في الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، يعود المخرج الأمريكي جيمس بنينج إلى قسم المنتدى (Forum)، الذي تأسّس عام 1971 بوصفه مساحةً للسينما التجريبية، وللأصوات التي تختبر حدود اللغة الفيلمية وتقاوم أنماط السرد التقليدي. لم يكن حضور بنينج في هذا القسم طارئًا، فالرجل الذي ارتبط اسمه باللقطة الطويلة الثابتة، وبسينما المكان والزمن، يجد في «الفوروم» بيئته الطبيعية، حيث تُشاهَد الأفلام بوصفها تجارب تُعاش.
من خلال فيلمه الجديد «ثمانية جسور» (Eight Bridges) يواصل هذا المسار بصرامة تكاد تكون زهدية. ثمانية جسور، وثماني لقطات ثابتة واسعة، كل لقطة تمتدّ قرابة عشر دقائق، يعقبها قطع إلى شاشة سوداء، ثم انتقال إلى الجسر التالي. لا تعليق صوتي، لا موسيقى مصاحبة، ولا تدخل مونتاجي يوجّه النظر. كل ما هناك هو الجسر، وما يحيط به.
من حيث التكوين البصري، تتكرّر في كل لقطة ثلاثة عناصر أساسية: الماء، والهواء، والجسر. الطبيعة تحيط بالمشهد من فوق ومن تحت، فيما يقف الجسر علامةً هندسية تتوسّط الفضاء، كتدخّل بشري في نظام كوني أوسع. الصورة دائمًا واسعة، شمولية، تتيح للعين أن تتجوّل بحرية، وتدعوها في الوقت ذاته إلى الصبر. هذه الثباتية ليست كسلاً جماليًا، إنّما اختيارٌ واعٍ يجعل من الكادر فضاءً للمراقبة.
الزمن هنا ليس عنصرًا تابعًا للسرد، بل هو موضوع الفيلم ذاته. تمرّ الشاحنات والسيارات فوق الجسر، تمخر السفن عباب الماء تحته، تحلّق الطيور في السماء، تتحرّك الغيوم ببطءٍ يكاد لا يُدرك إلا بعد مضي دقائق. فالحركة موجودة، لكنها ليست مصمّمة للإثارة، بل لتذكيرنا بأن العالم يستمرّ، بصرف النظر عن حضورنا.
في هذا المعنى، يندرج «ثمانية جسور» ضمن تقاليد السينما البنيوية والتأملية، حيث يصبح المشهد وحدةً مكتفية بذاتها، ويتحوّل المتفرّج من مستهلكٍ للحكاية إلى شاهدٍ على اللحظة.
غير أن الجسر ليس مجرد عنصر معماري. فهو مفهوم، ومَعبَر، ووسيلة انتقال، ووعدٌ بالوصول إلى ضفةٍ أخرى. والجسور بدورها تحمل قصص البشر، حركتهم اليومية، استعجالهم، وأحلامهم المؤجلة. وبنينج، كما صرّح في نقاش أعقب العرض، كثيرًا ما يتساءل: من الذي صنع هذه الجسور؟ ولماذا؟ وكم كانت كلفتها؟ أسئلة تبدو تقنية، لكنها تنفتح على أبعاد اقتصادية وتاريخية واجتماعية. فالجسر ليس حياديًا، هو نتاج قرار سياسي وهندسي، واستثمار مالي، ورؤية لمستقبل حركة البشر.
ثمّة مفارقة أكثر قتامة أشار إليها المخرج أيضًا، حين تحدّث عن الأشخاص الذين قرّروا القفز من فوق هذه الجسور. وهنا ينقلب المعنى. فما صُنع لتسهيل العبور، قد يتحوّل إلى نقطة انقطاع نهائي. في منتصف الطريق، يختار بعضهم ألا يُكمل الرحلة. هذه المفارقة تمنح الصورة الثابتة بعدًا دراميًا صامتًا. نحن لا نرى قفزًا، ولا حادثة، لكننا نُدرك إمكانية حدوثها. والجسر، الذي يبدو رمزًا للوصل، يحمل في طيّاته احتمال الفقد.
التجربة لم تقتصر على الشاشة، ولكنها امتدّت إلى القاعة بأكملها. حالة الصمت التي خيّمت على العرض كانت جزءًا لا يتجزأ من العمل. أصوات الماء، هدير الريح، صرير السيارات، خفق أجنحة الطيور، كلها كانت تُسمع بوضوح، لأن الجمهور اختار أن يصغي. بدا الحضور وكأنهم يتفادون أي حركة قد تشوّش على هذا التركيز الجمعي. السينما هنا استعادت وظيفتها الأولى: فضاء مظلم يجتمع فيه غرباء ليختبروا الوقت معًا.
لكن المفارقة الطريفة تمثّلت في لحظات الانتقال من جسر إلى آخر، حين كانت الشاشة تسودّ فجأة. في بعض هذه اللحظات، انطلق ضحكٌ خافت من أطراف القاعة، كأن المتفرّجين فوجئوا بانقطاع التأمل، أو كأنهم شعروا بوطأة الانتظار الطويل. هذا الضحك لا ينتقص من جدّية التجربة، فهو يكشف عن هشاشة علاقتنا بالزمن، نحن نتوق للتأمل، لكننا لا نطيق امتداده إلى ما لا نهاية.
قال بنينج في حديثه: «يبدو أن الوقت قد حان للتفكير في الجسور». عبارة بسيطة، لكنها تختصر روح الفيلم. فالتفكير في الجسور هو تفكير في البُنى التي تنظّم حياتنا، في الطرق التي نختارها، وفي المسارات التي نعبرها دون أن نتوقف عندها. والأهم، هو تعلّم الانتباه. فهذه الأعمال، كما أشار، تعلّمنا أن نلاحظ التفاصيل، لا في السينما فحسب، ولكن في حياتنا اليومية أيضًا.
ولعلّ «ثمانية جسور» لا يقدّم إجابات جاهزة، ولا يسعى إلى ذلك. فهو يقترح تجربة: أن نقف، أن نراقب، أن نُعيد اكتشاف العالم عبر بطئه. وفي زمنٍ تتسارع فيه الصور، ويُختزل فيه المشهد إلى ثوانٍ عابرة، يبدو هذا التوقّف فعل مقاومة. مقاومة للسرعة، وللاستهلاك، وللنسيان.



