لطالما راودني سؤال: «ما الذي يجعل فنانًا يمر كطيفٍ عابرٍ رغم غزارة أعماله، بينما يستقر آخر في وجدان المشاهد وكأنه فردٌ من عائلته، فيتحول إلى نموذج للبطل الشعبي؟»
الحقيقة أن قيمة الممثل لا تُقاس بعدد أعماله فحسب، بل بمدى قدرته على تجاوز الحدود الفيزيائية للشاشة، ليصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجمعية لمشاهديه. ففي الفن العربي، لم يكتفِ «عادل إمام» أو «أحمد زكي» أو «فاتن حمامة» وغيرهم بتجسيد الأدوار، بل تحولوا إلى أساطير شعبية؛ يحملون على عاتقهم هموم مجتمعاتهم وتناقضات عصورهم، ويؤثرون بفنهم في تشكيل الوعي العام. وهكذا أضحوا ظواهرَ ثقافية تتحوّل معها الأدوار إلى مراجع تاريخية واجتماعية تلامس الوجدان من المحيط إلى الخليج، وتمتد بتأثيرها متجاوزةً حدود الوطن الواحد، لتبقى ذكراهم مضيئةً، ويظلّ أثر أعمالهم محفورًا في الذاكرة مهما مرّت السنين.
في هذا المقال نتناول بشيء من الاستفاضة مفهومَ البطل الشعبي ونشأته، وأهم ما يميز مسيرة النجم الجماهيري ليصبح بحق أسطورةً خالدةً في أذهان جمهوره.
البطل الشعبي: من السيرة الملحمية إلى شاشة السينما
لم يكن «البطل الشعبي» يومًا مجرّد شخص يمتلك القوة الجسدية، بل كان في الموروث العربي ذاك الفرد الذي يجسد قيم الجماعة وأحلامها في تحقيق العدالة والانتصار على الظلم. وقد بدأت هذه الفكرة مع السِيَر الشعبية القديمة مثل: سيرة بني هلال، والظاهر بيبرس، والزير سالم، وأبو زيد الهلالي، وعنترة بن شداد وغيرهم؛ حيث كان البطل جزءًا لا ينفصل عن قبيلته أو مجتمعه الصغير؛ فهو منهم، يُخطئ ويصيب، ولكنه يظلّ يحمل همَّ الجماعة التي ينتمي إليها ويشعر بالمسؤولية تجاهها.
ومع ظهور السينما في مطلع القرن العشرين، انتقلت هذه الروح من «الحكواتي» في المقاهي إلى «الممثل» على الشاشة، ليصبح ذلك البطل صورةً حيةً من لحم ودم، نراه على الشاشات ونتفاعل معه، فيتحول «النجم» من مجرد مؤدٍ للأدوار، إلى وريث شرعي لهؤلاء الأبطال الأسطوريين.
الفنان صنيعة الواقع: تأصيل ظاهرة «النجم العربي»
وكما يرتبط مفهوم البطل الشعبي في وجداننا بصفاتٍ مثل الشجاعة والإقدام والصدق، فالمواطنُ العربي لم يكن يبحث في النجم الذي يمثله عن «الكمال» بمعاييره الغربية، بل كان يبحث فيه عن «الأصالة»، فكلّما كان النجم يشبهه كان أقرب إليه، وآمن بأنه يمثّله ويتحدّث باسمه. فالعلاقة بين النجم وجمهوره في السياق العربي هي علاقة تماهٍ ومواءمة، لا تحتمل الحواجز التي تضعها الثقافة الغربية حول نجومها الأسطوريين بوصفهم شخصيات لا تُقهر؛ بل إن العظيم في بطلنا العربي أنه «إنسان» يشبه جمهوره تمامًا، كما أننا نُسقط على ذلك البطل الشعبي رغباتنا المسكوت عنها، ونرى فيه الشخص الذي يجرؤ على قول «لا» في وجه السلطة أو الجمود الاجتماعي، تمامًا كما كان يفعل أبطال الحكايات القديمة، فيتحوّل النجم إلى مرآة الشارع وضميره.
وهنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: هل يختلف مفهوم «البطل الشعبي» في السياق العربي عن مفهوم «النجم السينمائي» في الدول الغربية؟
من وجهة نظري، أرى أن الأمر يتعلّق بتركيبة الشعوب العربية التي تحركها العاطفة بطبعها، وتاريخها القائم على قيم العائلة والوحدة والترابط؛ فمفهوم صناعة النجم في الغرب يعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على الربح المادي كصناعةٍ ضخمةٍ يُخطَط لها لسنوات، وتحاول تقديم الصورة المثالية للبطل الوسيم مفتول العضلات، والبطلة ذات الأنوثة الفاتنة، بلا عيوب أو زلات.
