فيلم «هامنت» ليس مجرد اقتباسٍ سينمائيٍّ لرواية ناجحة، ولا محاولة لإعادة قراءة سيرة شكسبير من زاوية مختلفة، بل هو فيلم عن المسكوت عنه من التاريخ، وعن الأرواح التي عاشت في ظلّ هذا الضوء الساطع للعبقرية، وعن الألم الذي لم يكتب، لكنه شكّل الكتابة ذاتها.
لا يتعامل الفيلم مع الفقد كحادثة، لكن كحالة ممتدة، كتشقق في الزمن لا يلتئم، معيدًا بذلك تشكيلَ الحياة من حوله ببطءٍ مؤلم. يفرض الفيلم إيقاعه الخاص منذ الدقائق الأولى، إيقاع لا يلهث وراء الأحداث، ولكن يتأمّلها ويقترب منها بحذر، وكأن الكاميرا نفسها تخشى أن تجرح الشخصيات أكثر مما جُرحت. هنا، لا وجود لأي مسعى لخلق إثارة عاطفية مباشرة، وإنما هي دعوة صامتة للمشاركة في الحزن، للجلوس لبرهة داخله، وعدم الاكتفاء بمشاهدته من الخارج.
أغنيس، أو المرأة بوصفها عرّافة
تبدو شخصية أغنيس، التي تؤديها ببراعة جيسي باكلي، امرأة لا تفهم العالم عبر الكلمات، وإنما عبر الإحساس والحدس وعلاقتها العضوية مع الطبيعة، كأنها كائن يسبق اللغة. تنتمي أغنيس إلى الغابة رغم أنها لا تعيش فيها، فنشاهدُها برفقة الأشجار وهي تتنفّس بكل هدوء، وكأن الهواء من حولها ليس فراغًا بقدر ما هو وسيطٌ روحي.
تمثّل الغابة هنا نظامًا بديلًا للمعنى، عالمًا لا تحكمه القوانين الاجتماعية أو الأدوار المفروضة، بل تحكمه دورات الحياة والموت في سريانها وتعاقبها الطبيعي. حين تدخل أغنيس الغابةَ، يبدو وكأنها تعود إلى لغتها اﻷصلية؛ لغة أثيرية لا تُرى ولا تحتاج إلى تفسير. هذا الارتباط القوي مع الطبيعة يجعل فقدان ابنها حدثًا مهولًا يتجاوز طبيعةَ الفقد العاطفي، ليغدو أقرب إلى اختلالٍ كونيّ، وكأن توازن العالم بأسره قد اختل لوقع هذا الحدث الأليم.
أما الصقر الذي يلازمها خلال أحداث الفيلم، فهو ليس استعارةً مباشرةً تُفرض على المشاهد، وإنما رمز يكتسبُ معناه تدريجيًا من خلال حضوره المتكرر. يمثّل الصقر الرؤيةَ العلوية، والقدرة على رؤية الألم دون الغرق فيه، والتحليق فوق الجرح دون إنكاره. بالنسبة لأغنيس، فإن الصقر هو انعكاسٌ لما تتمنى أن تكونه: أنثى حاضرة لكنها غير محاصَرة، ومتألمة لكنها غير مقيدة. في لحظات الصمت التي تجمعها بالصقر، نرى الزمن وكأنه يتوقف. هذه المشاهد لا تخدم السرد التقليدي، لكنها تخدم معنى أعمق، يمثل الحالة النفسية للشخصية. يغدو الصقر هنا وسيطًا بين الأرض والسماء، بين الحياة اليومية والفقد الماورائي إن صح القول، بين الأم التي خسرت، والمرأة التي تحاول الاستمرار دون أن تخون حزنها.
الفقد كتجربة قاسية تهز روح الأم
يعالج «هامنت» الفقدَ من زاوية نادرًا ما تُمنح حقها كاملاً، ألا وهي زاوية حضور اﻷم. فأغنيس لا تعيش لحظة فقد واحدة، بل سلسلة طويلة من الفقد: فقد الطمأنينة، وفقد الإيقاع اليومي، وفقد الإحساس بالمعنى أيضًا. يستعرض الفيلم هذه التجربة بتريث ودون عجالة أو اختزال. فنرى الأم في لحظة الانهيار وما بعدها، إلى جانب التفاصيل الصغيرة التي تغدو فجأة موجعة.
