يبدأ الفيلم الوثائقي السعودي «ضدّ السينما» من نقطةٍ تأسيسيةٍ دقيقة ومشحونة بالدلالات؛ إذ يعود إلى أول دخولٍ موثّق للصورة المتحرّكة في فضاءِ الجغرافيا السعودية في مطلع القرن العشرين، حين قدَّم مصوّرٌ فرنسيٌّ عرضًا سينمائيًا في سياق دبلوماسي مغلق. ولا تأتي هذه البداية في سياق السرد بوصفها معلومةً تاريخيةً محايدة أو استعراضًا أرشيفيًا، بل بوصفها مفتاحَ قراءةٍ أساسيٍّ للفيلم بأكمله ولمسار الصورة في المملكة. فمنذ اللحظة الأولى، لم تدخل السينما إلى هذا السياق كفنٍ جماهيريّ، أو طقس ترفيهي شعبي، أو ممارسة يومية، بل كحدث وافدٍ ونخبوي، محكومٍ بالمسافة والمراقبة، وكأنها زائرٌ غريبٌ يتطلّب "إذنًا" خاصًا للعبور.
يتقدّم الفيلم بدءًا من هذه الافتتاحية، لا باعتباره تأريخًا تقليديًا لتطوّر صناعة السينما في السعودية، بل كبحثٍ أركيولوجيٍّ في "تاريخ الغياب": غياب صالات السينما، وغياب الطقس الجماعي للمشاهدة في كثير من الأحيان، إلى جانب غياب التراكم النقدي حول الصورة. لا ينشغل الفيلم بالأفلام ذاتها أو بأسماء المخرجين بقدر انشغاله بكيفية تلقّي هذه الأفلام، وبالظروف الاستثنائية التي أحاطت بالمشاهدة، وبالتحايلات الاجتماعية والتقنية التي رافقت حضور السينما في حياة الناس على هامش الفضاء العام. إنه يفكك البنية التحتية للشعور العام تجاه الصورة، وكيف تشكلت الذائقة في العتمة وليس تحت أضواء العرض.
يتتبّع العملُ عقودًا من المنع والانقطاع، تحوّلت فيها السينما من تجربة عامة محتملة إلى ممارسة فردية أو شبه سرّية: بكرات سينمائية أو أشرطة فيديو منزلية (VHS) مهربة أو منسوخة، شاشات تلفزيون صغيرة، ومشاهدة تتم غالبًا بلا نقاش وبلا سياق ثقافي جامع. وفي هذا الصدد، انتقلَ الفيلم من كونه مجرد سرد خبري ليغوص في "ثقافة السينما المنقوصة" -إن جاز التعبير- التي سادت لعقود؛ تلك الثقافة التي خلقت علاقة مشوّهة وساحرة في الوقت ذاته مع الصورة.
كانت الصورة تصل مشوشةً، ورديئة الجودة، ومقطّعة بفعل الرقابة اليدوية أو العيوب التقنية، ومع ذلك كانت محمّلة بقيمة عاطفية هائلة. هنا، لا يقع الفيلم في فخ النوستالجيا الساذجة أو الإدانة المباشرة، بل يقدّم هذه المرحلة بوصفها لحظةً تشكّلت فيها ذائقة بصرية "ناقصة"، غير مكتملة، لكنها واقعية وشديدة الخصوصية. ذائقة وُلدت من دون مؤسسات حاضنة، ومن دون نقد، ومن دون لغة مشتركة تسمح للصورة بأن تتحوّل من مجرد مشهد عابر إلى فكرة قابلة للتداول.
أحد اختيارات الفيلم اللافتة والذكية يكمن في تجنّب السرد الاحتفالي السائد الذي يربط فتح صالات السينما في السنوات الأخيرة بفكرة “التحقّق” النهائي أو “الاكتمال” الحضاري. لا يُقدَّم عام 2018 بوصفه لحظة خلاص سحرية، بل كعلامة استفهام كبرى. فوجود صالة السينما، ببعدها المعماري والتجاري، لا يعني بالضرورة ولادة سينما بمعناها الثقافي، ولا يضمن تلقائيًا تشكّل وعيٍ بصريٍّ ناضج. إن السينما، كما يلمّح الفيلم بذكاء، ليست بنية تحتية ومقاعدَ مريحة وشاشات عملاقة فحسب، بل هي ممارسة ثقافية مركبة، وزمنٌ طويل من التجربة، والسؤال، والنقد، والاشتباك مع الواقع. يُظهر الفيلم أن استيراد "المكان" (السينما) أسهل بكثير من بناء "المكانة" (الثقافة السينمائية) التي تحتاج إلى تراكمٍ معرفيٍّ لم يحدث بعد.
