وبعد مضيّ عدة أيام على غياب الاضطراب الذي خلّفته هزّة داخلية أعقبت مشاهدة فيلم «هامنت»؛ تحفة كلوي تشاو السينمائية، المقتبسة من رواية لماغي أوفاريل، انفرجت شفتاي عن ابتسامة صفراء، وخفّ العبوس. وفي لحظة صفاء، ومن دون أي تأثّر ظاهرٍ، عادت إلى مسامعي عبارة جيروم سالينجر: «تستطيع ضرب أبي بكرسي دون أن يستيقظ. أما أمي، فما عليك إلا أن تكحّ في أحد أنحاء سيبيريا حتى تسمعك». وهذه الصفة هي السمة التي بدت لصيقة بأمّ هامنت «آغنيس» قبل حتى أن يحين موعد ولادتها لابنها الذكر.
يبدأ الفيلم بمشهد لأغنيس وهي منكفئة على ذاتها في رحمِ غابةٍ يتشابك فيها العليق واللبلاب، مؤكدة بسلوكها على سِمة يتسم بها الحيوان الطريد صاحب الآذان المستنفرة، وكل المخلوقات التي تستطيع التنبؤ بوقوع الزلازل. لقد قضت سنوات من الترابط العصبي والهرموني مع طبيعةٍ جعلتها تفرّق ما بين صليل الماء وخريره، وبين همس الغابة وحفيفها، حتى اتُّهمت بالشعوذة كوالدتها، من شدة حساسيتها المتنامية.
وكأيّ قصة حبٍّ عاديّة تُنذر بأمرٍ فاجعٍ وكارثيّ، يلتقي العلم بالجهل؛ وأعني بذلك لحظة التقاء آغنيس، الفتاة الصَقَّارة، التي يقف على ذراعها طائر عوسق، بالمسرحي شكسبير المغرم بها، الذي يستقي جرأته من شخصيات مسرحياته طول الوقت؛ من بداية الفيلم وحتى نهايته.
وبعد أيّامٍ طوال من المقابلات، والتأمل المتواصل لها من نافذة المدرسة، تبدأ الليلة الأولى من تعلّقه بها مُخضَلّةً بالوجد، يكتب فيها بشاعرية مستفيضة، مستلهمًا من علاقته الرومانسية بها قصةَ «روميو وجولييت»، وعلى لسان روميو يخاطب آغنيس فيقول: «مهلًا، ما هذا النور الذي ينبعث من تلك النافذة؟ إنّه الشرق، و«جولييت» هي الشمس. أشرقي، أيتها الشمس اللطيفة… اقتلي القمر الحسود!»، ليتقدّم إلى خطبتها في اليوم التالي، مدفوعًا برومانسية روميو الهوجاء، معبّرًا عن تحدّيه لعائلته، ومتحايلًا على عائلتها في الوقت نفسه.
وقد كانت آغنيس، في وعيها المتّقد، تدرك أن زوجها المستقبلي يترجم حبّه بالقصص، ويُفصح بها عن مخاوفه الحاضرة والمخبوءة، كالقصة الأولى التي قصّها لها عن أورفيوس حين طلب من القدر استعادةَ حبيبته يوريديس بعد موتها، فوافقت الآلهة بشرطٍ قاسٍ: ألّا يلتفت إليها حتى يبلغا عالم الأحياء، وذلك خشية أن يفقدها مرةً أخرى. وفي اللحظة الأخيرة، وقبل الوصول إلى النور، تملّكه الشك: هل هي فعلًا خلفه؟ هل ما زالت حيّة؟ وعندما التفت ليُطمئن قلبه الخائف، خسرها فورًا.
وفي إدراك آغنيس لهذا الخوف تحديدًا، قرّرت طمأنته في ليلة زفافها بقولها: «انظر إليّ!»، وكأنها تعده بأنها ستسير خلفه في الحياة والممات. وهو تلميحٌ إلى فطنتها، التي يمكن لمسها منذ تلك اللحظة الفارقة وحتى نهاية الفيلم، حين أدركت أن مشاعره لا تخرج إلا بهذه الطريقة.
وهكذا تمضِي الأيام وفقَ رزنامة الفيلم، وتتلاحق الليالي ذات المنغّصات الباردة كالنصل، وكأنّ حسدَ القمر -بسبب تشبيه جولييت بالشمس الذي ورد على لسان روميو- مجازٌ شعريٌّ تحوّل إلى نذيرِ شؤمٍ بدأ يتحقّق ببطء، وكأنّ وجود القمر في كبد السماء قد غدا لعنةً لا مفر منها. فنرى ليلة ندم شكسبير على ضربه لوالده، ثم ليلة استحضار آغنيس وفاة والدتها أثناء الإنجاب.