بينما في السياق العربي نجد الأمر مختلفًا؛ فالبطل هنا يُخطئ مثلنا تمامًا، ويمر بلحظات ضعف وانكسار، لكن ما يميزه أنه يتماس مع دواخلنا ويتحد مع همومنا، بطلٌ يستطيع امتصاص نبض الشارع وترجمته على الشاشة.
عبقرية التماهي وتحول الصدق الفني إلى عقد اجتماعي مع الجمهور
لعل التوحّد العاطفي هو أحد أهم العناصر التي بُني عليها مفهوم البطل الشعبي؛ فالنجم الجماهيري – أو الأسطورة الشعبية إن جاز التعبير– لم يجسد دوره التمثيلي ببراعة فحسب، بل جسد أحلام ومخاوف أبناء شعبه في حقبة زمنية محددة، وهنا يكمن السر. كذلك الأمر بالنسبة للصدق والأصالة في الأداء، وهنا لن نغفل عن الإشارة إلى أهم من نجح في هذا الأمر على مستوى الوطن العربي، وهو النجم «أحمد زكي»، الذي استطاع بصدقه أن يتقمص الشخصيات التي قدّمها ببراعة تجعلك تؤمن بأنه هو ذاته الشخصية، وليس ذاك الفنان الذي نعرفه. وقد استطاع الجمع في أعماله بين عُنصرَيْ الانصهار والصدق بصورةٍ تبهرك في كل دور يقدمه؛ بتنوعه الفريد بين: المجند البسيط، والضابط المتغطرس، والسياسي البارز، والشاب الكادح الذي يحلم فقط بالزواج من فتاة يحبها؛ فهو هنا يعبر عن هموم طبقته، ويمثل صورةً حيةً للمهمشين في مجتمعه بواقعية شديدة.
وعلى ذكر الواقعية، لا يمكن إغفال دور مخرجين بارزين شكلوا تيارًا هامًا عُرف بـ «الواقعية الجديدة» في مصر في ثمانينيات القرن الماضي، أمثال: «عاطف الطيب» و«محمد خان»؛ فقد ساهموا في صناعة تلك الأساطير بانغماسهم في مجتمعهم وفهم دواخله، وكانوا محطاتٍ فاصلةٍ في مشوار عدد كبير من النجوم.
الثورة على الصورة النمطية: الممثل كقوة تغيير اجتماعي عبر الزمن
لقد كان تجاوز حاجز الزمن أيضًا من العناصر التي ساهمت في تشكيل هذا المفهوم؛ فتأثير النجم الشعبي لا يتوقف عند حدود المكان والزمان، بل يمتد لعقود، ويتحول مع الوقت إلى قوةٍ لا تؤثر في المشاهد فحسب، بل تُغير الواقع في حد ذاته.
ولعل من أبرز هذه النماذج سيدة الشاشة العربية «فاتن حمامة»، التي ناصرت المرأة العربية وتحولت إلى رمزٍ مُعاصر للمرأة المناضلة، التي تسعى للتحرر من قيودها والبحث عن حقوقها؛ حيث ساهمت بعض أعمالها، مثل فيلم «أريد حلًا»، في تغيير قوانين الأحوال الشخصية لتناسب الوعي الجديد بالقضايا التي طرحتها. وهنا امتد التأثير من مجرد الطرح الوجداني في عقول المشاهدين، ليصبح تأثيرًا ماديًا يغير واقع الجمهور ذاته.
كما شاهدنا مواقف مختلفة لنجوم مثل: «نور الشريف» أو «عادل إمام» تجاه بعض القضايا السياسية الشائكة، أو في مواجهة الإرهاب والتطرف، حيث ظلّ حضورهم هو التأثير الطاغي والفارق، ثائرين على الصورة النمطية للممثل التي تضعه في إطار «المؤدي» لا «الفاعل».
البطل الذي لا يموت: كيف تجاوز الممثل حدود الشاشة
في مفهوم النجم الشعبي لا يتوقف الممثل عن كونه مجرد فنان، بل يصبح أيقونةً اجتماعية، وأسطورة حية تبقى بيننا رغم رحيل أصحابها منذ زمن بعيد؛ فهو بتأثيره العميق، يستطيع التعبير عن معاناة أبناء وطنه، وطرح قضايا مجتمعه بكل إخلاص وجرأة ووعي.
