تختلف طبيعة المخاطرة بين عرض الأفلام عبر منصات البث، وطرحها في صالات السينما، فالسينما تضع العمل أمام اختبار مباشرٍ وقابلٍ للقياس عبر أدوات أهمها "شباك التذاكر". وفي المقابل، لا تُعفي منصات البث الأعمالَ من هامش المخاطرة، بل تنقلها إلى مستوى أكثر اتساعًا، فيصبحُ العمل متاحًا لجمهور أوسع، وأكثر عرضةً للنقاش وتبادل الأفكار والآراء. على سبيل المثال، لم يوفّر عرض فيلم «ناقة»، عبر منصة رقمية، أي حماية له من ردود الفعل، بل على العكس، جعله في مرمى هجوم لاذع، بحكم وصوله إلى شرائح جماهيرية مختلفة وأكثر اتساعًا.
ويمكن قراءة استقبال «جرس إنذار» بوصفه استثناءً، وحالة مختلفة عن سابقاتها؛ ذلك أن عرض الفيلم عبر منصة رقمية يضمن له الحضورَ والانتشار، لكنه لا يشكّل ضمانًا للنجاح أو مؤشرًا على جودته. وقد حظي الفيلم بانتشارٍ أوسع خارج محيطه المحلي مقارنةً بالداخل، ما فتحَ باب التأويل حول توجّهه التوزيعي، غير أن هذا التوجه، سواء كان مقصودًا أو جاء لنتيجةٍ ظرفية، لم ينعكس على طبيعة الحوارات أو الأفكار المطروحة، وهو أمر يُحسب للفيلم، إذ حافظ على ارتباطه بالسياق المحلي ولم يَخضع لإعادةِ صياغةٍ تجعله مناسبًا أكثر للذائقة خارجية، على عكس ما ظهر بشكل مباشر في فيلم «المجهولة» مثلًا.
الجزء الثاني.. استثمار الفكرة أم استنزافها؟
تدور أحداث الفيلم، المستوحاة من وقائع حقيقية، في مدينة جدة عام 2013. تتابع القصة مجموعة من طالبات المرحلة الثانوية، اللواتي يواجهن مأساةً مفاجئة داخل أسوار المدرسة، حين يتسبب التنقيب عن الحفريات في موقعٍ مجاورٍ بانهيار في ساحة المدرسة، تجد الفتيات أنفسهن عالقاتٍ وسطَ الانهيار، في مواجهة ظرفٍ قاسٍ يضعهن وجهًا لوجه مع المخاوف والصراعات الشخصية غير المحلولة. الفيلم من إخراج عبد الله بامجبور، ومن إنتاج أيمن جمال ومحمد علوي، ومن كتابة هيفاء السعيد ومريم الهاجري.
ويُستخدم مصطلح «الجزء الثاني» للدلالة على امتداد مباشر للعمل الأول، فالتمييز بين جزء لاحق (Sequel)، وعمل مشتق (Spin-off)، لا يعتمد على ترقيم الفيلم أو اعتبارات تسويقية، بل على طبيعة العلاقة القصصية بين العملين، فالـ(Sequel) يفترض وجود استمرارية واضحة في عالم الفيلم أو تطور مباشر للقصة ذاتها، بينما الـ(Spin-off) تكون في حكاية جديدة تدور داخل العالم نفسه، مع الحفاظ على الثيمة أو الإطار العام دون الالتزام بتتابع قصصي صارم.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى «جرس إنذار 2: الحفرة» بوصفه خليطًا ينتمي إلى مفهوم "الجزء اللاحق" أكثر من كونه عملًا تقليديًا "مشتقًا"، بالرغم من أن الفيلم يُشعركَ بأنه عملٌ مشتق، فهو يحقّق الحدَّ الأدنى من شروط الجزء اللاحق، لكنه يفشل في تحقيق جوهره. فهو يعيد نفس الفكرة في حادثة بديلة، ويعامل الجزء الأول بوصفه مرجعًا، لا قاعدةً للقصة، فيعيد تشغيلَ التجربة بدل استكمالها. وفي هذه الحالة، تبدو التجربة مكتملةً منذ الفيلم الأول، وهو ما يقود إلى طرح السؤال: لماذا يقدَّم العملُ كجزءٍ لاحقٍ، لا كعملٍ مشتقٍّ أو مستقلّ؟ حيث أن الفيلم قد أعادَ استثمار العالم والفكرة العامة، لكن كما في أي استثمار، فإن العائد غير مضمون. وذلك لأن العمل المشتق يفترض بطبيعته مخاطرةً أعلى، لكنه يتيح في المقابل عائدًا إبداعيًا أكبر؛ بينما يختار «جرس إنذار» مسارًا أقل مخاطرة، وأقل طموحًا في نتائجه من خلال تقديمه كجزء لاحق.