أما بالنسبة للفراغ، فنشاهده متجليًّا في غرفة الطفل، في غياب صوته، وأشيائه التي لم تعد تُستخدم. لا يُعرض هذا الحزن كدراما، بل كحياة يومية قد تغيّرت ملامحها. لا يعتمد أداء جيسي باكلي هنا على الانفجار العاطفي، بل على الانكماش الداخلي، على الألم الذي لا يجد طريقه إلى الخارج.
الأب الغائب أو مخاض الحزن المؤجل
في المقابل، يُقدم الأب، «وليم شكسبير» والذي يجسده بول ميسكال، بوصفه الطرفَ غائبَ جسديًا أثناء الفقد، لكنه يعود لاحقًا محملًا بثقل الذنب وبُعد المسافة. غيابه ليس إدانة أخلاقية، بل توصيف إنساني دقيق لكيفية اختلاف الحزن حين لا يُعاش في لحظته. فالأب لا يرى الموت، بل يسمع عنه، ويصل إليه متأخرًا، وهذا التأخير يخلق فجوة لا يمكن ردمها. لذا يغدو حزنه حزنًا فكريًا، متشظيًا، يبحث عن معنى أكثر مما يواجه الألم مباشرة. يرسم الفيلم هذه الثنائية بذكاء: أم غارقة في التجربة، وأب يحاول فهمها من الخارج، وفي هذا التباين تنشأ مسافة عاطفية موجعة بينهما.
وهنا لا بد من الإشادة بأداء «بول ميسكال» الخارق في إجادة التعبير عن هذه الحالة العصية على الوصف، إذ أن أحد أعظم إنجازاته هو رفضه لفكرة أن الفن "يشفي" بالمعنى السطحي. فالفن هنا لا يمحو الفقد، ولا يعيد ترتيب العالم، بل يمنح الألم شكلًا يمكن احتماله. لا تُقدَّم الكتابة والمسرح والخيال في سياق الأحداث كتعويض، بل كاستجابة إنسانية ضرورية أمام ما لا يمكن إصلاحه. يقترح الفيلم أن الفن يولد من الحاجة، لا من العبقرية وحدها. فهو فعل نجاة، ومحاولةٌ لترتيب الفوضى الداخلية، وإعطاء الألم اسمًا دون إلغائه. بهذا المعنى، يصبح الفيلم تأملًا في كيفية ولادة الإبداع من رحم الجرح، دون أن يكون إنجازًا منفصلًا عن الحياة.
اللغة الموسيقية الأبلغ من أي صرخة
يقوم اﻷسلوب البصري للفيلم على البطء والتأمل واحترام المسافة، فالكاميرا لا تقتحم، بل تنتظر. وتسمح اللقطات الطويلة للمشاعر أن تتشكل تدريجيًا بدلًا من أن تُفرض. بينما يخلق الضوء الطبيعي، وتغير الفصول، وحضور الطبيعة المستمر إحساسًا بأن الزمن نفسه يغدو شخصيةً مستقلة في الفيلم.
إن هذا الخيار الجمالي ليس محايدًا بل هو موقف يرفض الاستهلاك العاطفي، كما يرفض اختزال الحزن في لحظات مؤثرة سريعة. ويقدم بدلاً من ذلك تجربة مشاهدة تتطلب صبرًا، لكنها تكافئه بصدق نادر.
أما الموسيقى، فقد بلغت ذروتها عند أهم مشهد في الفيلم: النهاية، وهو أول عرضٍ أُقيمَ لمسرحية «هاملت»، وقد كان بحضور أغنيس التي رأت هيئة ابنها لأول مرة بعد وفاته، وهو واقف على خشبة المسرح أمام جمهور من الغرباء. بدت الموسيقى في تلك اللحظة تعبيرًا خالصًا عن الألم ولواعج قلب الأم المنكسر، من دون أن تلفظ أي كلمة، وإنما من خلال عزفٍ عذبٍ لامس أوتار القلب.