في هذا السياق، تتضح نبرة «ضدّ السينما» الهادئة والمراقِبة. فالفيلم لا يقدّم أطروحةً صلبةً ولا يسعى إلى فرض إجابات جاهزة، بل يختار طرح الأسئلة وتركها مفتوحةً للمشاهد. هذا الخيار يمنح العملَ صدقًا فكريًا ومساحة تأمّل، رغم أنه يجعله أحيانًا أقل حدة أو أقل صخبًا مما قد يتوقّعه بعض المشاهدين الباحثين عن دراما الصراع. لكن هذا التحفّظ يبدو جزءًا من وعي الفيلم بذاته وبسياقه، ورغبته في أن يكون مساحةَ تفكير هادئة لا بيانًا إيديولوجيًا صاخبًا. إنه يحاول أن يفهم «ماذا حدث؟» بدلاً من أن يصرخ «لماذا حدث؟»، تاركًا مساحة للمتلقي كي يملأ الفراغات بتجربته الشخصية.
من الاستهلاك السري إلى الوعي المؤجل: قراءة في ذاكرة الظلّ
يطرح «ضدّ السينما» في إحدى طبقاته الأعمق سؤالاً غير مباشر حول الفرق بين الوعي السينمائي والاستهلاك البصري، إذ يلمّح إلى أن غياب السينما المؤسسية لم يمنع مشاهدة الصور، لكنه منعَ تشكّل علاقة نقدية معها. فالصورة كانت حاضرة، لكن بلا أدوات قراءة، وبلا نقاش عام، وبلا ذاكرة جمعية منظَّمة. وهنا تكمن المفارقة، فالمجتمع لم يكن "خاليًا من السينما"، بل كان يعيشها من دون أن يمتلك مفاتيحها.
يصبح هذا التمييز أكثر أهمية في الزمن الحاضر، حيث تتضاعف الصور، وتتكاثر الشاشات، وتتحوّل المشاهدة إلى فعل سريع ومستهلك. يذكّرنا الفيلم ضمنيًا بأن الخطر لا يكمن فقط في المنع، بل أيضًا في الوفرة غير المصحوبة بوعي. فالصورة، حين تُستهلك بلا مساءلة، قد تفقد قدرتها على التأثير، وتتحوّل من أداة تفكير إلى مجرّد خلفية يومية. بهذا المعنى، لا يبدو «ضدّ السينما» فيلمًا عن الماضي فقط، بل عن حاضر يتطلّب يقظةً نقديةً مضاعفة.
من الناحية البصرية، يعتمد الفيلم أسلوبًا محافظًا ومتقشفًا، ينسجم عضويًا مع موضوعه. لا يأتي استخدام الأرشيف، واللقطات غير المصقولة، والمواد المنزلية المهتزة، في سياق استعراضٍ جماليٍّ مفتعل، بل بوصفه انعكاسًا لحالة السينما نفسها في الذاكرة السعودية؛ حيث الصورة تظهر متقطّعة، وغير مكتملة.
يمكن قراءة هذا الخيار الجمالي كاحتفاءٍ بما يُسمّى نظريًا بـ"الصورة الفقيرة" (Poor Image)؛ أي الصورة التي فقدت جودتها وتقنيتها العالية أثناء تداولها السري ونسخها المتكرر، لكنها اكتسبت في المقابل قيمةً توثيقيةً ووجودية. ورغم أن هذا الخيار لا يسعى بالضرورة إلى ابتكار لغة شكلية جديدة، فإنه يخدم الفكرة العامة للفيلم ويمنحه صدقًا بصريًا يتناسب مع موضوع الذاكرة الناقصة؛ وذلك أن الذاكرة نفسها غالبًا ما تكون "منخفضة الدقة" وضبابية.
تتجلّى القوة الحقيقية للفيلم وعمقه الإنساني في الأصوات التي يستضيفها. فشهاداتُ أشخاصٍ عاشوا السينما بوصفها شغفًا فرديًا معزولاً لا ممارسة جماعية، تكشفُ كيف كانت الصورة المتحرّكة حاضرة في الوجدان حتى في غياب الفضاء العام. هذه الأصوات لا تؤدي دور “الشاهد التاريخي” الذي يسرد الوقائع فقط، بل تعبّر عن علاقة وجدانية معقدة مع السينما، علاقة تقوم على الرغبة والحرمان في آن واحد، وعلى الإحساس الدائم بأن شيئًا ما كان ناقصًا. يتحدث هؤلاء عن طقوس المشاهدة داخل المنازل، وكيف تحوّلت المجالس الخاصة إلى "أندية سينما" بديلة، وكيف أدّى هذا الانعزال إلى تشكيل قراءاتٍ فرديةٍ جدًا للأفلام، بعيدًا عن أي توجيه نقدي، مما خلق جيلاً يمتلك شغفًا عارمًا لكنه يفتقد أحيانًا أدواتِ التفكيك والتحليل التي توفّرها المنتديات العامة.
