عندما يسمع المرء عن مسلسلٍ يتناول كواليسَ صناعة الأفلام، نادرًا ما يتوقّع عملًا يتمتع بعمقٍ دراميٍّ وطرحٍ فكري رصين، فضلًا عن كونه مسلسلًا كوميديًا خفيفًا وممتعًا. غير أن هذا الوصف يكاد يكون الأدقّ من بين كل الأوصاف الممكنة لمسلسل «الاستديو» (The Studio – 2025)، المعروض حاليًا على منصة «آبل تي في» الصاعدة، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في خلق حالةٍ واضحةٍ من التزاحم والتنافس مع المنصة الأشهر «نتفليكس».
تتبنّى حلقات المسلسل بنيةً تجمع بين الاتصال والانفصال؛ إذ تتوحّد فيها الشخصيات والمكان، بينما يختلف الحدث من حلقة إلى أخرى. وتدور الهيكلة العامة للعمل بالكامل خلفَ كواليس الإنتاج السينمائي في هوليوود، مركّزةً على الكيفية التي يتعامل بها المنتج المتخبّط «مات ريمِك» مع سلسلةٍ من المواقف والعقبات التي تعوق تحقيقَ مشاريعه السينمائية وتنفيذها على النحو الذي يتصوره. وفي هذا السياق، يسخر كتّاب المسلسل، بواقعية لاذعة، من آليات الإنتاج داخل استوديوهات هوليوود، ولا سيما الاستوديوهات الصغيرة التابعة للكيانات الكبرى.
يكتسب المسلسل بعدًا نقديًا إضافيًا من خلال الظهور اللافت للمخرج مارتن سكورسيزي في إحدى الحلقات، حيث يؤدي دور مخرجٍ يبحث عن تمويلٍ لفيلمٍ جديد، ليصطدم بعوائق مادية وتجارية خالصة، تؤدي في النهاية إلى فقدانه هذا التمويل، ما يضطره إلى البحث عن مصادر بديلة لإنتاج فيلمه الفني المستقل، بعيدًا عن الآلية الرأسمالية الصرفة التي يمثلها على مضض المنتج ريمِك. حضور سكورسيزي هنا لا يبدو عرضيًا، بل يؤكد رسالةَ العمل المتّسقة مع مواقف المخرج نفسه الرافضة لرأسمَلة السينما وقولبتها ضمنَ منطقٍ ربحيٍّ أحادي الاتجاه، يُفرغها من قيمتها الإبداعية، ويحوّلها إلى منتَج ترفيهي يشبه، كما وصفها سابقًا، تجارب ملاهي ديزني.
يُقدَّم ريمِك بوصفه «الجوكر» أو رجل الظل داخل هذا العالم، في استوديوهات «كونتيننتال»، التي ترى نفسها منتجًا وموزّعًا سينمائيًا أصيلًا، معنيًّا بالأعمال الفنية الراقية في قلب الإنتاج الهوليوودي. وهو إنتاجٌ طغت عليه، خلال العقود الأخيرة، ظواهر سلبية عديدة، من بينها الإفراط في الأجزاء المتكررة، وإعادة إنتاج الأفلام القديمة، وأفلام الأبطال الخارقين، التي تُصوَّر غالبًا داخل استوديوهات مغلقة، ما يجعلها أقل تكلفة وأكثر قابلية للربح، مقابل تراجعِ مستواها الفنيّ والإنساني.
ضمن هذا السياق، يتخيّل ريمِك نفسه منقذًا -كما يعتقد- لعالم تجاري لا يرى في الأفلام سوى سلعٍ تُشترى وتُباع وتُسوَّق للجمهور، شأنها شأن منتجات السوق الأخرى. ومن هنا، يسعى إلى تبنّي مشاريعَ ذات إيقاع فني خالص، عبر التواصل مع نجوم ومخرجين عُرفوا بأعمالهم الرفيعة. غير أن هذه الرغبة تصطدم، حلقة بعد أخرى، بواقع هوليوود المالي، وبنظامها اللوجستي الصارم، الذي لا ينسجم مع طموحات استوديوهات «كونتيننتال» الساعية إلى إنتاج سينما فنية لا يمكن ضمان عوائدها المادية.
يحافظ المسلسل على الكوميديا، والمواقف الصادمة والمضحكة، وعلى حالة التخبط بوصفها ثيمةً أساسيةً في معظم حلقاته. وفي المقابل، يقدّم عناية نوعية واضحة بتطوير الشخصيات، سواء كانت رئيسيةً أم ثانوية، مع حضورٍ مبرّرٍ ودقيق لكلّ شخصية على حدة. لا نلمس محاولة فجّة لفرض مبدأ «التنوّع والشمولية» كما يحدث في بعض المنصات السينمائية الأخرى، ولا نلاحظ خروجًا مصطنعًا عن الواقعية في توزيع المسؤوليات الجندرية. على العكس، يعكسُ المسلسل بصورةٍ مباشرة حياةَ الطبقات المتوسطة من العاملين في صناعة الأفلام بهوليوود، على نحو يدفعنا إلى التفاعل الإنساني والتلقائي مع الشخصيات. ورغم هذا القدر من الانفتاح الأخلاقي، ينجح كتّاب المسلسل في ضبط إيقاع الأحداث بما يجعل هذا الانفتاح مقبولًا ضمن سياقه الاجتماعي والمهني الخاص بعالم هوليوود ولوس أنجلوس.
