٍ واحدة لجمعِ وربط العائلات الثلاث ببعضها في النهاية. فهو غيرُ مهتم بالحبكة الدرامية في شكلها التقليدي، ولا يريد من المتفرج أن يحلّ لغزًا أو أن يشغل باله من الأساس بالرابط المادي أو الدرامي بينهم، بل يريد منه أن يتفرّغ شعوريًا وذهنيًا لعملية التحليل والكشف عن الأسئلة التي يضعها الفيلم نصبَ عينيه. فغياب الرابط الدرامي المباشر ما هو إلا وسيلة لإتاحة مساحة تأملية، وليس نقصًا في متانة البناء أو خضوعًا لهوى التجريب أو مغامرةً شكلانية في الحكي.

في الفصل الأول، تبدو على الأب هستيريا مفتعلة، منزله مغطًى بأقمشة تخفي ثراء الأثاث، وكأنه في حاجة ماسة إلى مساعدة مستمرة من خلال الزيارات المتباعدة لكل من ابنه وابنته، اللذين يبدوان قادمين من مسافة بعيدة على المستويين الجغرافي أو النفسي، من أجل الحفاظ على النمط المتواضع لحياته أو على حياته نفسها.
لكننا ندرك في النهاية أنه يدّعي كل هذا الفقر، والهستيريا، والتواضع المادي والنفسي، من أجل أن يستمر أبناؤه في زيارته فقط. يتسول عطفهم دون أن يخدش كرامته، لأنهم لو أدركوا أنه يعيش في بحبوحة مادية ونفسية فإنهم سيتوقفون عن زيارته والسؤال عن أحواله، أو هكذا يظن.

في مقابل هذا الأب، لدينا الأم التي نراها في الفصل الثاني، وهي كاتبة ثرية، ينعكس رخاء العيش بوضوح على مظهرها وحيَاتها. غير أن هذا الرغد لا يمتد إلى بناتها؛ إذ تبدو إحداهن في حال مادية هشة، نلمسها منذ ظهورها الأول وهي واقفة إلى جوار سيارتها المتعطلة بلا سبب واضح، على نحو يذكّر بتعطّل سيارات محدودي الدخل فجأة، ثم عودتها المفاجئة إلى العمل مرة أخرى. أما الابنة الأخرى، فتبدو فقيرة إلى حد يثير الشفقة، رغم محاولتها إخفاء ذلك بتصنّعٍ مكشوف. ويكشف لنا السيناريو أنها تسعى إلى استجداء أجرة المواصلات من أمها عبر ابتزازٍ عاطفيٍ مراوغ، غير أن الأم تصدّها، وكأنها على دراية مسبقة بحجتها وأساليبها.
يعكس منزل الأم المُكدّس بالأشياء النفيسة والبراح المترف – الذي يظهر في شكل الحديقة أثناء استقبال وتوديع البنات – ثرائها الواضح الذي قد يكفي لتغطية كل احتياجات بناتها، بل وقد يزيد عن الحاجة، لو أرادت أن تظلّلهن تحت جناح رأفتها وعنايتها المادية. لكنها أمٌّ تعاني من بخلٍ شعوريٍّ غريب، يجعلها كائنًا فظًا عديمَ الإحساس، حتى أن الفصلَ يُفتتح انطلاقًا من مشهدٍ لها، وهي في جلسة علاج نفسي مع معالجتها على الهاتف، وكأنها دائما في حاجةٍ للتحدث مع شخص ما آخر غير بناتها.
وخلال جلسة الشاي الاعتيادية، التي يبدو أنها الطقس العائلي الوحيد الذي تسمح فيه الأم بحضور البنات إلى حصنها العالي، تمارسُ وتفرض كل قيمها المتحفظة عليهن، إلى الحد الذي يدفعها إلى غضب طفيف، عندما تصبّ إحداهن لنفسها الشايَ من الإبريقِ الفخم، الذي يبدو أنه غيرُ مسموحٍ لهن بلمسه، مثله مثل حياة الأم في المنزل الواسع. وفي نهاية الزيارة، تجد الأم نفسها واقفةً وحدها في حديقة المنزل، تتأمل الفراغ الذي خلّفته ابنتاها، اللتان لو طلبت منهما البقاءَ لما تردّدتا عن فعل ذلك، لكنها تأبى ذلك لأسباب متعلقة بنظرتها الغريبة إلى العائلة والعلاقات الأسرية.

أما الفصل الثالث، فيمكن أن نطلق عليه فصلَ "الأمل"، أو "الفرصة الأخيرة"، فالأخت والأخ هما توأمان من جندرٍ مختلفٍ، كأنهما إنسانٌ واحدٌ في جسدين مختلفين، يمثّلان الصلةَ الروحية والعضوية، التي لا يختارها الإنسان حين يتعلق الأمر بأفراد عائلته. يعيشان في فرنسا رغم أنّهما مولودان في أمريكا، وهذه الهجرة القسرية التي لم يختَرها أيٌّ منهما، هي جزء من تركيبة أسرتهما، لكنّها لا تمنعُ ترابطهما الحميمي، فالأسرة هي جغرافيا قائمةٌ بذاتها أيًا كانت البقعة التي تسكنها.