إن الانتقال إلى جزء ثانٍ، سواء كان هذا الأخير جزءًا لاحقًا أو عملًا مشتقًا، غالبًا ما يحمل توقعاتٍ مسبقةٍ تشكّلت من تجربة المشاهد مع العمل الأول. وإن أي انحرافٍ عن تلك التوقعات قد يُقرأ كفشلٍ، أو في حالة «جرس إنذار»، يقرأ كفرصةٍ لتصحيح الأخطاء وإعادة الأمور إلى نصابها.
ويمكن طرح نموذج فيلم «الفك المفترس» (1975 - Jaws) الذي واجه انتقاداتٍ واسعة، وأبرزَ أن الاعتماد على نجاحٍ سابقٍ لا يضمن بالضرورة تكرارَ نفس النجاح، بل قد يحوّل الأجزاءَ الجديد إلى مقارنةٍ خاسرةٍ مع النسخة الأصل. بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في وجود جزء ثانٍ بحد ذاته، لكن في كيفية تقديمه.
كذلك لا تكمن إشكالية الفيلم في مجرد تكرارِ الحوادث داخل الفضاء المدرسي، بل في الإصرار على إعادة تحميل الشخصياتِ نفسها عبءَ التجربة ذاتها، وكأن الحكايةَ لا يمكن أن تُروى إلا عبر الوجوه نفسها. فالمدرسة بوصفها مكانًا مغلقًا وفضاءًا مشحونًا اجتماعيًا، كانت الوصفةَ السحرية الحقيقية في نجاح وانتشار الجزء الأول. فالمدرسة تعتبر عالمًا مصغرًا قادرًا بطبيعته على توليد صداماتٍ إنسانية وتجاربَ متباينة للمراهقة، يمكن للمشاهد أن يرتبط بها.
حين تصبح الاستمرارية عبئًا دلاليًا
لقد شاهدنا في فيلم «جرس إنذار» (2024) أن العنوان الإنجليزي (From The Ashes) كان ملائمًا للجزء الأول على نحو واضح، إذ ارتبط دلاليًا بالحادثة المحورية التي بُني عليها الفيلم، وهي حادثة الحريق، بكل ما تحمله كلمة (Ashes) من معنى، بالرغم من اختلاف المعنى الواضح - بين اللغة العربية والانجليزية - غير أن الخلل ظهرَ في الجزء الثاني «جرس إنذار 2: الحفرة»، الذي احتفظَ بالعنوان الإنجليزي نفسه مع إضافة فرعية لكلمة: (The Pit)، رغم أن الحدث المركزي هذه المرة لا يمت بصلة إلى مفهوم "الرماد"، بل يقوم على حادثةٍ مختلفةٍ تمامًا.
أما العنوان العربي، بخلافِ نظيره الإنجليزي، فإنه لا يرتبطُ بنوع الكارثةِ بقدر ما يقترن بلحظة التحذير، وهو ما يجعل الإشكالَ الدلاليَّ هنا مرتبطًا بالعنوان الإنجليزي تحديدًا. ولا يُطرح هذا الأمر من باب التدقيق اللغوي بقدر ما يهدف إلى الإشارة إلى فجوةٍ دلاليةٍ بين العنوان والمحتوى، تجعل الاسمَ أقربَ إلى إرثٍ لغويٍّ من الجزء الأول، أكثر من كونه توصيفًا يخدم الفيلمَ الجديد بذاته. وعليه، لم يعد العنوان هنا خيارًا فنيًا بقدر ما أصبح قرارًا تسويقيًا.
ونظرًا لقدرة المنصات على التسويق، يبدو أن صناع العمل اختاروا الاحتفاظَ بالاسمِ الإنجليزي نفسه للاستفادة من قوة التعرّف البصري والذهني لدى الجمهور. فوجودُ عنوانٍ مألوفٍ يولّد إحساسًا فوريًا بالتعرف على العمل، وهو عاملٌ تسويقيٌّ فعّال، وإن جاء على حساب الدقة.
ويأتي القرار محمّلًا باحتمالين: إيجابيٌّ لمن لم يُعجبهم الجزء الأول، إذ يسهّل عليهم تجنب العمل الجديد، وجاذبٌ لمن أحبوا الفيلمَ الأول، لأنه يعوّل على قدرة التعرف الفوري لدى الجمهور، ويخلق دافعًا لديهم لمشاهدة امتدادِ التجربة السابقة.