لا يقدّم الملحن ماكس ريختر (Max Richter) هنا موسيقى تصويرية تقليدية، بل ينسج نسيجًا صوتيًا مؤلمًا، محمّلًا بالأسى الهادئ، وكأن الألحان نفسها تعاني من صعوبة التقدّم والمضي بعد الصدمة. ريختر معروف بقدرته الفريدة على تحويل المشاعر المعقدة مثل الفقد والحنين إلى جُملٍ موسيقيةٍ بسيطة ظاهريًا، لكنها تتسلل إلى الداخل بلا مقاومة. لقد اختار نفس مقطوعة (On the Nature of Daylight) التي سبق وسمعناها في نهاية فيلم «وصول» (Arrival, 2016)، وهي ثيمة متكررة عن الأمومة والفقد والحنين إلى ذكرى منسية. في فيلم «وصول»، لا تفرض الموسيقى نفسها على المشاهد، وإنما تظهر في اللحظات التي يعجز فيها الحوار والصورة عن حمل الثقل كاملًا.
إن موسيقاه تَعرف جيدًا متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تترك نغمة واحدة معلّقة في الهواء كأنها سؤال بلا جواب.
لا يُعتبر إعادة استخدام هذه المعزوفة تكرارًا كسولًا، بل اختيار واعٍ ومشحون بالدلالة. ومع انسيابها في المشهد الختامي، يشعر المشاهد أن الفيلم لا يقدّم خاتمةً بقدر ما يقدّم وقفة تأمل، تصرخ بأن الألم لا يزول لكنه يتحول. إن اختيار هذه المعزوفة بالذات يربط سياق اﻷحداث بسينما تتعامل مع الحزن بوصفه حالة وجودية، وليس مجرد حدثٍ عابر.
بهذا، تصبح موسيقى ماكس ريختر في الفيلم امتدادًا لفكرة التشافي عبر الفن. وهي ليست شفاءا، وإنما صيغةً أخرى للعيش مع الألم. ومع انتهاء الفيلم، لا يشعر المشاهد بأن القصة أُغلقت، بل بأنها استقرت داخله، وهذا أعلى إنجاز يمكن أن تحققه الموسيقى في الفيلم.
فيلم يبقى معك لأنه لا يطالبك بشيء
لقد اضطررت إلى مشاهدة الفيلم مرة أخرى حتى أتمكن من الكتابة عنه بإنصاف، ورجائي أن أكون قد أنصفت ما شاهدته خلال أربع ساعات مجتمعة. إنه فيلم لا يستجدي دموعك، ولا يحاول إقناعك بعظمته، لكنه يبقى معك طويلًا، إذ يترسخ في الذاكرة كحالة عاطفية كثيفة، كإحساس، وكظلّ خفيف. إنه فيلم عما يتبقى في الوجدان من أسى بعد الفقد، عن الحياة التي تستمر دون أن تعود كما كانت أبدًا، وعن الفن بوصفه محاولة إنسانية نبيلة لقول ما لا يمكن قوله. فهو فيلم يمجّد الألم ليس لجماله، بل لحقيقته، ويمجّد الفن لا لأنه ينقذ، بل لأنه يرافق المرء في رحلته الطويلة نحو التعافي، وفي هذا التواضع العميق، تكمن عظمته. والأهم من هذا، هو كونه فيلمًا يمجد الأمومة باعتبارها أصعبَ دور يمكن تأديته، ولذا فهو دور يتعذّر إنصافه، لا على خشبة مسرح، ولا أمام الكاميرا.
لقد ترشّح الفيلم إلى ثماني جوائز أوسكار، من ضمنها أفضل فيلم، وأفضل مخرجة، وأفضل ممثلة في دور رئيسي لجيسي باكلي. ولعل ما يلفت الانتباه هو أن «هامنت» ليس فيلمًا سهلًا على الإطلاق؛ فإيقاعه البطيء، واعتماده على الصمت، وابتعاده عن الحبكات الواضحة أو الذروات الدرامية المعتادة، جميعها عناصر تُعدُّ غالبًا مخاطرةً في موسم الجوائز. ومع ذلك، فإن ترشيحه الواسع يعكس نضجًا نقديًا لدى أكاديمية فنون وعلوم الصورة المتحركة، "الأوسكار"، واعترافًا بأن السينما لا تُقاس فقط بقوة السرد، بل بعمق التجربة الشعورية التي تتركها.