يقدِّم المخرجُ، انطلاقًا من لقائهما الطويل لتأبين والديهما بعد رحيلهما في حادث مأساوي، محاولةً للإجابة عن سؤال جديد: ما الذي يتبقى من العائلة في النهاية؟ هل هي الأشياء المادية التي يتركها الآباء، سواء كان رحيلهم فجائيًا أو متوقعًا؟ أم هي الذكريات العالقة في ألبومات الصور العائلية، التي تمسك بلحظات سحرية ملونة، والتي تعد أكثر قيمة، من أي غرضٍ ماديٍّ أو ميراثٍ ملموس؟

في نهاية الفصل، يقف الأخوان أمام المخزن الضخم الذي وضع فيه الأخ أثاثَ شقة العائلة بعد إخلائها، ويسأل أخته: «ماذا علينا أن نفعل بكل هذا؟»، فتجيبه بأنهما ليسا ملزَمين بالإجابة عن هذا السؤال الآن. في هذا المشهد تفقدُ كل الأشياء المادية قيمتها، حتى تلك التي رأيناها في منزلِ الأب، وفي حصنِ الأم المترف، وتصبح الإجابة، التي يؤكد عليها الفصل الأخير، أن الميراثَ الحقيقي يكمن في بقاء أفراد العائلة متماسكين، ومتصلين بخيوط المشاعر والذكريات والحنو الدافئ، الذي هو جوهر طاقة الأسرة نفسها، والنواة التي تدور حولها كل التفاصيل الأخرى، مما هو قابل للبيع أو الانتهاء أو الضياع.


مذاق البيوت


في الفصول الثلاثة، تشكل المنازل عنصرًا عضويًا في الربط الشكلي بين الجغرافيا المختلفة: منزل الأب الواقع على حدود العالم مجازيًا، ومنزل الأم الموجود في وسط عاصمة أوروبية باردة، والشقة الباريسية التي كانت تقيم فيها أسرة التوأم. ثم يتبين لنا تدريجيًا أن المنازل الثلاثة تتجاوز الرابط الشكلي هذا، خصوصًا في النهاية، وهو ما يتجلّى في خلو الشقة الباريسية (المنزل الأخير في الفيلم) من أي أثاثٍ بعد قيام الأخِ بإفراغها تمامًا. لكن المكانَ يظلّ محتفظًا بقدرٍ من الحميمية والحضور الروحي والنفسي لذكرى الأبوين، وذكريات الأخوين، عن طفولتهما التي يستردّان بعضًا منها، أثناء تصفّحهما لألبوم صور العائلة.

تُعد الصور أيضًا رابطًا عضويًا وشكليًا يتكرر في الفصول الثلاثة. وتبدو عناصر الربط المتعلّقة بالجوهر الأسري أكثر قوةً من عناصر الربط الخارجية، مثل الشباب المتزلج، وساعة الرولكس، وعبارة «أقصى أصقاع الأرض»، التي أشرنا آنفًا إلى تكرارها في كل فصل.

يقومُ النمط الأكثر عمقًا الذي استعمَله جارموش، لتفكيك مفهوم الأسرة في الفيلم، على عناصر تخص كلَّ أسرة في العالم تقريبًا، وبالأخص العالم الغربي، بدايةً من المنزل كمكان، فلا أسرةَ بلا منزلٍ مهما كانت طبيعته، مرورًا بالأثاث والأشياء والتفاصيل التي تجعلُ من هذا المكان منزلًا أسريًا، وصولًا إلى ألبومات الصور العائلية، التي هي توثيقٌ للزمن الذي عاشته الأسرة، محفوظًا ومجسدًا وباقيًا في هيئته الأولى كما حدث، أو كما نريد دومًا أن نتذكّره.

يبدأ الفيلم بأخٍ وأختٍ يذهبان إلى زيارةِ والدهما المقيم في كوخٍ منعزل، وينتهي بأخٍ وأختٍ أيضًا يذهبان إلى مخزنٍ ضخمٍ يحتوي على إرثهما المتبقي من أشياء والديهما الراحلين. حيث يقفان أمامه متسائلين: هل يجب أن نتخذ قرارًا بالتصرف في هذه الأشياء الآن؟ وتكون الإجابة: «بالطبع لا! فطالما نحن معًا، كإخوة، فلا شيء أهم أو أكثر قيمة من هذا، مهما كان عمق المخزن أو حجم الأشياء المتروكة لهما».

هذا البناء الدائري لسرد الفيلم يعكسُ دلالة مهمة في سياق العلاقات الأسرية التي يريد أن يفككها. فالأسرة مسألةٌ قدريةٌ تمضي بلا نهاية، وكأنها دائرة صوفية؛ حين تبدأ لا يمكن أن تنتهي ولو بالموت، طالما هناك أبناء، فهي تتوالد وتنشأ من جديد وتستمر. أو كما يقول الابن أثناء زيارة الأب في الفصل الأول: «تستطيع أن تختار أصدقاءك، لكنك لا تستطيع اختيار عائلتك أبدًا».

وهذا لبّ المسألة العائلية في حضورها الفلسفي. فرغم كونه يبدو بديهيًا، إلا أن خضوعَه للتمزق والاختبارات الاجتماعية المدمرة في عصرنا الحديث جعل من الضروري العودة للتأكيد عليه، كأن البشر فقدوا بوصلة البديهيات، وأصبح لزامًا على السينما أو الفن تذكيرهم بها. نعم، الأسرة في خطر، لكن تظل هناك فرصةٌ لنجاتها، تماما كما نجا الأخوان في النهاية من مأساة فقدان أبويهما بالرجوع إلى بعضهما، أو بالاكتمال البصري في هيئة إنسان واحد، ذكر وأنثى، في مشاهد جلوسهما أرضًا متكئين على بعضهما. وهذا هو ما يجعل الإنسان قادرًا على مواجهة هذا العالم الهش، والعشوائي جدًا.

نُشرت هذه المقالة بدعم من مبادرة «سينماء» لتعزيز المحتوى المعرفي السينمائي.

الهوامش:

اشترك في النشرة البريدية

احصل على أحدث المقالات والأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني
تم إضافتك ضمن النشرة البريدية, شكرًا لك!
نعتذر حدث خطأ, الرجاء المحاولة مرةً أخرى