الكتابة على افتراض اللامبالاة
يقع الفيلم في فخّ استسهال المشاهد، وهو استسهالٌ يتجلّى بوضوحٍ في رسم الأحداث والوقائع، وكأنهم يفترضون مشاهدةً عابرةً (Casual Viewing)، لا تستدعي إثارةَ الأسئلة أو مساءلةً من الجمهور. وهذا الافتراضُ ينعكس في تفاصيل واضحة، ولعلّ أقربَ مثال عليها مشهدُ الأستاذة وداد، التي أدّتها الممثلة "دارين البايض"، عند اختفاء هبة، بعد إفصاح وداد للمديرة سهام عن رغبتها في البحث عنها، لتنتقل في اللقطة التالية مباشرةً إلى سطح المدرسة - مكان وجود هبة - وتعثرَ عليها بسهولة. والغريب أن الفيلمَ قد منحَ مشهد هبة على السطح زمنًا طويلًا، ليتمّ حسمُ البحث عنها بعد ذلك على نحوٍ سريع، وكأن الغايةَ كانت ملء فجوة زمنية فحسب.
حين يُلقَّن الإحساس
لقد جاءت محاولة ترسيخ الإطار الزمني للفيلم، بوصفه واقعًا في عام 2013، عبر إقحاماتٍ لغويةٍ بدت منفلتةً (Unhinged) أكثرَ من كونها طبيعية، فالاستخدام المتكرّر لكلمةٍ مثل "برب" في مواضع متعدّدة داخلَ الفيلم أتى بشكل محرج، ولم يعكس زمنَ الأحداث بقدر ما وضّح الإسقاطَ المعاصرَ على سياقٍ يفترضُ أنه سابقٌ له زمنيًا، وهو ما كان كفيلًا بإضعافِ المصداقية بدل تعزيزها.
وينعكسُ هذا الارتباكُ على التوظيف الموسيقي كذلك، خصوصًا في المشاهد الكوميدية، حيث تُستخدم نوتاتٌ هزليةٌ مباشرة لتأكيد أن ما يُعرض هو "نكتة"، بدلًا من ترك المجال للمشهد أو الحوار ليؤدي وظيفته تلقائيًا، إلى درجة أن بعض اللحظات أقحمت نوتتين موسيقيتين لإجبار المتلقي على التقاط الـ"إفيه". وهذا الاستخدامُ الإرشادي للموسيقى جعلني أتمنى لو أن الفيلم كان منتميًا إلى حراك الـ(Dogme 95) فقط لأجل حظر الموسيقى المصاحبة له، التي كانت تهدف إلى توجيه إحساس المشاهد، بدل أن تسمح للشعور بأن ينبع من داخل المشهد نفسه، جاعلًا اللحظات أكثر صدقًا وأقلَّ افتعالًا.
ولا يقتصر الأمر على الكوميديا فحسب، وإنما يتكرر هذا الإقحام في المشاهد الدرامية أيضًا، إذ ترتفع الموسيقى أحيانًا إلى مستوى يطغى على أصوات الممثلين، فتتحول من عنصر داعمٍ إلى تدخلٍّ مباشرٍ يفرضُ الإحساسَ فرضًا.
خاتمة تُعيد تعريف الرحلة
مع انحصار الشخصيات داخلَ الحفرة، يتحوّل الفيلم تدريجيًا من عملٍ قائمٍ على الحدث إلى تجربة ترتكز على التفاعل الإنساني البسيط، في مسار يقترب من بنية «نادي الإفطار» (1985 - The Breakfast Club) من حيث الجوهر لا الشكل، إذ تفرض العزلة القسرية داخل مكان واحد على الشخصيات مواجهةَ بعضها البعض. وبهذا المعنى، يقترب الفيلم من نموذج دراما النضوج الجماعية (Ensemble Coming-of-Age Drama)، حيث لا تُروى الحكاية من منظور فردٍ واحدٍ، بل عبر مجموعة متكاملة من الشخصيات الشابة، التي تخوض تجربةً مشتركةً تقود إلى نضجٍ عاطفي وفكري، وتكشف عن التوترات النفسية والاجتماعية الكامنة بينها، بوصفها واحدة من اللحظات اللافتة في الفيلم. ويتّضح ذلك على نحو جلّي مع النهاية المفاجئة والتغيير في أسلوب التحرير وبناء الخاتمة، وهو ما يمنح المشهدَ الختامي أثرًا أقوى ويترك انطباعًا مختلفًا عما سبقه.



