ربما هناك طريقتان للحديث عن فيلم «المجهولة» من إخراج هيفاء المنصور. الأولى، وهي الطريقة المعتادة، تقوم على استحضار قيمة هذه المخرجة السعودية وإنجازاتها ومشوارها الطويل في صناعة الأفلام؛ إذ أنها تعدّ بالفعل أول مخرجة سعودية، بغض النظر عن فيلمها القصير الأول «من؟» (1997)، وما قد يصاحبه من جدلِ الأسبقية. وهي أيضًا المخرجة الأشهر سعوديًا منذ بداية صناعة الأفلام السعودية، إلى جانب كونها المخرجة الأكثر إنتاجية، بواقع خمسة أفلام حتى الآن، في مسيرة امتدت لأكثر من 20 سنة، وهي بالتالي المخرجة الأكثر تجربة نظرًا إلى عملها المتواصل في أمريكا، ما بين إخراج عدد من الحلقات في بعض المسلسلات غير الشهيرة، وفيلمين طويلين أحدهما «ماري شيلي» (Mary Shelley) عام 2017، والآخر لصالح منصة نتفليكس «نابلي إلى الأبد» (Nappily Ever After) عام 2018.
وأخيرا، تعد هيفاء المخرجةَ الأهم والأكثر إنجازًا في تاريخ السينما السعودية، حيث رشّح فيلمها «وجدة» عام 2014 لجائزة البافتا البريطانية لأفضل فيلم غير ناطق بالانجليزية، ثم تمكنت بعد خمس سنوات من الدخول ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان البندقية الدولي عبر فيلمها الرابع «المرشحة المثالية» عام 2019، إلى جانب عدد من المخرجين الكبار من بينهم الياباني كوريدا، والبولندي رومان بولانسكي، والسويدي روي أندرسون، والأمريكي نواه بومباخ. ومن هنا، فإن الطريقة الأولى لن تكون في صالح المخرجة هيفاء عند الحكم على فيلمها الخامس «المجهولة»، الذي كان عرضه العالمي الأول ضمن برنامج (Centerpiece) في مهرجان تورنتو، إذ أن سيرةً بمثل هذا القدر من التألق والأسبقية سترفع مستوى التطلعات إلى فيلمٍ أفضل مما سبق وأكثر نضجًا وعمقًا في المعالجة. غير أننا سنجد في النهاية أن أبرز ما يمكن احتسابه لها في هذا الفيلم هو استمرارية تمكنها الجيد من الأدوات الشكلية في تنفيذ المشاهد من حيث الصورة والتكوين، ولا شيء آخر.
وهذا، بطبيعة الحال، يعود إلى السبب الرئيس دائما وراء الإخفاقات التي تواجهها الأفلام، والمتمثل في ضعف النص، وانقياده إلى قوالب الكليشيه الأمريكي، وجعلها منطلقَ استلهامه في أفلام الغموض والجريمة، متجاوزًا بذلك واقعيةَ المجتمع "السعودي" وطبيعة الإجراءات النظامية وهوية القيم والتقاليد الاجتماعية لصالح حبكة الفيلم. فعمل المرأة مثلًا في قسم الشرطة، وتحركها بشكلٍ فرديٍّ لإجراء التحقيق، ورعاية رئيس المركز لها، هو شيء أمريكي تقليدي للغاية وليس منتميًا إلى طبيعة التقاليد المهنية في السعودية. كما أن طريقة الصلاة على الجنازة بالدعاء لها بشكل جماعي قبل الصلاة، قد بدا وكأنه محاولة أخرى لتوظيف المشهد عاطفيًا بغض النظر عن كونه أمرًا غير واقعي في المجتمع السعودي ومخالف لتقاليده الدينية… وتدور قصة الفيلم حول نوال (تؤدي دورها بشكل جيد الممثلة ميلا الزهراني)، وهي امرأة تعمل في قسم الشرطة، وتحديدا في قسم الأرشيف والرقمنة وتصوير المستندات، في الوقت الذي تشهد فيه البلدة جريمة بشعة، إذ يتم العثور على جثة فتاة مقتولة ومرمية خارج المدينة مما سيُشير على نحوٍ بديهي إلى ما يسمى في العرف بجريمة شرف. وهنا نرى الموظفة نوال تتجاوز كل ما هو متعارفٌ عليه لتُقحم نفسها في هذه القضية، بغية فك أسرار الجريمة والتحقيق وراءها وإعادة الاعتبار لهويةِ الضحية والاعتراف بها، قبل أن يصل الفيلم في النهاية إلى إغلاقٍ متسارعٍ، معتمدًا بشكل تقليدي على ما يسمى بالفلاش-باك. وهو ما يذكرنا بما قاله المؤلف جان بول تورك: «الفلاش-باك هو شيء سطحي، لا يعتمده سوى الكتّاب الكُسالى أو المبتدئون».