لا يمكن تجاوز السياق الراهن والمفصلي عند محاولة فهم العالم الذي يستهدفه المسلسل. نشير هنا إلى الأخبار المتداولة حول استحواذ منصة نتفليكس على عالم وارنر برذرز، تلك الإمبراطورية الإعلامية التي تضمّ تحت مظلّتها عوالم متعدّدة، من بينها «إتش بي أو»، وعالم الكوميكس عبر «دي سي»، إضافة إلى عدد من المنصات والقنوات المؤثرة، مثل «سي إن إن».
يساعدنا استيعاب هذا السياق على فهم الكيفية التي تتبدل بها ملامح هوليوود بوتيرة متسارعة، وهو تبدّل يعكس تاريخ صناعة السينما والتلفاز بأكمله. فقد بدأت هذه الصناعة في شرق الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى غربها، إلى ولاية كاليفورنيا، في زمن السينما الصامتة، قبل أن تنقلب المعادلة مع دخول الصوت، ثم مع ترسّخ نظام الاستوديوهات الكلاسيكي، في مرحلة سبقت الثورة التقنية. لاحقًا، حاولت نتفليكس في مطلع الألفية الجديدة منافسة استوديوهات هوليوود الكبرى، وهي في موقعٍ هشٍ، تسعى بشق الأنفس إلى جمع المال واستقطاب المشتركين. أما اليوم، فنعيش الحالة المعاكسة تمامًا، حيث نشهد انصهار الاستوديوهات الكبرى مع المنصات الرقمية، أو على الأقل إطلاق منصاتها الخاصة، كما هو الحال مع «ديزني بلس» و«باراماونت بلس».
شكّلت هذه المتغيرات المادةَ الخام التي استقى منها كتّاب المسلسل أحداثه وشخصياته؛ شخصياتٍ لم تستوعب بعد تسارعَ عجلة التحوّل، إذ يحمل كلٌّ منها حلمًا أو هدفًا أو مشروعًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، يسعى إلى تحقيقه من دون وعي كامل بحجم التغيّرات الكبرى التي تلوح في الأفق. تغيّرات تمس سياسات الإنتاج ونماذجه، وأماكن التصوير وميزانياته، فضلًا عن التأثير المتنامي للذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة على الفنون عمومًا، وعلى السينما على وجه الخصوص.
ورغم وجود بعض الآليات الدفاعية التي تحاول كبح هذا الزحف، مثل دور النقابات، أو التصريحات المتفرقة الصادرة في الولايات المتحدة عن مخرجين ونجوم من الصف الأول في هوليوود، ممن يؤمنون بأهمية الحفاظ على العنصر البشري بوصفه مكمّلًا لا غنى عنه للجانب التقني في تكامل العملية السينمائية، فإن حماس هؤلاء لا يوازي اندفاع مُلَّاك الشركات الإنتاجية والمساهمين فيها. ففي النهاية، يفرض منطق الربح نفسه بوصفه الإيقاعَ الحاكم، حيث تصبح الأرقام هي المعيار الفعلي للنجاح، لا العكس. وهو ما يكرّس حالة القلق والخوف لدى صنّاع السينما والتلفاز من ثورةٍ تقنيةٍ قادمة قد تُستَخدم أساسًا لتقليص التكاليف، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالموارد البشرية.
قد يكون من المبالغة تحميل المسلسل دلالاتٍ تتجاوز ما يحتمله، إذ يراه كثيرون مجرَّد استعراضٍ مسلٍّ ليوميات أحد المنتجين داخل أحد استوديوهات هوليوود، مليء بالمواقف الصادمة والمضحكة. ومع ذلك، يظلّ من الضروري ربط سياقه بما يشهده الواقع الراهن من تحالفات وشراكات جديدة قيد التشكل، وثورات تقنية تتعاقب وتتجاوز بعضها بعضًا، إلى جانب التحوّل في المزاج العام للجمهور، الذي بات أقل إقبالًا على صالات السينما، وأكثر ميلًا إلى متابعة الأعمال عبر المنصات الرقمية من منازله.
هذا التحوّل يؤكد بدوره تغيّر منظومة التوزيع والتوريد، ونموذج تذاكر السينما الذي اعتمدت عليه، ولوقتٍ طويل، الاستوديوهات الكبرى في هوليوود. ومع إدراك هذه المعادلة الآخذة في التبدّل، يصبح بإمكاننا الاستمتاع بهذا النوع من المسلسلات، وبالأفلام والأعمال التلفزيونية التي تتناول جانبًا من الصراع القائم والدائم بين الفنان والموظف التنفيذي، وبين عالم المال وعالم الإبداع. وهو صراع صحي في جوهره، ولن ينتهي، لأن السينما التجارية تحتاج إلى الفيلم الجيد، كما أن هذا الفيلم، بدوره، لا يمكن أن يرى النور من دون المال.