ومثل فاصلٍ نهاريٍّ أشبه بنبوءات آغنيس، يأتي ميلادُ هامنت وجوديث في الغداة، لأن رؤاها أشبه بما ذهب إليه ابن سيرين، في التفرقة بين رؤيا النهار والليل، حين قال: «لكل رؤيا وجهان، وجه يدلّ على الخير، ووجه يدلّ على الشر، يُعطى الصالحون أحسنهما، ويُعطى الظالمون أقبحهما، ورؤيا النهار أقوى من رؤيا الليل». فلذلك كانت تؤمن حقّ الإيمان بتحقّق رؤاها النهارية، ليخالفها القدر، عطفًا على أمومتها الصالحة، فنشهد فاصلًا سعيدًا يتجسّد فيه التوأم في لحظة شقاوة بريئة، تتقاسمها الضحكات، ويحتويها دفء البيت.
ثم يستأنف القمر خسوفه دون أن يكون مخسوفًا، في عَشِيّةٍ تعتذر فيها آغنيس عن مرافقة زوجها إلى لندن بحجّة حلول الخريف، لتمهّد للوداع الأخير بين الأب وابنه، وداعٌ بلغةٍ بصريةٍ مؤثرة، حصل عند زاوية المنزل، كحبلٍ اشتدّ طرفاه حبًّا، فقطَعته حدّة الجدار.
ولأنّ الليل ساحرٌ، يبدع في خدعة تحويل الهمّ من قطنةٍ صغيرة إلى وسادة، وتحويل الحمّى البسيطة إلى طاعون، والطاعون إلى موتٍ لا يفرّق بين الصغير والكبير، تُصاب جوديث بالحمّى، فيقدّم هامنت إيثاره صامتًا، كأنه يمتصّ المرض عنها، على شاكلة قديسٍ عابرٍ كُتِب عليه الفناء، مثل جون كوفي في فيلم «الميل الأخضر» (1999 - The Green Mile)، غير أنّ هامنت لا يملك قدرة التخلّص مما ابتلعه، لا يتقيّأ العلّة، ولا يراوغ الموت، فيستقرّ فيه المرض وتنجو جوديث.
فتحاول الأم إنقاذه بمحاولاتٍ مستميتة، مستخدمةً كل دواء علّمته إيّاها أمّها الغابة، مخذولةً من النبتة الأقدم التي شاعَ أنّها قادرة على هزيمة السمّ والخَوَر والرعب المتربّص بالأرض.
ولو شُبِّهت أغنيس بأمٍّ من زمننا، لبدت أمًّا تميل إلى الطبّ الشعبي أكثر من العلمي، وإلى التقارب الاجتماعي بدل التباعد الذي سادَ لندن بوصفه إجراءً غير دوائيٍّ لمكافحة العدوى. وقد كان شكسبير يقيم آنذاك في مدينة لندن، فيما كان الأطباء يرتدون أقنعة الطاعون ذات المناقير المحشوّة بالقرنفل والكافور والمُرّ وما إلى ذلك، وتشيع طقوس التطهير والحرق بوصفها وسائل وقاية، بينما بدت القرية التي آثرت الأم البقاء فيها بلا إحاطةٍ بالإجراءات الاحترازية. ولعلّ الكمدَ الذي تشكّل لديها تضاعف بسبب اتصاله بالجهالة، إذ لم يكن حزن الفقد وحده ما يثقلها، بل وعيها المتأخر بأن الجهل كان شريكًا فيه، كعدم تبصّرها بمصير ابنها، والاحتجاب المربك لظواهرَ طوَّحت بها ولم تستطع تأويلها، كالنحل الذي كانت تربيه برفقة أخيها، حين ولّى عن مستعمرته (خليّته)، وقرّر أن ينتقل إلى أعلى الشجرة، كما لو أنّه رسالة تحرّض على هجرةٍ ما، أو إنذارٌ بالفرار من أمرٍ جلل، فاستحال الألم لومًا للذات، وانفجر في صرختها الساخطة.
لقد كان تعلّق آغنيس بابنها يبدو في بعض الأحيان امتدادًا لتعلّقها بوالده، إذ حضرَ هامنت معوّضًا غيابَ الأب، حاملًا طباعه الشكسبيرية: حسًّا شاعريًا تأمليًا، وروحًا خفيفة تميل إلى الدعابة. كفّه، مثل كفّ والده، عصيّ على القراءة؛ وحتى حين حاولت قراءته، جاءت قراءتها ادعائية، إذ ادّعت أنّها رأته كبيرًا يعمل مع والده في لندن داخل المسرح، ولم تستطع تخيّل واقعٍ آخر، خصوصًا بعدما صرّح برغبته في أن يكون أحد الممثلين الحاملين للسيوف. لذلك ارتبط تأثّرها برؤية «هاملت» لاحقًا على الخشبة بأمنية ولدها المؤجّلة.