وليس هذا فحسب، بل يمكننا القول بأن «النجم الشعبي» هو نجمٌ يشبه جمهوره؛ ولا أقصد هنا الشبه في الملامح وتقاسيم الوجه أو في هيئته وتفاصيله الشخصية فقط، بل الشبه في اتصاله بالأرض وبهم، وفي أصالته وتفرده تمامًا مثلهم، وبروحه التي تشبه أرواحهم. فيدرك حزنهم ويفهمه، ويفرح لفرحهم ويتفاعل معه؛ حيث ما يحزنهم يحزنه، وما يفرحهم يفرحه، فهو لا ينفصل عنهم جسديًا ولا وجدانيًا، بل ينخرط داخل الجمهور، ويصبح هو ممثلهم، وخير من يعبّر عنهم وعن أفكارهم وهمومهم وأحلامهم.
فلا نتعجّب حينما نرى الجمهور يرقص ويغني مع «عادل إمام» وهو يرتدي السروال والسترة «الجينز» مثلهم، ولا يصبح غريبًا حينما نتابع مشهدًا من فيلم لـ«عاطف الطيب» يضم مجموعةً من المواطنين العاديين، ونكتشف بعد مرور بعض الوقت أن «أحمد زكي» كان يقف بينهم دون أن نلاحظه؛ وهنا تكمن البراعة في الانخراط بين الناس، أن يذوب بينهم دون أن نشعر بغرابته أو اختلافه عنهم، لذلك لا يجدون بينهم وبينه أي حاجز أو فاصل، فتنصهر الهالة الشخصية للممثل، وتغوص داخل الشخصية الدرامية التي يجسدها في علاقة شديدة العمق.
تأثير البطل الشعبي في السينما المصرية الممتد عبر العصور
تعدّ التجربة المصرية الأكثر ثراءًا في هذا الإطار، والأسباب متعددة منها: النشأة المبكرة منذ عشرينيات القرن العشرين، والإنتاجات الضخمة على مدار عقود، وكذلك اللهجة المصرية بتنوعها، التي ساعدت على انتشار هذه الأعمال في علاقة تبادلية؛ كل ذلك أفرز أجيالًا من الفنانين الذين حفروا أسماءهم كأبطال ونجوم جماهيريين على المستوى العربي والإقليمي، منذ بداياتها مع: «علي الكسار»، «نجيب الريحاني»، و«إسماعيل ياسين»، مرورًا بأحد أهم النجوم الذين ينطبق عليهم مصطلح النجم الجماهيري أو الشعبي وهو الزعيم «عادل إمام».
فنحن إذا تأملنا مشوار "إمام" يمكننا ببساطة ترجمة اختياراته، وكيف كانت تعكس التحولات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية في مجتمعه، وكيف استغل الكوميديا لتمرير النقد، فكان صوته الساخر هو الأقوى والأصدق في وجه البيروقراطية والجمود. وذلك الطرح الذي قدمه في أفلام مثل: «الإرهاب والكباب»، و«الحريف» وغيرها، كان أصدق تعبيرٍ عن حال المواطن البسيط المطحون في دائرة الحياة اليومية، والذي لا يبحث عن شيء سوى العيش بسلام، في مجتمع يحبه ويحترمه.
تنوع الأساطير العربية وخصوصية البطل الشعبي: السعودية وسوريا نموذجًا
إن انعكاس الخصوصية في الوجدان العربي كان له أثره، فليس تأثير التاريخ والانتشار أو اللغة وحدهم من يصنعون البطل الشعبي، بل مدى تأثره وتشبّعه بتجربة وطنه، وانخراطه في قضايا مجتمعه، وتناولها بصورةٍ صادقة وعميقة دون انفصال عنها، فالبطولة الشعبية ليست قالبًا واحدًا، بل هي كائن حي يتنفس برئة البيئة التي يخرج منها.
ونرى ذلك النموذج في المملكة العربية السعودية، التي قدّمت عددًا من الفنانين الذين أصبح لهم ذلك التأثير الخالد على جمهورهم، ومنهم الفنان «محمد العلي»، الذي يعد من مؤسسي الدراما والمسرح في المملكة، ومن أساطير الفن الخالدة فيها.
إلى جانب فنان آخر، يعدّ نموذجًا للبطل الشعبي في المملكة، وهو «ناصر القصبي»، الذي استطاع عرض قضايا مجتمعه بأسلوبٍ كوميديٍ ساخرٍ، كان فيه ذلك القدر من خفة الظلّ والصدق في الطرح، منذ بدايات ظهوره في ثمانينيات القرن الماضي، كما برع في رصد التحولات الاجتماعية، وتجسيد الهوية المحلية في مسلسله الكوميدي الشهير «طاش ما طاش»، والذي شاركه فيه الفنان «عبد الله السدحان»، الذي يعتبر كذلك أحد المؤثرين بقوة في الفن السعودي. فهذا الثنائي يمثل أساطير الدراما التي شكلت ذاكرة جيلٍ كاملٍ، ليس فقط بين الجمهور السعودي، بل والجمهور العربي بشكلٍ عام.