وحينما نعيد النظر إلى الفيلم مصحوبين بما نعرفه عن المخرجة هيفاء المنصور، يتضح أنه، على الرغم من تصنيفه كفيلم جريمة وغموض وتشويق، إلا أنه يدور في ذات الفلك الذي تضعُ هيفاء نفسها في مداره: "المرأة"، بما يقتضيه ذلك من تناولٍ لحقوقها ودرجة تمكينها وكينونتها وقضاياها وتطلّعاتها، ولكن بمعالجة سطحية إلى حد ما، ما كان يُفترض استمرار تكرارها، بعد كل هذه التجارب. فالمرأة هنا ضحيةُ فكرةٍ تقليدية متطرفة، واغتيالها وعدم الاعتراف بهويتها هو اسقاطٌ رمزيٌّ تقليديٌّ أيضا، إذ أن هيفاء مازالت تفتقد إلى المعالجة العميقة والصادقة في سرديتها في تناولها لموضوع المرأة، رغم أنها تمتلكُ الكفاءة الإخراجية الشكلية والبصرية الكافية، إضافة إلى صدقها في تبني مواقفها.
وهذا ما سينقُلنا، في النهاية، إلى الطريقة الثانية في تناول الفيلم وقراءته. وهي الاستغناء التام عن أي صلة تربط الفيلم بالمخرج، والنظر إليه بمعزل عن صانعه، على النحو الذي تبناه الناقد الفرنسي رولان بارت في أطروحة "موت المؤلف". وهنا، سنجد أيضا أن الحكم، وبكل أمانة، لن يتغير كثيرًا، وإنما سيرتكز في الأساس على ضعفِ النص من حيث هشاشة الحبكة وتقديمها للمعنى بطريقة فجة ومفتعلة، إلى جانب ضعف الحوارات وسطَ الكثير من التعبير التقليدي "الكليشيهي"، والتخبط في رسم الشخصيات ودوافعها، وكأن الفيلم قد كتب بطريقة عكسية من أجل حبكته ونهايته المفاجئة. وقد صرّح المخرج الفرنسي الكبير روبير بريسون سابقا أن: «الحبكة هي خدعة الروائي».
إذن، ما الشيء الجيد هنا؟ الأمر الجيد يكمن في أن هيفاء لم تفقد لمستها الجمالية وما زالت تمتلك طاقة كبيرة وحيوية لإحداث فعل سينمائي جدير بالتأمل. كما أنها ما زالت تؤمن بالسينما كأداة إشارة وتنويه، حيث تحمل هم قضاياها الخاصة. ولكن، ومن وجهة نظر شخصٍ شاهدَ جميع إنتاجاتها، منذ بداياتها، فإني سأسمح لنفسي بتقديم مثل هذه التوصية: وهي ضرورة العناية بشدة وبطريقة أكثر تريثًا بعملية كتابة نصوص الأفلام، وربما الاستعانة بأشخاص أكثر احترافيةً وتعمقًا في الكتابة. وأما الأمر الآخر فهو أن موضوع المرأة يتجاوز في أبعاده ما يتعلق فقط بقضاياها وحقوقها واجترار ماضيها إلى الحديث عن هويتها ومشاعرها ومستوى تعدد وجودها الاجتماعي كإنسانة وليس فقط كشخصةٍ ملغاة ... وهو ما يذكرني بما تفعله المخرجة الرائعة الاسكتلندية لين رامزي مثلا، وقبلها كبار المخرجات السينمائيات من أمثال البلجيكية آغنيس فاردا وشانتال أكرمان وغيرهن بالطبع.