الأمنية التي أودعها في قلب روح عوسق أمّه الراحل، أثناء تجوّله في عالم البرزخ -بعد خروج روحه من جسده الأزرق الذي عانى ويلات سكرة الموت- كانت أمنيةً يتيمة: ألّا يُنسى، ليشاهد والده الطائرَ، الذي نجح في إيصال الرسالة التي خَلَّدت هامنت ليصبح هاملت.
وبعد هذا الربط الأخير راودني هذا السؤال: كيف يموت الطفل الشكسبيري وهو صغير؟
والجواب: كأن يغفو المرء في طفولته على كنبة غرفة المعيشة، ويصحو في غرفة نومه، دون أن يتذكّر الذراعَ التي حملته أثناءَ موتته الصغرى؛ شعاع مجهرٍ للعين، رمصٌ يراكِمه القدر ليؤخّر من وضوح الرؤية. روح لا تشعر بتخفّفها من الجسد ولا بثقل الخواء من حولها، وأرض متروية تزداد مغناطيسيتها بالتزامن مع تسرّعه في التحصّل على الإجابة.
هكذا أتخيّل فناءَ الأطفال النبهاء الذين ولدوا بعاطفة لعينة سبقتهم في النضج، كفناء هامنت المحتار تمامًا، في مشهد الغرفة المفرغة والباب المظلم من خلفه. يشعرون -دون يقين تام- بغياب مشهد، يبدو كأنه حُذف بسبب قسوته، كأن يقول أحدهم بفضول: «لا أتذكر لحظة احتضاري». تلطفٌ إلهيٌّ ينسيهم العناء ويُخضع الذاكرة والجمادات، ليمهّد لوصولهم إلى الضفة الأخرى مبكرًا، امتصاصًا لهول الصدمة.
يُساقون للمرة الأخيرة، حيث كانت أرجلهم تتطاير بلا حذر، على أرضٍ موحلةٍ لا تلوّث قدمَ واطئِها، حيث تعلّقت أفئدتهم المفطورة بموضع الأم في المطبخ دون أم، ومكتب الأب بلا أب، وسرير الأخت المحمومة بلا أخت مستلقية عليه، وصولًا إلى حبل الغسيل في الفناء، حيث وشاح الجدة الذي يخفق مع الريح، بلا صوتٍ وبلا شذى لرائحته.
ونحو عالمٍ مسرنمٍ يُداهم فيه نهارُ المصارحة حلكةَ الليل، كأن يزداد سطوع لوحات الفنان جيرارد فان هونثورست، حيث تُطفأ كافة شموعه المرسومة بدقة بداخل عتمته القلقة، المضاءة بغرض رسم اضطراب ليلة انقضت بوفاة إنسان غادر معذبًا بأسقام الحياة أو مات بالطاعون!
وهكذا هي مسرحية الحياة، تضاء الأنوار مع إسدال الستار بالتزامن مع لهاث العاطفة المتصاعد، لنستوعب، بعد التجاوز السينتمنتالي (Sentimental)، عظمةَ ما شاهدنا، بمعزلٍ تام عن الموسيقى التصويرية، البريئة من الأنوف التي أزكمت، والصفير المنبعث منها، ومع تصفيقٍ يتضاعف، وانحناءةٍ مسرحيةٍ متخيَّلة تؤدّيها جيسي باكلي التي قدّمت أداءً أسطوريًا. إلى جانب ابنها في الفيلم جاكوبي جوب، الذي رأى الجميعُ في ملامحه صورةً لابن من أبنائهم. ودون أن نغفل ذكر بول ميسكال الذي قدّم أداءً عظيمًا، متزنًا وعميقًا، جسَّدَ ثقلَ الفقد بصمتٍ صادقٍ، لتتكامل الأدوار العائلية في بناء تجربة إنسانية متماسكة، حيث تتجلّى القوة في القدرة على الاحتواء. إنه عمل يشاركك وعثاءَ الانعتاق، وتنسكب عبره الأحزان بهدوء، حتى يبلغَ أثره كتحفةٍ شعورية مكتملة من الأسى، تلازمك كحازوقةٍ تصيب طفلًا ولا يستطيع الفكاك منها.