وما يميز «القصبي» كفنان شعبي، هو قدرته على طرح الموضوعات في الأعمال الدرامية الجادة أيضًا، لا الساخرة فحسب؛ مثل: مسلسله «العاصوف» الذي قدم فيه التغيرات التي طرأت على المملكة منذ السبعينيات، والتحولات الفكرية للمجتمع، وذلك بجرأةٍ وواقعية شديدة، وطرحه لموضوعاتٍ حيوية مثل: قضايا المرأة، التطرف، والبيروقراطية وغيرها؛ فذلك النقد الداخلي الجريء هو ما جعل له مكانةً مؤثرةً، ليصبح بطلًا شعبيًا بمواصفاتٍ سعودية خالصة.
وعند ذكر الأسطورة الشعبية العربية لن نغفل نجم الكوميديا الساخرة الفنان السوري «دريد لحام»، وشخصيته الشهيرة «غوار الطوشة»، وكيف كان دوره في نقد الواقع الاجتماعي الذي يجمع الشعوب العربية بشكلٍ مشترك منذ ستينيات القرن الماضي، حيث كان «غوار الطوشة» يمثل المواطن السوري المقهور في مواجهة البيروقراطية والنفاق الاجتماعي، والظروف الاقتصادية الصعبة التي تخص منطقة الشام، وكان صوته حادًا ومباشرًا في نقد القضايا السورية والقومية.
وفي تلك التجارب ترسيخٌ لفكرة النجم الأسطوري والشعبي لمجتمعه، الذي تجاوزَ تأثيره حدود وطنه، وصار له متابعون ومحبون في مجتمعاتٍ أخرى، فبات ينطلق من قضايا شديدة المحلية والخصوصية، ويصبح محط إعجابٍ ومتابعة من الجميع.
الذاكرة الجمعية والموروث الثقافي
من الأمور الأخرى كذلك التي تميز النجم الشعبي أو أسطورة النجم الجماهيري، هو قدرته على احتلال جانبٍ رئيسي من حياة جمهوره؛ فنراهم يحفظون عباراته الشهيرة، ويقلدون بعض حركاته في حياتهم اليومية، ونلمح كيف أن الأجيال الجديدة التي لم تعاصر ذروة نجوميتهم، لا تزال تتأثر بأفلامهم وتعتبرها من الكلاسيكيات. وحتى بعد رحيل النجم، فإننا نكتشف أن ذلك لا يطمس بريقه، وإنما يرسخ لأسطورته ويحوله إلى موروث ثقافي خالد، وجزء من وجدان وطنه.
فهؤلاء النجوم لم يؤرخوا الفنَ فحسب، بل أصبحوا مؤرخين لمجتمعهم، ونجحوا في جعل الأجيال الجديدة تستمر في الاستناد إلى هذه الأساطير كموروثٍ ثقافيٍّ لها.
ويكمن خلود أسطورتهم في أنهم منحوا الجمهورَ إحساسًا نادرًا بالانتماء والتوحد، فجعلوا الفن مرآةً حية للضمير الجمعي.
كما يتجلّى استخدامهم للكوميديا أحيانًا كسلاح للوعي وتمرير النقد، باعتبارها صمام الأمان لكل متمرّدٍ وناقد، فكان لها تأثيرها العميق مع أساطير عربية مثل: «عادل إمام»، «محمد صبحي»، «ناصر القصبي»، و«دريد لحام» وغيرهم، فالضحك قادرٌ على تجاوز الخطوط الحمراء تحت عباءته، وهو ما يمنحه نفوذًا لا يمتلكه أي سياسي أو كاتبٍ مُخضرم من أبناء النخبة.
ورغم تغيّر وسائطِ الإعلام وصعود نجوم الجيل الجديد عبر منصاتِ التواصل، تبقى معادلة صناعة الأسطورة ثابتة، فالبقاء ليس للأكثر شهرةً، بل للأكثر صدقًا وتأثيرًا. لهذا فإن إرثهم باقٍ وخالد، ولا يقتصر ذلك على الأرشيف السينمائي فحسب، وإنما يتعدّاه إلى المكان والمدينة، إذ يظلّ محفورًا في ذاكرة الشارع، كشواهد حية على قوة الفن في تشكيل هويتنا الجماعية.