في هذا المستوى، يمكن قراءة «ضدّ السينما» ضمن تقليدٍ عالميٍّ أوسع من الأفلام الوثائقية المقالية التي تتعامل مع السينما بوصفها ذاكرةً جماعيةً لا مجرد صناعة ترفيهية. يقترب الفيلم من مناخ أعمال مثل «لوس أنجلوس تمثل نفسها» (2003 - Los Angeles Plays Itself)، الذي استخدم المدينة كمرآة لعلاقة السينما بالسلطة والخيال العمراني، أو «سينما كومونيستو» (2010 - Cinema Komunisto)، الذي قرأ تاريخ السينما اليوغوسلافية من خلال علاقتها بالسياسة والهوية الوطنية. كما يتقاطع، بشكل أقل مباشرة، مع أفلام اشتغلت على الذاكرة الشخصية والجماعية معًا، حيث تصبح السينما فعل تذكّر واستعادة بقدر ما هي فعل مشاهدة آنية.
غير أن «ضدّ السينما» يختلف عن هذه الأعمال العالمية في نقطة جوهرية وتأسيسية. فهو لا ينطلق من مدينة مركزية مشبعة بالصور (مثل لوس أنجلوس) أو من صناعة متماسكة ومؤدلجة (مثل يوغوسلافيا)، بل ينطلق من "فراغ" طويل ومنطقة صمت. بينما تحتفي أفلام الذاكرة السينمائية العالمية غالبًا بكثافة الحضور وتراكم الأرشيف، يشتغل هذا الفيلم على "كثافة الغياب". فذاكرَته ليست مبنيةً على أرشيفٍ غنيٍ أو صالات عريقة، بل على انقطاعات، ومنع، ومشاهدات هامشية، ومحاولات فردية للصناعة ماتت في مهدها. بهذا المعنى، يضيفُ الفيلم صوتًا مختلفًا وفريدًا إلى هذا التيار الوثائقي؛ صوتَ ذاكرةٍ تشكّلت في الظلّ، وتحاول اليوم فهمَ موقعها لا بوصفها ماضيًا منجزًا، بل بوصفها سؤالًا مفتوحًا ومقلقًا حول معنى امتلاك سينما من الأساس في مجتمعٍ لم يعتد عليها.
يحمل عنوان الفيلم هذه المفارقة بوضوح وذكاء. فهو ليس عنوانًا عدائيًا أو تحريضيًا كما قد يوحي للوهلة الأولى، بل هو عنوانٌ نقديٌّ بامتياز. فالفيلمُ لا يقف ضد السينما كفن، بل ضدّ اختزالها إلى إنجازٍ شكليّ، أو رقمٍ في رؤية اقتصادية، أو منتج استهلاكي بحتٍ يُباع مع الفشار. كما يقف ضدّ فكرة أن وجود الصالات وحده يكفي لصناعة مشهد سينمائي، وضد التعامل مع السينما بوصفها "علامة حداثة" جاهزة للاستيراد والتركيب. في هذا المعنى، يمكن اعتبار العمل فعلَ محبةٍ نقدية للسينما، محبةٍ غير ساذجة ترى في السؤال والشك قيمةً أعلى من الإجابة السريعة والاحتفال السطحي. إنه دعوة إلى تأسيس علاقةٍ جديدةٍ مع الصورة، علاقة تبدأ من الوعي بالتاريخ (وتاريخ المنع تحديدًا) لتنطلقَ نحو مستقبلٍ أكثر نضجًا.
لا يترك «ضدّ السينما» المشاهدَ عند نهاية الفيلم مع مشهدٍ واحدٍ عالق أو استنتاجٍ حاسم، بقدر ما يتركه مع إحساسٍ عام بالمسافة؛ مسافة بين الصورة والمجتمع، بين الرغبة والتحقّق، وبين السينما كفكرة مجردة والسينما كممارسة واقعية. يضعنا الفيلم أمام حقيقة أن الجيل الجديد من السينمائيين السعوديين لا يقف على "أكتاف عمالقة" محليين، بل يقف على أرضٍ بكر، وهو ما يمنحه حريةً هائلةً، ولكنه يلقي عليه أيضًا عبء التأسيس من "الصفر". لا يقدّم الفيلم حلولاً ولا يدّعي امتلاكَ مشروعٍ مكتمل، لكنه ينجحُ في فتح مساحة تفكير ضرورية حول تاريخ العلاقة مع الصورة، وحول ما يعنيه أن نمتلك سينما لا بوصفها بنيةً تحتيةً من الإسمنت والشاشات، بل بوصفها وعيًا جمعيًا ولغةً للتفاهم.
بهذا المعنى، يُعدّ «ضدّ السينما» إضافةً مهمّةً وتأسيسيةً إلى مسار السينما السعودية المعاصرة، ليس كنقطةِ وصولٍ أو ذروة فنية، بل كنقطة انطلاقٍ وتأمّلٍ ضرورية. إنه عملٌ يفضّلُ طرح السؤال الجريء على الاحتفال بالإجابة السهلة، ويضعُ السينما نفسها موضعَ مساءلةٍ هادئة، بوصفها تجربة ثقافية لم تكتمل بعد، لكنها بدأت أخيرًا في النظر إلى ذاتها في المرآة بوعي، محاولةً ردم الفجوة بين زمن الغياب وزمن الحضور الكثيف.




